|
جاء ذكر يوم الديِّن في سورة الانفطار ثلاث مرّات وهي السورة الوحيدة التي
تكرر فيها ذكر هذا اليوم، بينما كانت جميع الموارد الأخرى قد جاءت مّرة
مّرة في كل سورة من السور العشرة الأخرى.
ومن جهة أخرى فإن يوم الدين جاء مقترناً بالتكذيب أيضاً ولكن بصورة غير
مباشرة من خلال لفظ (الفجار).
"وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين"
ولكن تكرار الاسم جاء مع صيغة (ما أدراك) مكرراً:
"وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك ما يوم الدين".
وقد علمت أن عبارة (ما أدراك) قد جاءت للآن في أربع سور مرت عليك مرتبطة
بالعلامات الكونية أو بخصائص طور الاستخلاف وهي الطارق في (وما أدراك ما
الطارق) والمدثر في (وما أدراك ما سقر) والهمزة في "وما أدراك ما الحطمة)
والمطففين في "وما أدراك ما سجين".
إذن فصيغة العبارة "ما أدراك" هي من ألفاظ الطور المهدوي، فهل تتفق مواردها
عددياً مع خلفاء هذا الطور أو حقبه المرتبطة بهذا العدد؟
رأينا أن موارد يوم الدين ثلاثة عشر مورداً وعلمنا معنى هذا الرقم من قبل.
لذلك نجد موارد عبارة ما أدراك لا تتفق مع هذا العدد وحسب وإنما تتناوب
التكرار في ثلاثة سور مشيرة إلى نظام تكرار موارد يوم الدين الثلاثة.
لكن النظام الثلاثي هذا يبدو أنه ساري المفعول في موارد تكرار الألفاظ
المقترنة بالعبارة (ما أدراك)، لأننا إذا أحصينا مكررات هذه الألفاظ نجدها
تكررت ثلاث مرات متجاورة مع بعضها بيد أن عددها في الموارد الثلاثة عشر
ثلاثة أيضاً.
لاحظ النظام الثلاثي الآتي:

لكن هذا النظام إذا كان مرتبطًا بهذه الموارد فقط في كل القرآن أي لا توجد
ألفاظ ثلاثية الذكر في كل القرآن سوى القدر
-
الحاقة القارعة واشتراك الثلاثة بحرف القاف فإن النظام الثلاثي نجده في
المكررات الثنائية للموارد الثلاثة عشر بالنسبة للفظ (ما أدراك) فقط. وهذا
يعني أن لهذا اللفظ نوع من التمركز في النصوص بحيث أنه يشكل عنواناً بحثيًا
للجمع بين تلك النصوص. لاحظ هذا النظام.

لا توجد سور تتكرر فيها صيغة ما أدراك مرتين سوى هذه الثلاثة. ولكننا نلاحظ
أن الانفطار هي الوحيدة التي كان المكرر فيها هو نفسه (يوم الدين).
هذا يجعلنا نبحث عن النظام الثلاثي لمفردة يوم فنجده في الموارد الثلاثة
عشر قد تكرر ثلاث مرات فقط.

إن هذا التبادل بين النظام الثنائي والثلاثي يذكرنا بأنظمة سورة الكهف في
الفصول الأولى وبصفة عامة فإنه يذكرنا بالرقم (6) الذي هو عدد أيام الخلق
والعامل المشترك للرقمين.
وقد نعثر على النظام السداسي هذا في ألفاظ عدة مرتبطة بهذه الشبكة مثل (يوم
الفصل) فإنه متكرر في القرآن ست مرات واحد منها فقط من جملة المقترن بصيغة
(ما أدراك).
وقد يتفرّع النظام السداسي إلى الحروف. فإن (قاف) مرتبط بالتكوين، أي أنه
مرتبط بالفلك من خلال ما ذكر عن النبي (ص) أنه جبل محيط بالأرض وفد فسرناه
بالقوة المغناطيسية بأدلة لغوية وعلمية وروائية وافية في النظام القرآني.
فهل نجد مكررات لهذا الحرف متفق مع أيام الخلق مثلاً؟
نعم، فإن الحرف جاء في ستة ألفاظ فقط من مجموع الموارد التي اقترنت بصيغة
ما أدراك، وهي:
1. وما أدراك ما الحاقة -
الحاقة
2. وما أدراك ما سقر
- المدثر
3. وما أدراك ما الطارق - الطارق
4. وما أدراك ما العقبة -
البلد
5. وما أدراك ما القارعة - القارعة
6. وما أدراك ما ليلة القدر - القدر
ويمكنك أن تلاحظ أن الأنظمة تعود مجدداً للظهور في داخل البناء الصوتي نفسه
للألفاظ، لأنك إذا أعدت الألفاظ إلى الثلاثي الأصلي لمعرفة تسلسل وقوع حرف
القاف في البناء اللفظي وجدت النظام الثنائي والثلاثي قد ظهرا في ترتيب
القاف داخل الألفاظ على النحو الآتي:

إن جميع الحروف التي تقدمت حرف القاف كانت قد استعملت في أوائل السور كحروف
مقطعة:
العين: في ك ه ي ع ص
السين: في ع س ق
الطاء: في ط.ه
الحاء: في ح.م
الراء: في أ.ل.ر
الألف: في أ.ل.م
ويظهر من ذلك أن النظام يسري إلى مستوى توزيع الأصوات في الألفاظ، وهذا ما
يؤيد النظرية القصدية للغة. فإن منشأ النظام اللغوي أصلاً هو من دلالة
الأصوات نفسها، بيد أن إيقاع كلام متفق مع هذا النظام هو أمر تعجز عنه عقول
الخلق كافة
-إذ
يفترض في الاتفاق أن يكون شاملاً ولا يوجد بين أيدينا نظام لغوي بهذه
الصورة سوى النظام القرآني.
إذا رجعنا إلى سورة الانفطار نلاحظ تشابهًا في المقاطع التي افتتحت بها
السورة. فهنا أربعة شروط متعاطفة بجواب واحد:
"إذا السماء انفطرت. وإذا الكواكب انتثرت. وإذا البحار فجرت. وإذا القبور
بعثرت. علمت نفس ما قدمت وأخرت".
وإذا كانت الشروط في سورة التكوير اثني عشر شرطًا، فإن مفردات الشروط في
سورة الانفطار إثنتا عشر لفظاً، ذلك لأن كل شرط من الشروط الأربعة ثلاثة
مفردات.
كان الجواب في سورة التكوير هُوَ "علمت نفس ما اُحضرت". بينما الجواب في
سورة الانفطار هُوَ "علمت نفس ما قدمت وأخرّت". وكان الاعتباط اللغوي قد
ذكر كما هي عادته ان (انفطرت) معناه (إنشقت وقال الانفطار والانشقاق
والانصداع واحد وهُوَ الأنفراج
-
انظر البيان/10/290.
وقد أكّدنا في الحل القصدي للغة ان هذهِ الألفاظ متباينة وهي تشير إلى
مراحل مختلفة ووقائع منفصلة تحدث للتكوينات خلال الحقب المستقبلية وهي أيام
الله المنتظرة، فلكي يتعرف الخلق على تأريخهم المستقبلي عليهم التدبّر في
الفوارق بين هذهِ الألفاظ.
ان العمليات التي تجري للسماء في القرآن كوقائع هي اربعة عمليات:
الانكشاط: "وإذا السماء كشطت" التكوير /
الانفراج: "وإذا السماء فرجت" المرسلات/9.
