.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست

الفصل السابع - الجزء الثاني

موقع الطور المهدوي من أيام الله في القرآن

 

لقد لاحظنا في المنهج اللفظي علاقات عددية كثيرة من هذا النوع وهو يدل على وجود نظام عددي في القرآن ولكنه نظام مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالافكار التي تعرضها الآيات أي انه جزء من النظام القرآني الشامل ولذلك فلا يمكن وضعه بصيغ مستقلة عن الفكرة كما حاول البعض لأنه شديد التنوع.

يشترك موردا الحجر وصاد بعبارة متماثلة واحدة هي:

"فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" ولا تظهر هذه العبارة في موارد السجود لآدم الخمسة في القرآن لان التسوية كمرحلة هامة من مراحل تعديل الخلقة كانت قد اكتملت فجاء السجود بصيغة الأمر المباشر:

(اسجدوا لآدم) البقرة/23-الاعراف/11-الاسراء/61 الكهف/50-طه/116.

فهل البشر المذكور في الموردين هو آدم المذكور في الموارد الخمسة؟ كلا انه ليس آدم وفق النظام القرآني وان زعم الاعتباط انه هو لماذا؟

أولاً:  لأنه أعاد الأمر بصيغة جديدة (اسجدوا لآدم) والمفروض ان يسجد الملائكة فوراً بعد نفخ الروح من غير انتظار لأمر جديد.

وثانياً: إنه لم يقل اسجدوا للبشر أو لهذا الكائن الذي نفخت فيه الروح إذا زعم زاعم انهم يحتاجون إلى توضيح آخر للأمر.

وثالثاً: ان الموارد الخمسة في آدم تضمنت جميعاً لفظ "فسجدوا" بينما تضمنت موارد البشر عبارة (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) وهذا يعني ان الساجدين لآدم ملائكة ذوي صلة بالواقعة فقط بينما الذين يسجدوا للبشر هم كل ملائكة السموات والأرض.

ورابعاً: إن الروح إذ كان روح الإيمان فان النفخ لا يكون آنياً وانما هو بحسب استقباله للروح أي ان لكل مؤمن كمية معينة من الروح يستقبلها بالتدريج.

ولا ينطبق الشرط "إذا سويته ونفخت فيه من روحي" إلا في حالة ظهور فرد يستلم من هذه الروح اقصى حد ممكن وليس آدم (ع) باعظم أو اقرب مخلوق وإذن فالبشر المنتظر ظهوره انما يأتي بعد آدم.

ولما كانت الصيغة بالماضي فيمكن القول ان القرآن يجمع ازمنة بعيدة وقريبة في الجملة وهو أمرٌ يفعله المتكلم ولا يفعله الكاتب إلا نادراً.

أي ان الله تعالى قال هاتين العبارتين في مراحل سحيقة قبل آدم بأمر بعيد في طوري الصلصال والطين ولكنه يذكر ما فعله الملائكة من تنفيذ لأمر السجود عند ظهور هذا البشر والذي وقع ابان نزول القرآن فكان البشر المقصود هو (رسول الله) (ص) وكان السجود الجماعي هذا له دون سواه.

وإذن فآدم (ع) هو أول بشر ولكنه ليس اولّ إنسان وان رسول الله هو اول بشر ينطبق عليه الشرط (فإذا سويتهّ..).

فإذا قلت فكيف حدث التدرج في وصف إبليس في تلك الموارد الخاصة بالبشر؟

أقول لان هذا هو مقصودنا من الإشارة إلى الالتفات السريع في الازمنة خلال الجملة والمتكلمّون يفعلون ذلك دوماً والمتلقي يفهم المقصود فقوله "فسجد الملائكة كلهم اجمعون" في نهاية المطاف وعند ظهور البشر إبان نزول القرآن (إلا إبليس ابى ان يكون مع الساجدين)" منذ طور الصلصال.

وعندئذ تكون بقية المحاورة جرت في حقبة بعيدة راجعة إلى زمن بداية الحديث "واذ قال ربك للملائكة اني خالق بشراً.." والأمر نفسه يحدث في مورد سورة صاد.

لذلك راهن إبليس على إغواء الذرية في جميع موارد السجود لآدم (ع) ولكنه لم يفعل ذلك في موردي الحجر وصاد.

لماذا؟ لأن موضوع المراهنة قد انتهى فقد كان يراهن على الذرية من اجل إلا يظهر هذا البشر اصلاً أو يتأخر ظهوره زمناً طويلاً-فلمّا ظهر انتفى الموضوع لان اغواء ذرية البشر غير مقدور له. ومن اجل ذلك أيضاً ورد (لعن إبليس) في موردي الحجر وصاد فقط دون الموارد الخمسة المخصصة للسجود لآدم (ع).

إذن فذكر هذه اللعنة وتحديداً إلى (يوم الدين) في هذين الموردين فقط انّما يشير إلى علاقة يوم الدين بظهور البشر فقد تحولت المراهنة في هذين الموردين من الذرية إلى المجموعة الإنسانية كلها فكأنه إذ لا يقدر على اغواء ذرية البشر يحاول تأخير يوم الدين بتقليل اتباع البشر إلى أدنى حدّ ممكن.

ففي مورد الحجر قال:

"ربّ بما أغويتني لأزيّنن لهم في الأرض ولأغوينهم اجمعين". بينما قال في الاسراء حيث السجود لآدم:

"لاحتنكنّ ذريته إلا قليلاً".

