|
أيَّها القارئ الكريم:
وأنت في مستهل قراءتك لهذا الكتاب، فلا بدَّ لك من أن تتعرّف إلى مؤلفه،
لتدرك شيئاً من الخلفية الفكرية التي حدت به لتأليفه.
فقد ولد السيد النيلي في العراق في محافظة بابل التي كان لها الريادة في
عالم الفكر في مبدأ التاريخ كما هو معلومٌ. وكان مولده في المنطقة نفسها
التي شهدت بابل القديمة في مكان يدعى (السوره) تابعٍ لناحية النيل الواقعة
شمال مدينة الحلّة الحالية بمسافةٍ قليلةٍ. وفي هذه المنطقة ولد جملةٌ من
أكابر العلماء المحدّثين ممن حملوا بعد أسمائهم لقب (النيلي) أو لقب (السورائي)،
تجد تراجم لهم في كتاب روضات الجنّات وفي التراجم الأخرى لرجالات الفكر في
العراق. وهناك ترعرع ونما، وهناك نشأ وتربّى، بين أفراد عائلةٍ مشبّعةٍ
بالحسِّ الديني الفطري الذي استطاع الوقوف عصياً على كلّ التيارات الوافدة،
وكان والده شاعراً حسينياً شعبياً يتغنى بملحمة أهل البيت (ع)، تلك الملحمة
التي كانت ولا زالت ملء ضمائر أهل العراق الذين أخلصوا لآل النبي الأكرم
(ص)، وأحلّوهم محلّ الروح من الجسد. فلا عجب إذن أن يتغذّى السيد النيلي من
هذه اللبنة المعطاء ويشبّ محبّاً كأشدِّ ما يكون الحبّ لأولياء
الله الكرام.
ولقد كان ذهنيةً لامعةً كما يشهد أقرانه، فتفوّقَ في دراسته. ولقد كان
مستضعفاً متواضعاً هادئاً كما شهدناه فتفوّق في خُلقهِ. ومن جمع الاثنين:
قوّة في فهمٍ وجمالاً في خُلُقٍ فتوقّع منه أثراً مدوياً لا في محيطه لو
قدّر الله، بل في كل مكان… وهذا ما كان!.
وقد تمكّن السيد النيلي من الدراسات العليا في هندسة الإلكترونيات، وقت إن
تمكّن من المطاولة في المناظرات. فحاز درجة (الماجستير) في الأولى، ونال
التقدير في الثانية. ففي الاتحاد السوفيتي السابق الذي كان يحمل لواء الفكر
المادي، كابد مؤلفنا عناءً عقائدياً مستديماً في مواجهة أكابر المنظّرين
الماديين في هذا البلد، ودخل معهم في معمعة المناقشات الفلسفية العامة
مسلّحاً بدرايةٍ نقديةٍ مبكرةٍ لمجمل الفكر الغربي حصّلها من دراساته
ومطالعاته المكثفة منذ أيام صباه. وفي أواخر كتاب (أصل الخلق) نقلَ لنا
مناظرةً بينه وبين أحد هؤلاء تعطي نظرةً وافيةً إلى مدى البنية العقائدية
التي أنطلق على أساسها إلى عالم التنظير ليقابل بها الآخر بكلِّ تمكّنٍ
واقتدار.
وقد أثارت لديه دراسته الهندسية إشكالات عديدةٌ تتعلّق بالنظرة المعتادة
إلى كتاب الله. ففي الوقت الذي تأكّد له أنّ
هذا القرآن هو كتاب الله حقّاً من خلال
تأثّره البالغ به أيام صباه، فإنّه كان مأخوذاً من المفارقة المدهشة بين
عظمة هذا الكتاب وبين طرائق إظهار هذه العظمة لدى عامة المفسّرين.. إذ لم
يكن ليستوعب هذه المفارقة إلاَّ بعد سنواتٍ من التأمل في سببها امتدّت
طويلاً وأخذت منه كلّ جهد.