الانفطار: "إذا السماء انفطرت" الانفطار/1.
الانشقاق: "إذا السماء انشقت" الانشقاق/1.
ان كل عملية من تلك العمليات لها خصائصها المتميزة فمثلا إذا لاحظت
الانشقاق فانه مرتبط بتقسيم الخلق إلى فئتين من أوتي كتابة بيمينه ومن أوتي
كتابة بشماله أو وراء ظهره:
إذا السماء انشقت. وأذنِتْ لربّها وحُقت" إلى قوله "فأمّا من أوتي كتابة
بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً. وامّا من أوتي
كتابة وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا.." الانشقاق من السياق/1-11.
فإذا تابعت الانشقاق في مورد آخر وجدته مقترناً بالكتب أيضاً: "وأنشقت
السماء فهي يومئذ واهية. والملك على أرجاءها ويحملُ عرش ربك فوقهم يومئذٍ
ثمانيةً. يومئذ تعُرضون لا تخفي منكم خافية. فأمّا من أوتي كتابة بيمينهِ
فيقول هاؤم إقرأوا كتابية..." الحاقه/16-19.
إذن فانشقاق السماء مرتبط بجميع الوقائع التي يذكر فيها توزيع أو نشر
الكتب، ولا يرتبط بالوقائع المتصلة بحوادث السماء الثلاثة الأخرى.
ونحن نذهب إلى القول الذي يؤكد ان النظام القرآني يمكن ان يدلّنا على جميع
التفاصيل الدقيقة المرتبطة بهذه الحوادث بما في ذلك اوقاتها فيما لو عرفنا
الأنظمة العددية وعلاقتها بالاستعمال اللغوي.
وعلى ذلك فان سورة الانفطار تبدأ بواقعة غير الانشقاق ضرورة ان لفظ
الانفطار مختلف عن الانشقاق.
لا يمكننا هنا ان نذكر التفاصيل المتعلقة بهذين اللفظين، فان الوقائع
الأربعة للسماء مرتبطة في النظام القرآني بجميع ما يذكره القرآن ويريد به
ما يقع في المستقبل اذ يتوجب ارجاع الوقائع إلى أحقابها وبالطبع فانّ هناك
تداخلاً لفظياً قد يُوقعنا في وهم شديد لا نشعر به.
إنما يهمنا هنا أول تلك الوقائع وهُوَ يوم الدِّين. لم يأت في السورة لفظ
التكذيب مقترناً بيوم الدينَ بل جاءَ التكذيب بالديِّن نفسه قبل ذكر يومه:
"إذا السماء انفطرت. وإذا الكواكب انتثرت. وإذا البحار فجرّت وإذا القُبور
بعثرت. علمت نفس ما قدمت وأخرّت. يا أيها الإنسان ما عزك بربك الكريم. الذي
خلقك فسواك فعدلك. في أي صورة ما شاء ركبّك. كلاّ بل تكذبون بالدَّين. وان
عليكم لحافظين. كراماً كاتبين. يعلمون ما تفعلون." الانفطار: 1-12.
ورد ذكر الإنسان في القرآن (65) مرة. وقد رأيت انه مذموم في عموم تلك
الموارد بخلاف البشر الممَدوح في الموارد القرآنية جميعاً في هذا الموضع
توجّه الخطاب إلى الإنسان: يا أيها الإنسان! ولم يرد مثل هذا الخطاب مرة
أخرى الاّ في سورة الانشقاق.
والآن فانك تعلم العلاقة فان سورة الانشقاق تضمنت علامات للطور المهدوي
ذكرناها سابقاً.
لكن متن الخطاب مختلف: ففي الانشقاق قال: يأ أيها الإنسان انك كادح إلى ربك
كدحاً فملا قيه". فقد التفت اليه في وضعه الراهن فخاطبه محذراً بعد ان ذكر
العلامات.
ولمّا كانت الغاية هي وصول الإنسان إلى طور البشر ولمّا كانت سورة الانفطار
تتحدث في أولها عن مرحلة متقدمة جداً من المهدوية وقريبة من القيامة، فقد
توجه الخطاب إلى الإنسان الذي بقي في إنسانيته الأولى ولم ينزق إلى مرحلة
البشر وكأنه في هذهِ المرحلة أصبح ميئوساً من ترقية فالذين بقوا إلى تلك
اللحظة في طور الانسانية لا أمل في وصولهم إلى مرحلة البشرية فقال:
"يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك".
ذكرّه الآن بمراحل التكوين التي مّر بها وهي: الخلق والتسوّية والتعديل ...
ذلك لأنه خالف هذا الناموس التطوري ولم ينتفع من التسوية والتعديل .. بمعنى
أنّه لمْ يصل مرحلة نفخ الروح فيه كما حصل لآدم (ع) وللبشر.
وقد لاحظنا بالتفصيل علاقة هذهِ الروح المنفوخة في آدم بالطاعة وفصلّنا
القول في انها غير رَوح الحياة وقلنا ان آدم (ع) كان حّياً قبل نفخ الروح
لكنه كان ميت النفس فهو حي ببدنه فقط وانه واحد من مجموعة كبيرة من بني
الإنسان تطوروا عن مخلوق الحمأ المسنون والطين وان الله تعالى قد اصطفاه من
بينهم لأنه إذ عن بالطاعة لله وتجاوز مرحلة الإنسانية فنفخ فيه روح
الأيمان: "ان الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين".
وقلنا كذلك ان الخلق الآن ليسوا جميعاً ولد آدم فثمة أقليّة نقيّة من آدم
وثمة اختلاط في الذريّات بين ولد آدم ومن بقي من صنف الإنسان الأول.
بيد ان عمليات الإبادة الجماعية للأمّم كانت تستهدف حَصَر نطاق
الذراري بذرية آدم وتقليل عملية الاختلاط.
ذكرنا كل ذلك في كتاب (أصل الخلق). وانّ مما يؤيده جميع الموارد التي تذكر
الإنسان والبشر وكذلك الموارد المتميزة جداً التي توجه فيها الخطاب لبني
آدم وحَدهم.
يصُبح الخطاب هنا متوجهاً للنوع الإنساني كله
-
النوع المتخلّف عن التطور المنشود ولذلك جاءت صيغة الخطاب للمجموع فوراً:
"كلا بل تكذبّون بالدِّين".
وقد قلنا هناك أيضاً أن الاختيار الإنساني الذي هُوَ محُور التكليف الشرعي
هُوَ في الواقع انتخابٌ ذاتي، أي انه مختلف عن الانتخاب الطبيعي في كون
المنتخب والموضوع واحد في الإنسان دون سائر الكائنات كما يظهر لنا في
الأقل.
أي انك تنتخب السنابل الجيدة لتعيد زراعتها فتحصر الإنتاج بالسنابل الجيدة.
أمّا الإنسان كنوع، فيقوم بانتخاب نفسه وتقرير نوعه من خلال اختياراته فهو
المنتخب وهُوَ موضوع الانتخاب.
فالفرد الواحد قد لا يؤثر بالنسبة لنا كثيراً. ولكن الأمر عند الله مختلف
جداً فانه يُعيد الحياة للأموات ويغيّر النظام الطبيعي ويعطي لهذا الانتخاب
فرصته الكاملة.