ذلك أن اللعنة تستمر معه إلى (يوم الدين) في الموردين، ومعلوم ان اللعنة هي دعاء او طلب العذاب على الملعون وليست هي العذاب وهذا يعني انه يوم الدين إذا جاء انتهت فترة اللعن وبدأ العذاب للملعون ومن هنا ندرك سبب هذا الالحاح من إبليس في ان يؤخره الله إلى (يوم يُبعثون) كما في الموردين او إلى يوم القيامة كما في مورد الاسراء فكان الانظار إلى (الوقت المعلوم) فقط. فنلاحظ الفوارق بين هذه المسمّيات:

مورد الحجر: "قال فاخرج منها فانك رجيم، وان عليك اللعنة إلى يوم الدين، قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون قال فانك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم".

مورد صاد: "قال فاخرج منها فانك رجيم، وان عليك لعنتي إلى يوم الدين، قال ربّ فانظرني إلى يوم يبعثون. قال فانك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم". في هذا الجزء من المحاورة لا يوجد إلا فارق واحد بين السياقين هو نسبته اللعنة إلى نفسه تبارك وتعالى في مورد صاد (لتعنتي) وغياب هذه النسبة في مورد الحجر: (اللعنة).

وهذا واضح الآن فان مورد صاد أكثر تطوراً من مورد الحجر والعصيان اوضح واكبر فتمّ تخصيص اللعنة ونسبتها اليه تعالى ولذلك اقترن هذا المورد بالكفر والاستكبار دون المورد السابق لان من لعنه الله فلا احد ينقذه من اللعنة من بعد الله.

ومن هنا نعلم سبب ظهور الفوارق في صيغة السؤال قبل هذا الجزء بين الموردين.

ففي طور الحمأ المسنون-مورد الحجر قال:

"يا إبليس مالك إلا تكون مع الساجدين"

بينما اصبح السؤال في الطور اللاحق اشد لهجة (في مورد صاد):

"قال يا إبليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي استكبرت ام كنت من العالين".

فكما نسب الخلق إلى نفسه فقال (بيديّ) نسب اللعنة إلى نفسه فقال (لعنتي) لأن البشر هنا في آخر مراحله الظهورية إذن فاللعنة في الموردين مستمرة إلى يوم الدين.

وبعد وقوع هذا اليوم يبدأ تنفيذ هذه اللعنة لذلك قال "رب انظرني إلى يوم يبعثون" في الموردين

إذن فيوم الدين اقرب الأيام ويوم يبعثون آخر الأيام والاّ فلا فائدة من هذا الطلب إذا كان يوم يبعثون هو نفس يوم الدين كما لا فائدة منه إذا كان البعث قبل يوم الدين أو واقعاً فيه.

لقد عرف إبليس من خلال صيغة اللعن نفسها انه مؤجل إلى يوم الدين. وعلم ان الخليفة الإلهي يظهر في هذا اليوم وهو يوم طويل جداً يستغرق الأمد المضروب للسموات والأرض ويستمر حتى يوم البعث فلذلك كررّ مطلبه في تمديد فترة الامهال (فترة اللعنة) إلى يوم البعث لأنه يريد ادخال طور الاستخلاف ضمن المدة المسموح بها للتسلط والاغواء-إذ اعتقد ولغباءه كما سنرى بامكانية تخريب هذا الطور واعادته من حيث بدأ.

ان كل تأخير ليوم الدين أي طور الاستخلاف هو لصالحه لأنه كسب لمزيد من الوقت-وهذا شعور طبيعي لكل موعود بعذاب حتمي فهو يحاول ابعاد الموعد قدر ما يستطيع.

لكن فترة التسليط أي المدة الكلية من آدم إلى طور الاستخلاف هي مدة غير محددة بعدد من القرون او الحقب.

فهي تعتمد على قدرته في غواية الخلق واضلاله لهم فإذا عمل جهده في تضليل الخلق فلا موعد محدد محتوم يقف حائلاً دونه.

فإذا جاء يوم الدين لان الخلق انتبهوا في النهاية إلى مصيرهم ورجعوا إلى عقولهم فانه يأتي لا كموعدٍ محتوم بل لاستنفاد إبليس قوته في التضليل كاملة غير منقوصة فكأن إبليس في مطلبه الجديد يريد من الله ان يقف إلى صفه في اضلال الخلق (بالاكراه) وتمديد الفترة رغماً عنهم إلى يوم يبعثون.

بالنسبة لي دهشت في هذا المورد دهشة عظيمة لحلم الله مع إبليس ولكن الدهشة تزول إذا تذكرتّ ان الله عليم بالخفايا، فان الله لما قال (إلى يوم الدين) احسّ إبليس بما ينتظره من العذاب في ذلك اليوم فاسرع يطلب الانظار إلى يوم يُبعثون وإذن فطلبه كان مشوباً بالخوف أكثر مما هُوَ تخطيط مسبق.

وقد ظهر التراجع عن الفكرة والقسم بعزةِ اللهِ على اغواء كل الخلق باستثناء المخلصين فورَ تذكيره بأنه من المنظرين.

وإذن فقوله تعالى: (فانك من المنظرين) ليسَ في الحقيقة استجابة لطلبه الجديد بل العكس تماماً فقد تم رفض هذا الطلب الغير معقول اصلاً لأنه في الواقع من المنظرين فعلاً إلى يوم الوقت المعلوم. فهو يوم محتوم كحركة وغاية للخلق ولكنه غير محتوم زماناً بحيث يحتاج إلى تمديد فالتمديد هو من شؤونه وشؤون الخلق، فمتى ما اصبحت المعادلة معكوسة جاء الوقت المعلوم وإذن فاقصى تمديد هو بيد إبليس فإذا عمل بجّد ونشاط فهناك مدة قصوى لهذا الخلق وهذه المدة تزداد كلما قدر إبليس على تحويل الصفات المكتسبة إلى صفات وراثية في الأجيال فالأخطاء والآثام إذا تراكمت انتجت آثاماً وآثمين منذ الولادة وبالتالي يمكن ان تستمر فترة الإغواء.