فقد صرّح بأنَّ عمق كتاب الله وجلال آياته
وسموّ مقاصده وعلوّ مقامه كان يتحجّم ويذوي كلّما قرأ تفسيراً أو كلّما مرّ
بتأويلٍ. وهذا التصريح تجده في كتابه الآخر (نظام القران الكريم في رحلة
الكشف وحوارية الكفر والإيمان) الذي طرح فيه احتمالاً بأنّ السبب في هذا
التحجيم هو في نظرة الأمة بعلمائها إلى كتاب الله
ليس إلاّ.. وهي نظرة وضعها مكبّرةً بعد ردحٍ من سنين طويلةٍ قضاها في
التأمل والتفكير ليجد فيها السطوة الهائلة لمكرٍ خفيٍّ.. خاصةً بعدما مضى
قدماً في كشفه لمظاهر النظام القرآني، وبعدما استطاع أن يجد جذوراً قويةً
لهذه النظام لدى علماء أهل البيت عليهم السلام.
ولذلك توالت طروحاته النقدية العنيفة على الفكر الاعتباطي العام سواء على
صعيد اللغة أو الفلسفة أو الاجتماع أو الأصول الفقهية أو التفسير. ولم يكتف
بذلك فحسب ، بل قدّم تأسيساً جديداً لهذه العناوين العامة. فكان إن أبان عن
قصدية اللغة في كتابه اللغة الموحدة، وفنّد الآخر الفلسفي في تأسيسٍ يبتدأ
بالـ (هو) بدلاً من (الأنا)، وصوّر بديلاً مكيناً للعلاقات الاجتماعية
وقوانينها في كتابه طور الاستخلاف، ووجّه نقداً دامغاً لأساليب العملية
الأصولية منادياً بطرحٍ آخرٍ يؤصّل العملية استناداً إلى كتاب
الله الذي هو نظامٌ كلّي يقاس كلّ شيءٍ إليه
ولا يقاس بشيء. وأيضاً فقد واجه الطرائق التفسيرية جامعاً إيّاها في بوتقةٍ
واحدةٍ أسماها بالاعتباط الديني.. وقدّم بدلاً منها المنهج اللفظي الذي هو
موضوع هذا الكتاب.
وهذا كما ترى أيّها القارئ الكريم عملٌ ضخمٌ لا يطيقه إلاَّ نفسٌ قويٌّ
مؤمنٌ.. ولن نتحدّث عن المكابدات التي ألمّت بهذا النابغة والردّ الذي جوبه
به بشكلٍ منقطع النظير. فقد كان من أثر هذا العمل المكين، ومن أثر هذا
الردّ أن ارتقى العلياء مضياً إلى رحمة الله
في مساء ليلة الجمعة من يوم 17/8/2000.
وفيما يلي قسماً من مؤلفاته:
1.
طور الاستخلاف ـ دراسة في مستقبل الجنس البشري على ضوء القرآن والسّنة.
2.
أصل الخلق ـ بحث في نشأة الإنسان على ضوء كتاب الله.
3.
اللغة الموحدة ثلاثة أجزاء لا زال الثالث مخطوطاً ـ كتاب يؤسس لنظرية جديدة
في علم اللغة العام تقوم على مبدأ القصدية في البنية اللغوية.
4.
ملحمة جلجامش والنص القرآني ـ يتحدّث عن وحدة الشخصيتين جلجامش وذي القرنين
على ضوء اللغة والعلم.
5.
الحل القصدي في مواجهة الاعتباطية ـ كتاب في نقد طرائق البحث اللغوي
المتعلقة بكتاب الله ونقد كتابي الجرجاني
أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز.
6.
الحل الفلسفي بين محاولات الإنسان ومكائد الشيطان ـ كتاب في نقد الفلسفة
والأناوات الفلسفية المختلفة بشكلٍ عامٍ وهو تفسيرٌ لمقطع واحدٍ من سورة
الإخلاص هو (قل هو).
7.
البحث الأصولي بين عقل الإنسان وحكم القرآن ـ نقد عنيفٌ للعملية الأصولية
عند الفكر الأصولي.
8.
الشهاب الثاقب المحتج بكتاب الله في الردّ
على الناصب أحمد الكاتب ـ كتابٌ ولا أروع!
وهناك مؤلفاتٌ أخرى تنبع كلها من نفس الفكرة، أي فكرة النظام، ومعظمها
مطبوعٌ حاسوبياً.
نسأل الله تعالى أن يتغمّد السيد الجليل
العالم النيلي بوافر رحمته ويمن عليه بجزيل إحسانه ويسكنه فسيح جنّاته..
والحمد لله ربّ العالمين.
|