إذن نفهم الآن قول الصادق (ع): إن المؤمن في دولة المهدوية يطول عمره حتى
يولد له ألف ولد ذكر.
كما نفهم لماذا يكون قتل النفس بغير نفس أو فساد في الأرض يعادل قتل الناس
جميعاً في النص القرآني. فالمقّدر لهذهِ النفس أن تستمر حياتها وانما كتب
عليها الموت للابتلاء لا غير وإنها لتحيا فيما بعد حتى تكون لها ذريّة
صالحة كلها بقدر عدد الناس الذي وُجدوا من قبل.
إذن فتأهيل الملكوت والسموات السبع في الطور المهدوي كما ذكرته بعض الأخبار
هُوَ المطابق للمنطق القرآني.
صحيح أن المؤمنين "ثلة من الأولين وثلة من الآخرين" بيد أن هذا العدد
سيتضاعف بصورة لا يمكن رسم حدوُدها وان العصاة ليرون بأعينهم كل شيء
فيزدادوا حسرة على حسرتهم.
إن التغيرات التي تحصل للجسد في الجنة مثل أن بيض الوجوه وان يتضاعف الحسن
والجمال حتى ذكرت بعض النصوص أن نور وجُوهم يفوق الأنوار الكونية إنما هُوَ
من هذا الباب، فان الانتخاب الذاتي يأخذ مداه.
وهنا يمكننا ان نفهم قوله تعالى "... فسواك فعدلك. في أي صورةٍ ما شاء
ركبّك" نفهمها بالطريقة التي تجعل هذا التركّب مسُتمراً مع الإنسان كنوع
فان اشكال وُصور المعذبين من المكذبين والمشككين بقدرة الله المطلقة ستكون
على عكس ما رأيناه من صور للمؤمنين فهي صور قبيحة مردودة إلى أسفل سافلين.
ومن هنا قد نكون أول من يُعطي تفسيراً معقولاً لفكرة التناسخ التي انتشرت
في حقب تاريخية مختلفة.
فان أكثر العقائد هي عقائد دينية قالها أنبياء ورسل فتّم تشويهها وتحويلها
عن وجهتها. فقد قال برجوع الظالمين إلى الصور القبيحة والحيوانية فلاسفة
قدامى من اليونان امثال أرسطوطاليس وسقراط وأفلوطين على اختلافات بينهم
"أنظر
-
النفس لأرسطو
-2-4/415
ب وتاريخ الفلسفة الغربية/راسل/274 والفلسفة في الإسلام/288
وطيماؤس/453-أ".
وقد سميت الفكرة المشوهة هذه (بتناسخ الأرواح)، بينما أصل الفكرة ان النفس
التي منحها الله اختيارها الذاتي تختار لنفسها خطة الترقّي أو التقهقر ومن
الواضح ان عملية التقهقر هي رجوع إلى الأطوار الأولى للخلق حسب الدارونية
الجديدة في (أصل الأنواع) وبالتالي تتوقف النفوس عند حدودها القصوى في هذا
الاختيار وإذن فنحن بازاء تناسخ أجساد لا أرواح.
بل لفظ (تناسخ) لا يطابق هذا المفهوم إنما هُوَ تقهقر أو ترقي فالمادة
الجسّدية المكونة من عناصر الأرض هي عامل متبادل في التأثير من النفس.
هنا قد نفهم معنى قوله تعالى في سورة ياسين:
"ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مُضيا ولا يرجعون". هذهِ
الآية الغريبة التركيب والتي حيرّت المفسّرين في المعاني المتعلقة:
بالمكانة، والمضيّ، والرجُوع .. تتوضح الآن وفق مفهوم أساسي قائم على
الانتخاب.
والمعنى العام ان الله لو شاء ان يسلبهم الحرية (قدرتهم على الانتخاب) فان
ذلك يعني ان يُمسخوا على مكانتهم الفعلية أي درجتهم الحقيقية من التطوّر
-
فان أبدانهم تطوّرت متقدمة أشواطاً بملايين السنين في حين تأخرت نفوسهم
المريضة بالحيوانية البدائية وبقيت في حالها الأوّل فالأبدان الملائمة لهم
هي أبدان تتناسب مع درجة عقلانيتهم بمعناها الذي هُوَ عند الله تعالى.
فإذا سلبهم هذهِ القدرة ومسَخهم على تلك المكانة فلا قدرة لهم على المضّي
قدماً في التطور ولا الرجوع إلى الصورة الأولى المكونة من التراب. ومن
الممكن ان تقرأ العبارات مع حركة المسخ أي فلا يستطيعون مضياً في التقهقر
ليعودوا إلى المادة الأولى الترابية ولا يقدرون على الرجوع للأصل الذي
مسخوا عنه وهُوَ الصورة الإنسانية
-
بجعل حركة المضّي والرجوع متناسبة مع حركة المسخ بعكس الترتيب الأول.
ولكن الله تعالى لم يفعل ذلك بهم للآن فقد أعطى هذا الخلق والذي يسمّيه أحد
الأئمة (ع): "الخلق المنكوس"
-
أعطاهم فرصة مستمرة للاختيار. ان لفظ منكوس يفيد التراجع والتقهقر في
الحركة. إن لفظ (منكوس) الذي يذكره الأمام الصادق (ع) لهو دليل واضح على
قانون الترقّي للإنسان لأنه يتضمّن حركة التطور تضمّناً دلالياً، إذ
انتكس هذا الخلق في أغلب أفراده خلافاً للحركة المسنونةِ التي وضعه الله
فيها.
وما ذلك الاّ لتكذيبة بالتطوّر، إذ انّ هذهِ القدرة في الإنسان مرتبطة
بخياراته.
ان الطالب في الجامعة إذا اعتقد انه لا نهاية لمرحلة الدراسة وان
الامتحانات النهائية اكذوبة وان الشهادة التي تعطي له في النهاية هي مجرد
خُدعة وان تعيينه في عمل هام في المجتمع مجرد دعاية .. إذا اعتقد بكل ذلك
-
فهل تظنّه سيفتح كتاباً بعد ذلك وهَل ستزداد معلوماته؟ وهل سيحترم الجامعة
ومن فيها؟ كلاّ فهذا الشعور بعبثية الجامعة والدراسة وعدم جدواها تجعله في
موقف مناقض للمأمول منه في جميع الأشياء المتعلقة بذلك..
فأنه سيمقت العالم كله ويتحول إلى بهيمة وسينعكس ذلك على سلوكه العام فتسوء
أخلاقه ويكون عدواً للجامعة ومن فيها.
فكذلك الأمر من المكذبين بالغاية والنهاية لهذهِ الجامعة الإلهية الكبيرة
والمدرسة الحياتية الطويلة الأمد. ان المكذبين بالوعد أشرار حتى لو رأيتهم
يفعلون (الخيرات) فان كوامنهم، تنطوي على حقد دفين ضد الخلق وضَدَّ أنفسه،
فهم يمقتون هذهِ (الجامعة) بما في ذلك وجودهم فيها:
"ان الذين كفروا يُنادَون لمقتُ اللهِ أكبر من مقتكم أنفسكم
إذ تدُعَونَ إلى الأيمان فتكفرُون" غافر/10.