أدرك إبليس من خلال قوله تعالى "فانك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم" ادرك ان الموضوع متعلق بمدى نشاطه في الاغواء فقال وكانه تذكر ذلك بطريقة المتبجحّ باعماله:

"قال فبعزتك لاغوينهم اجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين" حينئذ اجابه الله على ذلك بالقول:

"قال فالحق والحق أقول لاملأن جهنّم منك وممن تبعك منهم اجمعين"

لقد تضمنت عبارة (منك وممن تبعك) أشارة إلى مشاركته الخلق في تكوين الذراري والسلالات.

لكن عبارة (الوقت المعلوم) جعلت إبليس يعيش قلقاً آخر فالعبارة تشير من طرف آخر إلى ان هذا الوقت (معلوم).

وبالطبع فهو معلوم لله وحده كتحديد زماني وهذا ما جعله يسعى لاكتشاف هذا الوقت ومثل هذا الشعور نجده عاماً عند أكثر الخلق فهم يرغبون في كشف المستقّبل خاصة فيما يتعلق بمصيرهم فتجد الكثير من الوجهاء والزعماء والساسة والمثقفين يستمعّون إلى العرافّين وقراء الكف والفنجان وما شابه وان تظاهروا بعدم التصديق بهؤلاء. في مرحلة السجود لآدم (ع) استغل إبليس الفرصة مرة أخرى لاكتشاف الوقت المعلوم بصورة استفزازية فهو لا يبرح مرحلة حتى يكون أكثر صلفاً واشد استكباراً في المرحلة اللاحقة وهذا ما نجده في مورد الاسراء:

فقد حاول تغيير الطلب من يوم يبعثون إلى يوم القيامة:

"قال أ رأيتك هذا الذي كرمت علىّ لأن اخرتني إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلاً" الاسراء/63.

اشتمل هذا النص على محاولة للتكذيب بيوم الدين والظاهر ان إبليس اولّ مكذبّ به على مر التاريخ. وهذا أمرٌ نفسي سببه الاحباط وشدة القلق بشأن هذا اليوم.

والمعنى انك لو اخرتني ليوم القيامة فاني استطيع احتناك ذرية آدم إلا قليلاً فهو يشير إلى انه قادر على اغواء المجتمع المهدوي فيما لو ابعد الله موعد انتهاء اللعنة وابتداء العذاب بهذا الموعد، بحيث يدخل الاستخلاف ضمن مدة الانظار. والواقع ان هذا المطلب الجديد لا يختلف عن القديم بشيء في كونه غير منطقي ولا معقول.

ولكنه تضمّن تلميحاً من وجه آخر إلى ان هناك امكانات للاغواء في مجتمع يوم الدين سوف يحرمه الله منها وهو يريد الاستفادة منها، مع ان مجتمع يوم الدين كما قلنا لا يتحقق إلا بعد عودة الخلق إلى الله والى شريعته قبل انتهاء المهلة.

لكن المطلب قد يشير من طرف خفي إلى الخصائص الوراثية التي ستظهر حتماً في المجتمع المهدوي إلى مدة معينة تستمر إلى حين حصول تنقية كاملة للخصائص وهي فترة طويلة كما يبدو، لأنه طلب ان يكون التأخير إلى (يوم القيامة) مستخدماً ألفاظ (احتنك) و (ذريّة).

ومعلوم ان الاحتناك لا يكون إلا بحبل أو رّسن فهو يشير إلى خيوط ممتدة له مع الاجيال في الذراري.

في المحيط: يحّنِكه وحنك الفرس جعل في فيه الرسن كأحتنكَهُ.

أقول: احتنك صيغة افعتال من حنك فهو مختلف عن حنك. واذا كان يقصد التنويه إلى ذلك بالفعل أي إلى استمرار الخصائص الوراثية الردّية فانه يحاول من خلال ذلك استفزاز الخالق تعالى ليخبره بالموعد المقرر اخباراً زمانياً فجاء الجواب وهو يعّدد الامكانات الممنوحة له في فترة الاغواء معرضاً هذه المرة من ذكر العبارة السالفة أي قوله (فانك من المنظرين) فلم تذكر هنا لان إبليس قد فهم القضية في هذه المحاورة وانما اراد المراهنة على الأكثرية:

"قال اذهب فمن تبعك منهم فأن جهنم جزاؤكم جزاءً موفوراً. واستفزز من استطعت منهم بصورتك وأجب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الاموال والاولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا".

إذن فبإمكاننا ان نتصور ان الشيطان يستمر فترة اطول بعد الموعد الذي تنتهي فيه المهلة لأن الشيطان من مجموعة الابتلاء نفسها أي من الانس والجن وفي هذه أشارة إلى ان حقبة الإغواء في أول الطور المهدوي تأخذ كامل مداها على يد الشيطان من غير حاجه إلى تحديد فترة الإمهال لإبليس بصفة خاصة.

وسبب ذلك هو ضرورة إنهاء إمهال إبليس عند تحقيق الوعد الإلهي بالاستخلاف إذ لا ضرورة لتسليط إبليس على جماعة المؤمنين الأتقياء بعد فرزهم عن الفجرة وبعد نزول المدد الالهي والملائكة وبعد مرورهم بهذه الحقب الطويلة من التجارب ونجاحهم في تحقيق الوعد فأن المهلة الإضافية لا فائدة منها تعود عليه سوى تأخيره عن العذاب فهي لا تزيد ولا تنقص من عدد الكافرين والضالين ولا يمكن اغواء المؤمنين في طور الاستخلاف إذ لا شيء يدعوهم للمعاصي بعد حصول الفرز، أما أتباع إبليس فسوف يأخذون كامل فرصتهم في الصراع مع المؤمنين حتى تخلو الأرض منهم.