ولكن غالباً ما يظهر من هؤلاء سلوك خادع فيحسبهم الساذج مؤمنين ذلك ان
(الجامعة) الإلهية هذهِ مختلفة من حيث ظهور النتائج، فالنتائج فيها تظهر
متأخرة جداً في الزمان لأن موضوع دراستها هُوَ نفس وجود. هذا النوع
الإنساني وأفراده وحياتهم ومماتهم
-
فقد يحسب المرء ان التفريق بالغ الصعوبة وإن تمييز الخبثاء عن الطيبين عمل
معقد. كلا انه على الله يسير جداً ومن هنا قال: "بل تكذبَّون بالدِّين. وان
عليكم لحافظين. كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون" وعدا الملائكة الذين يكبون
الأعمال فقد أشارت نصوص أخرى هامّة ان تسجيل الأعمال ذاتي الصورة.. أنها
أعمال مسجلة في نفس كيان هذا المخلوق. ومن هنا أشار القرآن إلى شهادة
الجوارح على الإنسان إذ أن الإنسان لا يملك في الواقع سوى قدرة الانتخاب
انه عند الله عبارة عن (حرية) مجردة، فبدنه وأعضاءه ليست من أملاكه الخاصة
انها مخلوقات مذعنة لله طائعة له، أعيرت له على سبيل الإعارة لاستخدامها
فهي له ان أحسن وهي عليه أن اساء.
وهنا يأتي التقسيم إلى مجموعتين:
"ان الأبرار لفي نعيم. وان الفجارّ لفي جحيم. يصلونها يوم الدين. وما هم
عنها بغائبين. وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدِّين. يوم لا
تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذٍ لله".
إذن يعود الأمر كما بدأ لله وحده وتجردّ النفس عن أملاكها فتظهر (نفس
مجردة)، تظهر كاختيار محض، وليس معنى ذلك انها نفس من غير بدن أو جسم كما
تتوهم، فالنفس بغير أدوات لا تقدر على الاختيار إنما هي نفس جرّدها الله عن
قدرتها في المخادعة بتغيير النظام.
وهنا يفكر المجرمون بالاعتراض فيقولون: انه هذا التغير سيكون بعد موتنا
فنحن غائبون عن هذا الواقع في يوم الدِّين.
ويأتي الجواب فورَ قوله يوم الدين في جملة معترضة تأتي بسرعة لتفصل مكررات
هذا اليوم.
إذ يُفترض ان السياق هُوَ: "يصلونها يوم الدين. وما أدراك ما يوم الدِّين".
لكنه فصل بينهما بجملة: "وما هم عنها بغائبين"، ليقطع الطريق عليهم في
ادعاءهم هذا.
مناقشات مع الاعتباط اللغوي
1. زعم الاعتباط ان قوله تعالى (حافظين. كراماً كاتبين،
يعلمون ما تفعلون)، زعم انهم يعلمون الظاهر من الأعمال دون الباطن.
أقول لماذا يستغفر المؤمن إذن عّما فعل في خلواتِه وعّما خالفت فيه نواياه
ظواهر عمله؟
أنهم يحسبون ان الكرام الكاتّبين ملائكة بمعنى أشخاص مثل الإنسان يرافقونه
فيكتبوَن ما يرونه فقط لكنه لا يراهم فالقرآن ذكر الملائكة باسم (الرقباء)
وذكرهم باسم (المعقبات) وهنا اسم آخر هُوَ (الكرام الكاتبين).
فالرقباء والمعقبون كائنات خارجية امّا الكاتب فهو داخل الإنسان ولذلك
ارتبط علمهم بالفعل لا بالعمل.
وقال آخرون بل يبقى اللفظ على عمومه لأن الله تعالى يعلمهم ذلك الباطن من
الأعمال. أقول: أنه ذكر الفعل وليس العمل والفعل أعم، وقال (يعلمون) فنسب
العلم لهم ولم يقل يعلّمهم الله، إذ جرت سنة الخلق بذلك فإن لديهم قدرة على
حفظ ما يكون من الإنسان من أفعال باطنة وظاهرة. فهناك إذن من يكتب من
الخارج وهناك من يكتب من داخل الإنسان. ونحن في القضاء نلاحظ ظاهر المتهم
ونربط بين بعض الآثار عليه مع الجريمة.
أمّا الله تعالى فإنه جعل كل خلاياه وجزيئات جسده شاهداً على أفعاله بما
أودع فيها من قدرة على الحفظ وهي خلق كريم يكتب كل صغيرة وكبيرة وإذا كان
الطب يعجز عن قراءة معظم ذلك فإن الله قادر على قراءة كل التفاصيل واستنطاق
كل الموجودات:
"حتى إذا جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا
لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول
مرة وإليه ترجعون" فصلت/20-21.
2. وزعم الاعتباط أن الآيات تدل على أن الفسّاق من الأمة
مخلدين في النار.
وإذا كان ذلك غريبًا لأنه جعل الفجار مرادفاً للفسّاق والنار مرادفاً
للجحيم، من غير تدبر. فإن الردّ عليه كان أعجب وأغرب. فقد قال الاعتباط
المناوئ:
"لا يدل ذلك على أن الفساق من أهل الملة لا يخرجون من النار لأن هذه الآية
خاصة بالكفار وقد بينّا في غير موضع أن معهم (أي الفساق) ثوابًا دائمًا على
إيمانهم لم ينحبط لبطلان القول بالتحابط. فإذاّ لا بد من إخراجهم من النار
ليوفّوا ثوابهم"، انتهى التبيان/10/293.
أنا لا أدري من أين يأتي الشيخ بهذه الإجابات التي تجعل نهاية المؤمن
والفاسق سواء وهو يدين بالولاية لعلي بن أبي طالب (ع) الذي نزل فيه وفي
عدوّه قوله تعالى:
"أ فمن كان مؤمناَ كم كان فاسقاً لا يستوون" السجدة/18.
والغريب أنه أعرض عن أكثر من خمسين آية توضّح حال الفاسقين، فانظر هذه
الموارد القليلة منها، هل تجدهم يخرجون من النار ويدخلون الجنة؟
سبحان ربك رب العزّة عما يصفون:
أ. "ولقد أنزلنا آيات بيّنات وما يكفر بها إلا
الفاسقون" البقرة/99. ألا تراه كيف حصر الكفر بها بالفاسقين؟ فهم وحدهم
الذين يكفرون بالآيات.
ب. :نسوا الله فنسهم إن المنافقين هم الفاسقون"
التوبة/67.
هذا تعريف المنافقين، فإنهم (هم الفاسقون)، ومعلوم أن النفاق إخفاء الكفر
وإظهار الإيمان
-
فحقيقة المنافق أنه كافر وبالتالي فحقيقة الفاسق أنه كافر.
ج. "والله لا يهدي القوم الفاسقين" التوبة/80، المائدة/
108، الصف/ 5.
"إن الله لا يهدي القوم الفاسقين" المنافقون/6.
معلوم أن الأفعال المضارعة تشير إلى استمرار عدم الهداية، فلن يخرجون من
الجحيم مطلقاً ويدخلون إلى جهنم فيما بعد ويخلدون فيها.
د. "منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون" آل عمران/10.
هذا تقسيم، وهم يدل على التغاير، فالفاسق ليس مؤمناً. وإذن فقوله (أن معهم
ثوابًا دائمًا لإيمانهم) هو زعم اعتباطي يخالف القرآن والسنة من أولها إلى
آخرها.
ه. "كذلك حقّت كلمة ربك على الذين فسقوا إنهم لا
يؤمنون" يونس/33.
إذن فالذين فسقوا (بالماضي) لا يؤمنون (بالمضارع)، فعدم الإيمان مستمر.
نعم كان للاعتباط اللغوي والنحوي والفكري صولات وصولات حول هذا الموضوع
الوهمي الذي ابتدعوه وهو (مصير فساق الأمة من المؤمنين)!
تصوّر... فسّاق من المؤمنين؟!
ما هي غاية الاعتباط من ذلك؟ أليست هذه الغاية واضحة للجميع، وهي خلط
الأوراق وإضاعة التحديدات القرآنية الصارمة؟ وإذا كان الشيخ وأمثاله قد
وقعوا في حبائل الاعتباط، فما ظنك بالأساتذة الأكاديميين، بل ما ظنك بالناس
عامّة؟
المورد الحادي عشر
يوم الدين في سورة الواقعة
ورد ذكر يوم الدين في سورة الواقعة خلال سياق متصل عن المجموعة الثالثة
مجموعة أصحاب الشمال.
ذلك أن السورة ابتدأت بتقسيم الناس الى ثلاثة أقسام
-أصحاب
الميمنة وأصحاب المشئمة والسابقون.
ثم بينت السورة أخوال الفئات الثلاثة عند حدوث الواقعة، فلمّا بيّنت أحوال
أصحاب الشمال، ختمت ذلك بالقول "هذا نزلهم يوم الدين".
إذن، فيوم الدين مرتبط زمنياً بالواقعة وعليه يتوجب علينا معرفة الفرق بين
الواقعة والقيامة، فنلاحظ أحداث الواقعة:
"إذا وقعت الواقعة. ليس لوقعتها كاذبة. خافضة رافعة. إذا رجّت الأرض رجّا.
وبسّت الجبال بسّا. فكانت هباءً منبثّا. وكنتم أزواجًا ثلاثة...".
إن هذا المقطع من السورة يتضمن التفاتات زمنية هامة يجب الأخذ بها في
منهجنا الذي يلاحظ جميع الألفاظ ويراها عامله في النسق ويرى أن أزمانها
قصدية.
فأول شيء نلاحظه ذلك الارتباط بالواقع في لفظ الواقعة نفسه. فهذا ارتباط
هام بسورة الذاريات "وإن الدين لواقع" بعد قوله "إن ما توعدون لصادق".
وثانيًا هذا الارتباط بالتكذيب، إذ نفى أن تكون لتلك الوقعة كاذبة. وكاذبة
هنا مصدر اسم لا اسم فاعل مؤنث كما زعم البعض، خافضة رافعة... وهي صفات
للواقعة.
وبعد، إن ذكر صفاتها رجع إلى استعمال إذا الشرطية، فقال إذا رجت الأرض
رجا.. وبست الجبال بسا فكانت هباءً منبثا في ثلاثة مقاطع أيضاً.
وفي النحو تحتاج إذا الشرطية إلى جواب، فلكي يتخلّصوا من تقدير الجواب،
قدّروا فعلاً محذوفاً قبل إذا هو (اذكروا)، بينما جواب الشرط هو جملة وكنتم
أزواجًا ثلاثة... إلى آخر السورة فهي كلها جواب للشرط.
ويبدو أنهم استبعدوا جملة وكنتم لأنها معطوفة بالواو بينما الجواب عندهم لا
بد أن يكون مستقلاً: إذا حدث كذا - كنتم كذا لأن العطف يحتاج إلى جواب
جديد، إذا حدث كذا وكنتم كذا.. فماذا وأين الجواب؟
لكننا قلنا أن النحو هو الآخر اعتباطي القوانين، إذ يمكن للمتكلم إدراج
الجواب بأية صورة شاء.
وهذه الواو هنا بالغة الأهمية لأهنا هي التي تجعلنا ندرك أن التقسيم
الثلاثي إنما هو قبل حادثة الرج زمنياً. لأنك إذا قلت إذا حدث كذا وكذا
وكنت كذا، يختلف عن قولك إذا حدث كذا كنت كذا. فالكينونة ارتبطت بالشرط في
هذه الجملة، أما في جملة وكنت كذا فهي عطف على الشرط ومعنى ذلك أن الكينونة
سابقة على الشرط لأنها تفيد الماضي.
إذن فالمخاطبون كانوا أزواجًا ثلاثة قبل الرج وقبل بس الجبال.
إذن، الجواب موجود ضمناً في وصف أحوال الأقسام الثلاثة التي تبدأ قبل الرج.
حوادث الرج مستقلة عن الواقعة، أي هناك التفات حصل وسكوت عن الموضوع وإحالة
إلى حوادث أخرى.
فما هي الواقعة إذن ومتى تقع في التسلسل الزمني؟
تجيب على ذلك سورة الحاقة في مقطع (فيومئذٍ وقعت الواقعة). إذن علينا أن
نلاحظ ما حصل قبل ذلك:
"فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة. وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة.
فيومئذٍ وقعت الواقعة. وانشقت السماء فهي يومئذٍ واهية" 13-16/الحاقة.
ندرك الآن أن الواقعة تحصل عند تغيير النظام الكوني وبالتالي تخلو الأرض من
الحياة لأنها تدك.
فالانشقاق هو الآخر مرتبط بتخلّي الأرض عمّا فيها وإلقائها ما تحمله لأنها
إذ تعرضت للدك المرافق للانشقاق فقد تضاءل حجمها بصورة مرعبة
-يقدّرها
العلم الحديث قياسًا إلى ما يحصل في نظم كونية أخرى أنها ستكون بحجم
(البرتقالة) وهو ما توضحه سورة الانشقاق:
"إذا السماء انشقت. وأذنت لربها وحقت. وإذا الأرض مدّت. وألقت ما فيها
وتخلّت.
وأذنت لربّها وحقت. يا أيها الإنسان إنك كادح..." الانشقاق/1-6.
وإذن فانشقاق السماء ودك الأرض وإلقاءها ما فيها هي (الواقعة) المرتبطة
بآخر أدوار النظام الكوني وهي مرتبطة على ذلك بيوم القيامة.
فإذا رجعنا إلى سورة الواقعة وجدنا الشرط يبدأ بحوادث القيامة في وصف عام
بيد أنه وصف يأخذ ألفاظ الطور المهدوي من الوقوع والتكذيب والرفع والخفض...
لأنه، أحالها إلى ما يسبقها من وقائع بشرط جديد غير معطوف عليه هو: (إذا
رجت الأرض رجا...) وهذه هي أول حادثة من حوادث الطور المهدوي إذا ترتبط
بالهدّة أو الزلزلة التي يسببها النجم الموعود خلال تتابع الآيات.
وانتقل منها إلى حادثة بعيدة في طور الاستخلاف هي (إذا بست الجبال بسا
فكانت هباء مبنثا).
فهذه الحادثة إنما تتم في أواخر هذا الطور وذلك عند تمام التحكم بالذاريات
وبحركة الفلك والاستغناء عن الجبال التي تشكل طرفاً في دورة المياه، من حيث
أن مساحتها الكبيرة ستكون جنات أرضية.
ولابد ان تتذكر هنا ما مرَّ علينا من خصائص للجبال وعلاقة ذلك بآية الداعي
في الفصول الأولى.
إذن فسورة الواقعة بعد لفظ (وكنتم) تعرجّ على ذكر أحوال الأقسام الثلاثة
خلال طور الاستخلاف.