ولذلك نجد بقايا للصراع وللنفاق في أوائل طور الاستخلاف حتى ذكرت المرويات ان القائد نفسه يقتل في النهاية على يد المنافقين، ولكن ذلك لا يؤثر على استمرار المهدوية لأن قتله يتم بطريقة (الاغتيال) لا بالحرب وهي الطريقة التي يستخدمها النفاق حينما يعجز عن المواجهة الفكرية والحربية المباشرة.

إذن فالوقت المعلوم هو وقت خاص يتم فيه انهاء مهلة إبليس وانتهاء فترة اللعن والمرجح انها تقع في اوائل يوم الدين الذي هوَ حسب تسميتنا (طور الاستخلاف).

ونذكر الآن ثلاثة اقوال للاعتباط اللغوي بشأن (الوقت المعلوم).

"ابطال اقوال الاعتباط" بشأن الوقت المعلوم.

قال قوم: الوقت المعلوم هوَ يوم القيامة انظر الله إبليس لهذا اليوم بعدما سأل ذلك بقوله (انظرني إلى يوم يبعثون) أو يوم القيامة كي لا يموت لأنه لا أحد يموت يوم القيامة!

أقول: ما بال الاعتباط يتخبط مثل عمياء في ليلة ظلماء؟

فإذا كان الله قد أجاب طلبه على ما زعموا فلماذا يغيّر العبارة في الطلب ويكرر مرة إلى يوم يبعثون ومرة إلى يوم القيامة؟ ولماذا لم يقل الله له في واحدة من الموارد الأربعة قد انظرتك إلى يوم يبعثون أو إلى يوم القيامة؟ ولماذا جاء بالفاء في الجواب (فأنك من المنظرين) أي حال الطلب فانك من المنظرين. وهو جواب واضح لا اوضح منه ولماذا قال: الوقت المعلوم؟

نعم عجبك يزول إذا علمت ان يوم القيامة ويوم يبعثون والوقت المعلوم هي من مترادفات الاعتباط.

أما قولهم كي لا يموت في القيامة لأنه لا أحد يموت فيه فهو اشنع. أولاً لأنه لا فائدة من بقاءه حياً على افتراض صحة ما زعموه، لأنه يطلب التأجيل للخلاص من العذاب فلماذا يريد الحياة أم هوَ عند الاعتباط موعود بدخول الجنة؟

ألم يلاحظوا انه موعود بدخول العذاب وبالتالي فالموت عليه اهون بل الموت أمنية لا يمكنه الحصول عليها فقلبوا الأمر وزعموا انه يريد إلا يموت!

ومن قال لهم ان يوم القيامة لا موت فيه؟ أ وليست النفخة التي تميت الخلائق (إلا ما تشاء ربك) هي في يوم القيامة أم عندهم إبليس ممّن استثناه الله بقوله إلا ما تشاء ربك؟

هذا ليس تفسيراً انما هو ظلمات بعضها فوق بعض. ذلك لأن الاعتباط ابتدع من تفسيره هذا مشكلة جانبية وراح يتجادل فيها وهي قولهم: كيف يجوز اجابة دعاء الكافر؟

لان الترادف جعلهم يزعمون ان الوقت المعلوم هوَ يوم يبعثون وبالتالي فقوله (ربّ انظرني) هوَ دعاء والجواب هو اجابة للدعاء.

وقد رأيت ان إبليس كان يراهن وما كان يدعو وان الله كان يهدد ويحبط محاولة الرهان بالتأكيد على ملئ جهنم منه ومن اتباعه وما كان يستجيب دعاءه المزعوم.

الم يرَ الاعتباط ان الكافر لا يدعو أصلاً في الدنيا إذ لو دعا لآمن، قال تعالى: "قل ما يعبأ بكم لولا دعاءكم".

وهل موقف المهدد الملعون المرجوم موقف الداعي أم موقف المراهن؟

وقال قوم آخرون منهم البلخي:

"أراد بذلك إلى يوم الوقت المعلوم الذي قدّر الله اجله فيه وهو معلوم لكن لا ينبغي اخباره كي لا يحمله أو يغريه بفعل القبيح".

أقول: وهذا حسن لأنه تحفظ بالمفردات فلم يقل هو يوم القيامة، ولكنه لم يحدد أي معنى للطلب ولا يظهر أي ترابط مع الموارد الأخرى ولم يشر إلى يوم الدين.

كما انه أخطأ من جهة أخرى وهي زعمه ان عدم اخباره بالموعد هو لتجنب حمله على فعل القبيح، لأنه طلب الامهال لفعل القبيح لا لسواه.

إنما حجب عنه علم الوقت المعلوم لأنه من الغيب الذي لا يطلع الله عليه أحداً (إلا من ارتضى من رسول)، فكيف يخبر العدو وقال الطوسي:

"وقد قيل ان الوقت المعلوم هوَ آخر أيام التكليف". وقد تكون هذه العبارة هي الوحيدة التي تشير بغموض إلى (يوم الدين) أو الطور المهدوي فإذا كانت العبارة قد أصابت الحقيقة بشكل عام فإنها أضاعتها من جهة أخرى حيث لم يذكروا متى يكون آخر يوم من أيام التكليف.