فتلاحظ هنا ان جميع الألفاظ تؤيد ذلك، فثمة اولاد للمؤمنين، وثمة جناّت
النعيم، لا جنات عدن، وثمة اختلاف واضح بين القادة (السابقين) والاتباع،
وثمة فاكهة كثيرة، وثمة انشاء جديد لأجيال من العُرب الأبكار لأصحاب
اليمين.
والتسميات تأتي لتوكد هذا الترابط فسمى الكفرة أصحاب المشئمة وانما الشؤم
يأتي من العمل المرتبط بالحياة وما فيها من تكليف فهم سائرون في طريق
معارضة الموجودات ولذلك يزداد الشؤم عليم باطرادّ خلافاً للمؤمنين.
كما تلاحظ ان أصحاب الشمال هم في صفات واحوال دنيوية من سموم وحميم وظل من
يحموم لا بارد ولا كريم، وبصفة عامة تخلو السورة من أيِّ عرْض لما في جهنم
من عذاب كالحريق والغواشي وقطع النار..الخ. وانما هي حياة دنيوية مليئة
بالشقاء والألم وشدة الحر واحتقار من قبل المالكين للأرض وهم أصحاب اليمين.
وفي هذه المراحل يتم بعث الموتى المكذبين بهذا الطور ليلاحظوا أكذوبتهم
ويقروا بجريمتهم حينما زعموا ان ديّن الله شيء خيالي لا يمكن تحقيقه وحينما
سخروا من هذا الوعد واستهزءوا بمن يؤمن به وزعموا ان أحياء الموتى من
الأساطير.
فلا يزالون في شك من ذلك حتى يتصاعد عليهم العذاب في تناسبٍ مَع كُفرِهم.
"وأصحاب الشمال. ما أصحاب الشمال. في سَمُوم وحَميم وظلٍ من يحُموم. لا
باردٍ ولا كريم. إنهَّم كانوا قبل ذلك مترفين. وكانوا يُصرون على الحِنْثِ
العظيم. وكانوا يقولون. أأذا متنا وكنّا تراباً وعِظاماً أأنا لمبعوثون أو
آباؤنا الأولون. قل ان الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم. ثم
انكم أيهّا الضالّون المكذبون. لآكلون من شجرٍ من زقوم. فمالئون منها
البطون. فشاربون عليه من الحميم. فشاربون شُرب الهيم. هذا نُزلهم يوم
الدِّين.."41-56.
لا تحسب ان الترف المذكور لهؤلاء المكذبين الضالّين هُوَ كثرة الأموال
فالترف مختلف...أن المترف قد يكون من اكثر الخلق فقراً مادياً وقد يكون
هناك أغنياء جداً ولكنهم ليسوا مترفين ان الترف هُوَ اللامبالاة وعدم
الاهتمام بمصير الإنسان على الأرض .. أنه صفة اولئك القساة القلوب الذين لا
تحرك مشاعرهم المآسي التي يلاقيها الآخرون ولو كانوا من أقرب المقربين،
أنهم المجرمون وهذا هُوَ اسمهم الآخر في الذاريات والمدثر والصافات
والشعراء والمطففين والمعارج والحجر وهي من مجموعة السور التي ذكرت يوم
الدِّين.
وأنما ذكرهم هنا بهذا الاسم لإظهار التقابل بعد إيضاح الحياة الراقية
لمجموعة السابقين وأصحاب اليمين فلم يكن هؤلاء راغبين بمثل هذه الحياة
لأنهم من الدّ أعداء الحياة فهناك إذن اقتران لأبد منه بين الجريمة والترف
ونعثر عليه في سورة هود بالرغم من كثرة موارده التي تبلغ ستين مورداً:
"واتبعّ الذين ظلموا ما أتُرفوا فيه وكانوا مجرمين" 116/هود وبامكانك
ملاحظة العلاقات اللفظية الأخرى لهذا المقطع مثل:
أ. التكذيب في قوله: (ثم انكم أيّها الضالون
المكذبون) إذ هم مكذبونّ بيوم الدِّين فهو نزلهم فيما بعد على الوصف
المذكور:
ب: الميقات المعلوم: لاحظ ارتباطه بسورتي الحجر وصَاد
حيث لاحظناه نحن لفظ "يوم الوقت المعلوم".
ج. التصديق بيوم الدِّين في الآية اللاحقة لهذا الفصل
"نحن خلقناكم فلو لا تصدقوّن"/ 42.
د. ذكرت السورة عناصر مرتبطة بالحياة واستمرارها
هي: الذرّية، والزرع، والماء، والنار وابتدأت ذكر كل منها بالاستفهام: أ
رأيتم؟
وتساءلت عن فاعل هذهِ الأشياء مذكرة ان الإقرار بكونها مخلوقة لله يستلزم
الإقرار بكونه قادر على تكوينها بنظام آخر يكون نعيما للمصّدقين وجحيماً
على المكذبين.
ه. ذكرت السورة أيضاً النجوم ومواقعها لتذكّر
بالنجم الموعَود وجاء جواب نفي القسم (أنه لقرآن كريم) في كتاب مكنون لا
تمسّهُ الاّ المطهرون. تنزيل من ربّ العالمين).
وهذهِ كلها ألفاظ ذات علاقة بطور الاستخلاف حيث يستخدم النظام القرآني فيه
لكشف قوانين النظام الطبيعي والسيطرة عليها وبالتالي فان مس هذا الكتاب
المقفل والذي ينطوي على تلك الأسرار مقصور على المطهرّين، ولا يمكن
للمذكبين من استعماله، إذ المسّ هُوَ بحركة مختلفة عن اللمّسَ فالمس يقصد
به التداخل الفعلي مع الممسوس واستشعاره بصورة كاملة بينما يقتصر اللمس على
المحاولة فقط.
وهذا الفرق يوضح سبب الاختلاف بين قوله تعالى" أو لامستم النساء" وقوله
تعالى على لسان مريم (ع) "ولم يمسسني بشر"
-
لأنه أراد بالاّول عموم المحاولة وإن لم يتم الاستشعار بالطرف الآخر، إذ
يتوجب عليه الغسل وإن لم يقذف، بينما أرادت مريم (ع) من العبارة نفي العمل
التام المؤدي إلى الإنجاب.
فإذا كان الواجب هُوَ الغسل وان لم تتم المحاولة والاستشعار كان الغسل على
من اتم أولى. وبصفة عامة يمكن استخراج الأحكام مباشرة من النص القرآني
بطرائق هذا المنهج إذا تم الالتزام بقواعده الصارمة المذكورة في كتاب
(النظام القرآني).
المورد الثاني عشر
يوم الديِّن في سورة الصافاّت
جاء ذكر يوم الدِّين في هذهِ السورة في السياق الآتي:
"بل عجبت ويَسخرون. وإذا ذُكروّا لا يذكرون. وإذا رأوا آية يستسخرون.
وقالوا ان هذا الاّ سحرٌ مبين. أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنّا
المبعوثون. أو آباؤنا الاوّلون. قل نعم وانتم وآخرون. فإنما هي زجرةُ واحدة
فإذا هم ينظرون وقالوا يا ويلينا هذا يوم الديِّن. هذا يوم الفصل الذي كنتم
به تكذبّون. احشروا الذين ظلموا وازواجهم وما كانوا يعبدون. من دون اللهِ
فاهدوهم إلى صراط الجحيم. وقفوهم انهم مسؤولون مالكم لا تناصرون. بل هم
اليوم مستسلمون" 12-26.