ومن جهة أخرى احدثت التباساً شديداً لأن هذا يصح فقط على رأي القائلين بزوال التكليف عند ظهور المهدي (ع) وهو رأي خاطئ فالطور المهدوي هوَ طور تطبيق التكليف الشرعي بصورته الشاملة. وقد رأى هذا الرأي أكثر العلماء ومنهم ابن حجر متناسين ان المهدوية هي فترة تحقيق الدين على وجهه الصحيح.

نعم يحدث بعد حقب ودهور من هذا الطور تحوّل في صورة العبادات إلى ما يشبه عبادة الملائكة وهوَ أمر مختلف ولا يمكن تسميته بزوال التكليف إذ التكليف بالمعنى الاعم هوَ العبودية لله ولا انتهاء لهذه العبودية بل على العكس تترسخ العبودية لدى العباد إنما تختلف صورة التعبّد فقط - إذ قد تقتصر على الذكر والتسبيح لان اهل ذلك الطور تندمج لديهم العبادة مع العمل فيصبح سلوكهم كله عبادة محضة لله تعالى.

للمناقشة:

قد تقول فهل هناك أحاديث تؤكد ان الوقت المعلوم هوَ أحد أيام الطور المهدوي؟

الجواب: نعم هناك اخبار كثيرة عن أهل البيت (ع) خصوصاً تذكر ذلك أهملها الاعتباط لولعه بالتفسير الذاتي البعيد عن اللغة وعن النظام القرآني منها:

الحديث الأول:  في تحفة الأخوان نقلاً عن تفسير البرهان/مج2/جزء14/343 بحذف الإسناد عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (ع) قال قوله تعالى "يوم الوقت المعلوم" يوم يذبحه رسول الله محمد (ص) على الصخرة التي في بيت المقدس.

الحديث الثاني: نفس المصدر بحذف الإسناد عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي قال سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: ان إبليس قال انظرني إلى يوم يبعثون فأبى الله ذلك عليه فقال انك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم.

وفيه..."وجاء إبليس في أصحابه أي في الوقت المعلوم فيكون ميقاتهم في ارض من اراضي الفرات يقال لها الروحاء قريباً من كوفتكم فيقتتلون قتالاً لم يقتتل الخلق مثله منذ ان خلق الله عز وجل العالمين فكأني انظر إلى أصحاب امير المؤمنين رجعوا إلى خلفهم القهقرى مأة قدم وكأني انظر إليهم وقعت بعض ارجلهم في الفرات فعند ذلك يُهبط الجبّار عز وجل رسول الله (ص) في "ضلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر" ورسول الله (ص) بيده حربه من نور فإذا نظر إليه إبليس رجع القهقرى ناكصاً على عقبيه فيقول أصحابه: إلى أين وقد ضفرت؟ فيقول: "إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله ربّ العالمين" فيلحقه النبي فيطعنه طعنة بين كتفيه فيكون هلاكه وهلاك جميع اتباعه...".

الحديث الثالث: في الانوار المضيئة بحذف الإسناد عن اسحق بن عمار قال سألت الصادق (ع) عن انظار الله تعالى إبليس: فقال: "معلوماً ذكره الله في كتابه فقال انك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم يوم قيام القائم فإذا [تم أمره] كان في مسجد الكوفة وجاء إبليس حتى يجثو على ركبتيه يقول يا ويلاه من هذا اليوم فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه فذلك يوم الوقت المعلوم منتهى اجله.

نقلناه عن البشارة/249.

الحديث الرابع: بحذف الإسناد عن وهب مولى اسحق بن عمار قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن قول إبليس "انظرني إلى يوم يبعثون قال فانك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم" قال قلت جعلت فداك أي يوم هوَ؟

قال: "يا وهب اتحسب انه يوم يبعث الله فيه الناس؟ ان الله انظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا فإذا بعث الله قائمنا كان في مسجد الكوفة وجاء إبليس حتى يجثو على ركبتيه فيقول يا ويلاه من هذا اليوم الوقت المعلوم".

نقلناه عن البرهان/سورة الحجر/ح6

وأقول: اختلفت هذه المرويات في طريقه قتل إبليس وقاتله ومكان القتل على وجوه:

الأول: ان رسول الله (ص) يقتله ذبحاً على صخرة بيت المقدس.

الثاني: ان رسول الله (ص) يَطْعَنهُ بحربة من نور بين كتفيه في منطقه الروحاء قرب الكوفة.

الثالث: ان المهدي (ع) يقتله بضرب عنقه في مسجد الكوفة وللاصوليين طرائقهم في تخريج الاختلافات بين الاحاديث منها ترجيح بعضها على بعض اعتماداً على قوة الاسانيد ومنها الترجيح على اصول أخرى لهم ومنها الغاء الجميع عند التعارض ومنها حمل البعض على التقيّة خصوصاً عند الأمامية. أما نحن فنرى ان تلك الطرائق اعتباطية فما دامت النصوص متّفقة في الحقائق الأساسية والجوهرية مع النظام القرآني مثل وقت القتل وتقدم يوم الوقت المعلوم على يوم يبعثون وموضع القتل بصفة عامة كونه في المشرق الاسلامي والقاتل كونه النبي أو سمّيه المهدي (ع) فالاختلافات التفصيلية ضرورية لترك فراغ لاحتمالات التغيّر في الظروف الموضوعية.

ذلك لأنهم قالوا ما قلناه لكم فهو حق وقع أم لم يقع، ومعنى ذلك ان الحادث نفسه يقع لا محالة فإن لم يقع في الزمان والمكان والظرف المخصوص في احد النصوص فانه يقع في ظرف نص آخر، لان النص مشروط بشروط نجهل أكثرها بسبب عدم أمانة نقل النص بكافة وقائعه، فإذا تغيرت الشروط تغيرت الظروف الموضوعية للواقعة.