لا يحتاج هذا المورد إلى مزيد من الإيضاح بعد كل الذي ذكرناه فالألفاظ هنا
كلها تدل وتنتظم مع خصائص الاستخلاف مثل إحياء الموتى بعد ان كانوا تراباً
وعظاماً، واعترافهم بأن هذا يوم الدِّين الذي يتحقق فيه الدِّين فجاء
الجواب بمزيد من التبكيت لهم وذلك لأن قولهم (يوم الدِّين) عام ففي هذا
اليوم سعادة عظيمة للمصدقين به والعاملين له وحسرة على المكذبين به فقبل
لهم: هذا يوم الفصل.
ان تغيير الاسم هُوَ لتحديد الموقف وأخبارهم بخطأ ما يأملونه من الانتفاع
منه وذلك مثل ان تقول الطالب الهازئ بالدراسة يا ويلي هذا يوم الامتحان!
فهو يقولها مثل الخائف من الاختبار فعلاً ويقولها مثل المجتهد فيقول
الأستاذ مصحّحاً العبارة: بل هذا يوم فشل الكسالى أو هذا يوم الفصل بين
المجتهدين والهازئين!
فلاحظ كيف يأتي هنا لفظ (فأهدوهم).. لان هذا هُوَ طور العمل الذي تظهر فيه
النوايا فيسلكون بذلك طريق الجحيم وسّماه الصراط ليقابله بصراط الذين انعم
الله عليهم
-
فصراط هؤلاء يجرهم إلى جنات النعيم وصراط اولئك إلى الجحيم إذ لا قدرة لهم
على فك رموز الموجودات التي سيكونون عبيداً لها ويلاقون منها العذاب الذي
يتصاعد في صورة مماثلة لتصاعد نعيم اولئك المهتدين إلى صراط الله.
وبصفة عامة فإن سورة الصافات من السور التي اختصّت بالحديث عن طور
الاستخلاف وهي من السور الكثيرة الآيات القصيرة المقاطع وتنتهي مقاطعها
الأولى بحروف محددّة وبصفة الفاعل مثل "لواحد
-
المشارق
-
الكواكب
-
مارد
-
جانب
-
ثاقب" ثم تتحول النهايات إلى حرفي الواو والنون والياء والنون، وهي تتضّمن
شبكة معقدة من ألفاظ الطور المهدوي متداخلة مع عموم النظام القرآني قد يأتي
بعضها في مواضيع أخرى تخصّ جنات أو عذاب هذا الطور إذا شاء الله تعالى.
المورد الثالث عشر
يوم الدِّين في سورة الفاتحة
"بسم الله الرحمن الرحيم"
"الحمد لله ربّ العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدِّين. أياك نعبد
واياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب
عليهم ولا الضالين".
ثمان آيات مع آية البسملة وسبع عند الذين لم يجعلوها آية. تعد سورة الفاتحة
أو الحمد أو السبع الثاني من اعظم السُورَ في القرآن أو أعظمها على الاطلاق
وذكرت بعذ الأحاديث انها تعدل القرآن.
يظهر لنا المنهج اللفظي من خلال الاقتران صحة ما قيل في هذهِ السورة وذلك
لأن الألفاظ فيها انتخبت لتكون سورة واضحة المعالم من جهة بعيدة الغور في
اقترانها اللفظي من جهة أخرى، فلألفاظ هنا تشكلت من مجموعات العقد الأساسية
للنظام القرآني بحيث أنها صارت تشير إلى هذا النظام من كافة الجهات، وادّى
هذا الترتيب إلى ان تنطوي على جوهر العقيدة الإلهية بصورة مركزة.
ومعلوم أننا إذا أردنا تفسير السورة بهذا المنهج بصورة تامة فإنه سيتألف من
تتبع ألفاظها عدة مجلدات مع الاختصار لكني سأذكر عدد موارد ألفاظها في
النسيج القرآني لتدرك مقدار ما تنطوي من اشارات عن هذا النظام.
وقد يّدل على ذلك انها السورة الوحيدة التي لو أحصيت ألفاظها لوجدتها
ثمانية وعشرين لفظاً وجزءً من اللفظ وهُوَ عدد الأصوات الفعلية في نظرية
اللغة الموحدة. وهُوَ أيضا يساوي المعدل العام لأيام دوران القمر حول
الأرض. فيما يلي الألفاظ وعدد مواردها بكافة الاشتقاقات:
1. الاسم: ورد (71) مرة.
2. الله: ورد (980) مرة.
3. الرحمن: ورد (57) مرة. والمشتقات الأخرى (148) مرة.
4. الرحيم: ورده (95) مرة. وبالنصب (20) مرة.
5. الحَمد: ورد (38) مرة. والمشتقات الأخرى (27) مرة
منها ما ورد (4) مرات (محمّد) (ص).
6. لله: ورد (980) مرة كما مرّ في اللفظ الثاني.
7. ربّ: ورد (84) مرة بالرفع. و (69) مرة بالنصب أو
الخفض، وفي بقية المشتقات (806) مرة.
8. العالمين: ورد (73) مرة.
9. الرحّمن: ذكرناه.
10. الرحيم: ذكرناه.
11. مالك: ورد (205) مرّة بمختلف الصُورَ.
12. يوم: ورد (349) مرّة وبالصور الأخرى (125) مرّة.
13. الدِّين: ورد (62) مرّة وبالصور الأخرى (31) مرّة.
14. اياك: ورد بهذه الصورة مرتين فقط هنا.
وورد في الصورة الأخرى (22) مرّة.
15. نَعبدُ: ورد بهذه الصورة (7) مرات.
وجاء بصيغة المتكلمّ وهُوَ النبي (ص) (12) مرّة وعلى لسان المتكلمّ في يس
مرة. فالمجموع (13) مرّة وورد ببقية الصُور: (264) مرة
-
منها: (عبادنا) ورد (12) مرّة بتوافق عددي مع النظام الاثنى عشري.
16. وايّاك: ذكرناه.
17. نستعين: ورد (10) مرات بكافة الصُورَ. وبهذهِ الصورة لم يرد الاّ
في الفاتحة.
18. إهدنا: ورد كفعل ماضٍ (11) مرة وورد كأسم (79) مرة. وبهذه الصورة
مرتين. وفعل مضارع (51) مرة، وبالصور الأخرى (179) مرة.
19. الصراط: ورد (45) مرّة.
20. المستقيم" ورد (31) مرة بالرفع و (6) مرات بالنصب، وبالصور
الأخرى (10) مرات.
21. صِراط: ذكرناه.
22. الذين: ليس عندي إحصاء لهذا اللفظ وهو كثير الموارد جداً.
23. انعمَت: ورد بمختلف الصور (86) مرّة.
24. لا توجد إحصائية له وهو كثيرا جداً.
25. غير: ورد بهذه الصورة (127) مرة.
ومع الضمير (غيره) (13) مرة. وبقية
الصور (7) مرات.
26. المغضوب: ورد كاسم (غضب)
-
(12) مرة.
وعلى بقية الصور (12) مرة فالمجموع (24)
مرة.
27. عليهم: ذكرناه.
28. ولا الضالين: ورد بكافة الصور (217) مرّة.
إذن فنحن امام سورة متشابكة لفظياً مع عُقد أساسية في النظام اللغوي
للقرآني تشكل منها أساس العقيدة الدينية لأرتباطها بأسمه تعالى وصفاته
وملكه وصراطه وهداه ونعمته وغضبه وضلاله من أضله الله
-
فهي تنطوي على حكمة الدِّين بكاملها بصورة مختصرة.