والحقيقة ان هذهِ الفكرة هي جوهر ما انطوى عليه مبدأهم المسمى (البداء) وكان يتوجب على الاعتباط اعتبار هذا المبدأ أحد اصول تخريج الأحاديث وفهم مضمونها في اقل تقدير ان لم يعتبرها الأصل الوحيد.

فالترجيح يخالف البداء ورفض النصوص بسبب تعارضها الظاهري يخالف الأصول ويناقض مبدأ القضاء والقدر وهوَ بالضدّ من وصاياهم وعملية الانتقاء ما هي إلا اعتباط فلم يبق من اصولهم شيء والصحيح هوَ معالجة النصوص وفق النظام القرآني ومبدأ البداء، بغض النظر عن الأسانيد.

الثالث:  مورد سورة الذاريات

لقد جاء ذكر يوم الدين في هذه السورة المباركة في معرض ذكر (الخرّاصين) وذلك بعد مجموعتين من الجمل التي تضمنت الحلف ابتدأت المجموعة الأولى بقوله (والذاريات ذروا...) وابتدأت المجموعة الثانية بقوله (والسماء ذات الحبك).

كان جواب الحلف في المجموعة الأولى جوابان معطوفان على بعضهما بقوله "ان ما توعدون لصادق - وان الدين لواقع".

بينما كان جواب المجموعة الثانية جملتان تكمل احداهما الأخرى:

"إنكم لفي قول مختلف. يُؤفك عنه من أفك".

وعند استعراض ألفاظ السورة نجدها مخصصة للحديث عن الطور المهدوي بكافة تفاصيلها فهي مرتبطة كما في الجواب الأول بالوعد الصادق وبوقوع الدين.

وإذن فعلينا التعرف على سبب ابتداءها وتسميتها بالذاريات، وما هي العلاقة بين الذاريات وبين الطور المهدوي.

قال تعالى:

"والذاريات ذَروا. فالحاملاتِ وَقرا. فالجاريات يُسرا. فالمقسّمات أمرا. إنَّ ما توعدونَ لصادق. وإنَّ الدِيَّنَ لواقع".

الذاريات عند أغلب المفسّرين هي الرياح والحاملات هي السحاب والجاريات هي السفن والمقسمات أمرا الملائكة. وفي هذا التفسير عدة مشاكل تجاهلها الاعتباط اللغوي:

الأولى:  ان تجزأ ة الأفعال للمحلوف به وهي الذاريات هو خلاف منطق اللغة. وانت تعلم ان اللغة عندهم لا منطقية أو اعتباطية في اصل دلالة ألفاظها ومن هنا سمينا الاتجاه القديم لأهل اللغة بالاعتباطيين إذ اثبتا في حلنا القصدي الجديد منطقية اللغة وبرهنا ان الاعتباط هوَ في تفسيرها فقط.

فمنطق اللغة يأبى هذه التجزئة لأن الفاء دخلت هنا لترتيب الأفعال التي تقوم بها الذاريات ولذلك لم يتكرر واو الحلف. إذ لو كانت الحاملات غير الذاريات لكرر واو الحلف كما في قوله تعالى: "والفجر وليالٍ عشر والشفع والوتر" فكرر الواو اربع مرات لان الألفاظ الأربعة مختلفة فهي أسماء متغايرة. فلو كانت الحاملات غير الذاريات لكرر الواو فقال: والحاملات وقرا، والجاريات يسرا، والمقسمات امرا..).

وتجاهل الاعتباط هذا الامر ولم يأت بشاهد له من اقوال العرب كما هوَ ولعه دائماً لأنه ما وَجَدَ في كلامهم دخول الفاء على الأفعال وتغير المحلوف به.

وكما خالف عادته نخالف عادتنا فنأتي له بشواهد تثبت وحدة المحلوف به وان الأفعال الجديدة هي افعاله ترتبت بالفاء.

قال لبيد:

عفت الديار محلها فمقامها      بمنئً تأبد غولها فرجامها.

فمدافع الريّان عري رسمها...

قال الزوزني: محلها ومقامها وغولها ورجامها كل ذلك راجع إلى الدّيار.

فهذه عائدية الأسماء إذا ترتبت بالفاء. والشاهد هنا مدافع الريان لأنها تخلو من الضمير العائد للديار، فقال الزوزي:

توحشت الديار الغولية والرجامية وتوحشت مدافع الريان منها أي من الديار. يقول ذلك لأنه يدرك ان الفاء أدخلت مدافع الريان في التوحش ولو مع غياب الضمير.

وأما ترتيب الأفعال فهو مطرد من اللغة ومثال ذلك ما ترتب من افعال للحرب في قول زهير الذي توزع على خمسة ابيات: "فتضرم-فتعكركم-فتتمم-فتنتج-ثم ترضع-فتفطم".

وكل تلك الأفعال تعود إلى الحرب.

ولو قال إنسان: "سيفي هذا الضارب ضرباً، فالفارق فرقاً فالفاصل فصلاً... الخ".

لما ساغ لسامع ان يزعم ان الضارب شيء غير السيف والفارق ثالث غيرهما والفاصل شيء رابع وذلك من اوضح الأمور المعلومة بالسليقة.

المشكلة الثانية: في هذا التفسير هي قولهم المقسّماتِ امرا الملائكة. وهو أمر رفضه القرآن لان تأنيث الملائكة من افعال الذين كفروا، فهم الذين يسمون الملائكة إناثاً:

"ان الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الانثى" النجم/27

"وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً. اشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويُسألون" الزخرف/19

فإذا قلت فكيف قال في موضع "فنادته الملائكة"

و(نادت) للمؤنث؟

أقول: عجبٌ ان يصدر هذا الاعتراض فالجمع يؤنث لأكثر الذكور ولكن ذكورتهم لا تزول مع الأسماء.