ولذلك لا يمكن شرح هذهِ السورة فأوضح فقط ما يتعلق بيوم الدِّين من خلال
الردّ على بعض مصائب الاعتباط:
1. اختلفوا في قراءة لفظ (مالك) فقرأه بعضهم مَلكِ
وقالوا هُوَ ابلغ من مالك في المدَح لان كل ملك مالك والعكس ليس بصحيح وقال
آخرون مالك ابلغ لانه قد يسمى الناس الملك ملكاً مع زواله عن الملك أو بعد
موتهِ.
وقال آخرون: مالك ابلغ في المدح للخالق من ملك. وملك ابلغ في المدح للمخلوق
من مالك.
أقول: ما بال الاعتباط يتخبط ألم يرً ان لفظ ملك ورد في حق الخالق في موارد
آخر "الملك القدوس"
-
كما في سورة الجمعة؟
لقد أبطلنا القول بالرتبة الخاصة بالألفاظ في كتاب الحل القصدي لأنها من
متبرعات الاعتباط، فالمتكلم يأتي باللفظ المناسب في المكان إذا كان بليغاً
والاّ فهو لغو أو خطأ وانما جاء هنا بلفظ مالك لأن السورة عامة تتحدث عن
الهداية والضلال والصراطِ ولأنه أرتبط (بيوم الدِّين) فهو اليوم الذي يمثل
الغاية من الخلق وموضع الصراع بين الفريقين فالمغضوب عليهم يحاولون مع
اتباعهم الضالين أبعاد هذا اليوم والقلة من العارفين يريدون تقريب موعده،
فخاطبوا الخالق
-
إذ صاغ الألفاظ بالنيابة عنهم
-
خاطبوه بلفظ المالك لأظهار مالكيته لموعد هذا اليوم فهو قد شحن الوجود
بناموس لبد من تحقيق هذا اليوم وفقه وهُوَ ما انطوت عليه عبارات النبي (ص):
"لو لم يبق من الدنيا الاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من
أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً".
وانما قال (ملك) في غير هذا المورد لارتباطه بالملك العام الكلي للسموات
والأرض فالملائم له لفظ (الملك)
-
إذ لا توجد تغيرات وصراع في السموات إذ لا إله لها الاّ هُوَ:
"يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم"
الجمعة/1.
2. ومن هنا جاء قوله على لسانهم: أياك نعبد واياك نستعين
بالوصول إلى هذا اليوم الموعود.
ثم قالوا: إهدنا الصراط المستقيم الذين أنعمت عليهم. فهذا كله مرتبط بجنة
النعيم وهي جنة طور الاستخلاف والتي تسبق جنة عدن بدهور وحقب تستغرق عمر
الكون وقد اضاف الصراط إلى مجموعة الذين انعم الله عليهم
-
لأنهم موضع الابتلاء ومركز الهداية إلى الصراط فالملك هذا هُوَ ملكهم في
الواقع وهُوَ ملك الشجرة التي ابتلي بها آدم (ع) من قبل.
وقد فصلنا القول على العلاقة بين الشجرة وكلماتها والذين انعم الله عليهم
في كتابنا (أصل الخلق بين ظهور الأنا وبين التوحيد) فلا بد لك من مراجعته
إذا رغبت في إتمام البحث.
3. وزعم الاعتباط بألفاظ حق أراد بها الباطل زعَم ان
الصراط هُوَ (القرآن).
أقول إذا كان القرآن فقد إضافة إلى الذين انعم الله عليهم وبالتالي فهوم
بمعاني مختلفة جداً عن قرآن الاعتباط اللغوي الذي يؤمن بالترادف والمجاز.
وقال آخرون: هُوَ (الإسلام).
ولكن الإسلام دين جميع الرسل والأنبياء وهُوَ مشق من السيلم لا من قول
الشهادتين فالمسلم الحقيقي هُوَ من أسلم وجهه لله واذعن له بالطاعة حينما
أمره بأتباع الذين أنعم عليهم فيعود الأمر مرة أخرى إلى الابتلاء بالأشخاص!
لكن الاعتباط لا يؤمن بذلك فكل واحد منهم أمام لنفسه ويرفض امامه الذين
انعم الله عليهم بل لا يفكر فيهم ولا يدري من هم حتى عند قراءته السورة في
الصلاة!.
4. وزعم الاعتباط قائلاً:
"والمغضوب عليهم هم اليهود عند جميع المفسرين الخاص والعام"
-
التبيان للطوسي/1/45 ولم يرّد عليهم شيء ولا خالفهم بقول مع ان اللفظ واضح
في العموم.
فلم يقل (الذين غضب) عليهم بالماضي بل (المغضوب عليهم) وهي صفة ملازمة فما
دام هناك دين فهناك أعداء له يحاربونه ويكونون من المغضوب عليهم فلماذا
يقتصر الأمر على اليهود وحدهم؟.
ألا تشم رائحة النصرانية في هذا التفسير كما يشمها أنفي؟ الاّ تشم رائحة
النفاق في هذا التفسير كما أشمها؟.وقال بعضهم ان (الضالين) هم النصارى.
فمن أين يأتون بمثل هذا التقسيم؟
الم يلاحظوا ان في اليهود والنصارى من يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل
صالحاً حسب النص القرآني:
" ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين مَنْ آمن بالله واليوم
الآخر وعمل صالحاً فلهم اجرهم عند ربِّهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون"
البقرة/62.
يريد الاعتباط وهُوَ يكفي بيوم الدين ويقلب الأشياء يُريد اخراج نفسه من
الحدَّين
-
حدّ المغضوب عليهم وحدّ الضالين. ان المجموعات في القرآن مقسمّة بخلاف ما
يزعمه الاعتباط. فالمغضوب عليهم والضالين مجموعتان قادة واتباع وهم في كل
الملل والذين آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا صالحاً مجموعة أخرى
وهي مجموعة في كل الملل.
لقد فصلنا القول في المجموعات القرآنية في كتاب آخر ان أجزاء النظام
القرآني قد يأتي إذا شاء الله تعالى.
على انك لو تتبعت لفظ الغضب لوجدت القرآن لا يقصر هذا اللفظ على اليهود بل
خاطب به المجموعة التي هي تحت أسم (المسلمين):
قال تعالى:
"ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه
واعدَّ له عذاباً عظيماً" النساء/ 4.
أم يريد الاعتباط أخراج الذين قتلوا الصحابة في وقعة (الحرة) وفي (صفين)
وفي (الجمل) وفي (كربلاء) من مجموعة المغضوب عليهم؟؟ فيخرج بذلك كل من قتل
مؤمناً متعمداً إلى يوم الدِّين!.
لم يكتف الاعتباط بذلك فقد اخرج بهذا التفسير مجموعة كانت مع النبي (ص)
وكانت تؤذيه وأكدّ النص الله غضب عليها: "..ويعذب المنافقين والمنافقات
والمشركين والمشركات الظمأنين بالله ظنّ السَوء عليهم دائرة السوء وغضب
الله عليهم ولعنهم واعد لهم جهنم وساءت مصيراً" الفتح/ 6. وبصفة عامة فان
منهجنا لا يلتقي مع الاعتباط اللغوي في أي شيء يذكر. |