ألا تراه يقول "قالت لهم رُسُلهم" فيؤنث الفعل ولكن إذ جمع قال (المرسلون) أو (المرسلين) ولا يقول المرسلات إذ لو أنّث الاسم لكان المُسمىّ أنثى.

فكذلك لا يجوز ان تقول المقسمات هي (الملائكة).

وهذا التمييز يدركه العوام بالسليقة فتقول العجوز في الدار: "جاءت الرجال" فإذا أشارت إليهم بالاسم قالت: (هلاّ ادخلتم هؤلاء الواقفين) ولا تقول الواقفات.

فان قلت فكيف فاتت هذه الأمور أكابر علماء اللغة والمفسرين وهم أساطين العربية؟

أقول هم اساطين للاعتباط لا غير أ لم ترنا في الكتب السابقة وجدناهم يضعون القاعدة ويخالفونها دوماً فكيف لا يخالفون ما لم توضع له قواعد صارمة كتلك.

المشكلة الثالثة: وهي مشكلة الجمع بين المعاني التي ذكروها لألفاظ القَسَم وبين الجواب، فما هي العلاقة بين الرياح حينما تذري والسفن حينما تجري والملائكة حينما يقسمّون الأمر وبين الوعد الصادق والدين الواقع؟

بالطبع لا توجد أية علاقة بينهما إذا كان الوعد هو يوم القيامة إذ لا رياح ولا سفن!

وقد حاول الاعتباط إيجاد علاقة ما فزعم ما نصّه:

"لما كانت تلك الأشياء بخلاف مقتضى الطبيعة فقد اقسم الله تعالى بها للدلالة على قدرته في البعث يوم القيامة".

فالناس اعتادوا ان يقرأوا بغير تمحيص ولا تدقيق في عبارات المفسرين المكررة عند شرحهم للآيات المرتبطة بالظواهر الكونية فهي جميعاً تفسر عندهم بمثل هذه العبارات.

لقد وجدت عبارة "بخلاف مقتضى الطبيعة" في سبعة تفاسير كبيرة‍‍ !

فهل صحيح أخي القارئ ان حركة الرياح وجري السفن بخلاف مقتضى الطبيعة؟

أ وليست الطبيعة هي تلك الحركة وما يرتبط بها من نزول للامطار وتكونّ للأنهار وخروج للزروع والثمار مّما تعيش عليه الكائنات؟ وقال آخرون: الذاريات هي النساء يذرين الاولاد.

وقال آخرون: الذاريات هي الأسباب تذري الخلق وهي من الملائكة. وقال الطوسي في القسم: التقدير القسم برب هذه الأشياء لأنه لا يجوز القسم إلا بالله على ما حكاه قوم وقد روي عن ابي جعفر وأبي عبد الله (ع) انه لا يجوز القسم إلا بالله والله تعالى يقسم بما يشاء من خلقِه.

أقول: أوضحنا الفرق بين القسم والحلف وقلنا لا يجوز الإتيان بعبارة (اقسم) للمخلوق إلا بالخالق وهو غير جائز أيضاً بحقهِ تعالى لان القسم براءة وتجزأة، بينما الحلف جائز للمخلوق بغيره تعالى لأنه تحالف وجائز بحقه لأنه معّية وتحالف ولذلك حلف في كثير من المواضع بواو الحلف وقال (لا أقسم) في جميع الموارد.

أمّا ما ذكروه عن ابي جعفر وابي عبد الله فهو نقل للمعنى دون اللفظ كما يظهر إذ كانوا يتساهلون بما يعتقدون ترادفه فعندهم لا فرق بين الحلف والقسم، فنحن نصحَّح الخبر على القرآن لا العكس. إذا اردنا معرفة الذاريات فعلينا الالتزام بالدلالة العامة للفظ اولاً وابقاء هذه الدلالة في الاجزاء الأخرى من العبارة ثانياً بحث يتم الترابط بين هذه الاجزاء.

فالذاريات نفسها تفعل أفعالاً مترتبة انتظمت أسماء الفاعل لها بالفاء فهي الحاملات وهي الجاريات وهي المقسمات.‍‍ ومعلوم ان هذا لا ينطبق على أي واحدٍ من الاجزاء سوى الرياح و ما يماثلها.

وعندئذ تكون السفن والملائكة والنساء وغيرها من جملة ما يتحقق فعله بسبب الرياح.

فما هي دلالة الذاريات؟

الواقع ان هذا الاسم وفعله (ذرا) له حركة خاصة يمكن تصورها بل ورسمها.

فالذرية تبدأ بواحد ثم يتكاثر العدد فيشكل عند الرسم صورة مخروط.

وذرت الريح الشيء ذرواً: أطارته، هكذا في القاموس ولكن الحقيقة ان هذا لا يحدث إلا في صورة محددة وهي حينما تكون الأشياء المتطايرة على هيئة مخروط.

ولذلك قالوا: ذرىّ الحب أو النبت نقاهّ في الريح. وانت تعلم كيف يحدث ذلك إذ يرمي الفلاح بالمذراة كتلة من الحب والتبن بعكس اتجاه الريح فالحب لثقله يكوّن رأس المخروط ‍‍‍ويتناثر القش في الهواء على هيئة مخروط.

كذلك من استذرى: قال الفيروز آبادي: استذرت المعزى طلبت الفحل. فهي تطلب التكاثر لتكون رأساً في ذريّة.

وذروة الشيء: أعلاه مأخوذ من هذه الصورة. 

الرسم: يمثل حركة الذرو. ‍       

والريح تذري لأنها تفعل هذا الفعل، فهي ذارية. ولكن هل الريح ذارية بنفسها من غير شيء يطير فيها؟

نعم لأن الهواء لا يُرى ولكن لو قدر لنا رؤيته لكان بهذه الصورة من مساحة اوسع فهي تتشكل بمثل هذه الصورة.

وإذن فالذاريات كلفظ له هذه الدلالة لا يصدق صدقاً تاماً إلا على ما كانت له قوة ذاتية في الذرو ويتشكل بهذه الصورة ومعلوم ان السفن والنساء لا تمتلك هذه الصورة الذاتية وإنما تمتلكها الريح بسبب التباين في الضغط الجوي وتساعدها طبيعتها الغازية على هذا التشكل، لأنه قال (الذاريات ذروا).

وعلى ذلك فلدينا الآن شيئان يمثلان هذه الحركة تمثيلاً دلالياً مطابقاً الأول: هو الرياح والثاني هي المذنبات التي تمتلك رأساً او نواة تجر بقية الغازات كمخروط عظيم وهي تذرو ذرواً لانبعاث هذه الحركة حركة الذرو من داخلها بما يسّمى في العلم الحديث (النافورات الغازية).

وكلاهما مرتبط بالطور المهدوي ولا علاقة لهما بيوم القيامة، حيث يلغى هذا النظام.

علاقة الرياح بالتحوّل الطبيعي للنظام الفلكي في الطور المهدوي

إذا علمنا وجود علاقة وطيدة بين الرياح والحياة على الأرض مع علمنا المسبق بانتفاء هذه العلاقة في القيامة، عرفنا إذن سر الحلف بالذاريات وخصائصها إذ يرتبط الحلف بجوابه ارتباطاً وثيقاً وواقعياً لا كما هو الحال عند المفسرين إذ لا روابط بين اجزاء الحلف مع بعضها البعض ولا بينها وين الجواب. انت تعلم ان هذه الكائنات من إنسان ونبات وحيوان انما تعيش على الماء وتتنفس الهواء.

فالماء يتحرك في دورة طبيعية معلومة إذ يتبخر وتتكون السحب ثم يعود في مجاري الأنهار ومن تلك الدورة تظهر الأنهار والينابيع ثم الزروع والكائنات.

ولكن حركة الماء هذه انما تقوم بها الرياح، فإذا افترضنا ان الرياح توقفت توقفاً تاماً فماذا يحدث؟

-     ستتوقف حركة الماء في الطبيعة.

-     سيتوقف تكرير الماء فإذا وجد ماء فانه سيكون آسناً أو مالحاً.

-     سوف يزداد تراكم ثاني أوكسيد الكربون الثقيل نسبياً على سطح الأرض إذ لا شيء يحركه وستموت اغلب الكائنات اختناقاً.

-     سوف تهلك النباتات إذ لا تحصل على الكمية اللازمة من الاوكسجين.

-     سيحدث تلوث مهول للبيئة إذ لاشيء ينقي الكائنات الميتة، وستموت البكتريا النافعة وتتوقف عملية التفسخ.

-     سيتوقف انتاج الأوكسجين بعد هلاك النبات إذ هو المنتج له بعملية التركيب الضوئي وستموت الكائنات الأخرى تباعاً.

-     في البحار تحتاج أمم من الكائنات إلى الأوكسجين الذي تذيبه الرياح خلال تحريكها أمواج البحر وجراء توقف الرياح ستموت الكائنات المائية.

وباختصار ان الحياة المرتبطة ديمومتها بالتوازن النسبي لمكونات الهواء وحركة الماء ونقله وتعقيمه واعادته بهذه الدورة العجيبة والتي تخفف السحب فيها من ارتفاع حرارة الأرض-الحياة المرتبطة بهذا كله انما هي مرتبطة بالرياح.

ولذلك وليس غريباً ان نجد أحد الأئمة يربط الروح بالرياح، لغوياً، ويعتبرها من أصل لغوي مشترك.

فالرياح في الواقع هي التي تتحكم بمصير هذا الخلق وبارزاقه كافة، واذا صح هذا المزج اللغوي والأصل المشترك فالرياح هي روح الحياة.

ان تقسيم الارزاق في العالم وما تراه من اوطان زراعية وامطان تمتلك ثروة حيوانية وأخرى صحراوية وأخرى تنتج فواكه معينة... الخ انما هو تقسيم الرياح.

ولكن ما هو العنصر الذي يقف وراء الرياح فيحركها بهذه الصورة لا غيرها؟ والسؤال الاهم:

هل من الممكن ان تتحرك الرياح بصورة أخرى فتجعل الأرض كلها متنعمة بالزروع والفواكه؟ وهل يمكن تصور أنها تفعل العكس إذا تحركت بنظام ثالث وهكذا كلما تغيرّ نظام الحركة تغيرت النتائج؟

ان هذه الأسئلة وغيرها مما يرتبط بهذا الموضوع هو ما تريد ان تجيب عليه سورة الذاريات باختصار وتركيز رغم قصرها.

لذلك ختمت السورة بالحديث عن الارزاق والغاية من الخلق، فلم يخلق الله هذا الكائن من اجل ان يكد ويشقى لتأمين رزقه كما زعمت قصص الخلق واساطير الأولين حيث ذكرت أن (الآلهة) خلقت الإنسان من اجل ان يقوم بالاعمال الشاقة بدلاً عنها، ولم يخلق عبثاً من غير هدف كما زعمت اساطير المتأخرين من الماديين، بل خلق هذا الكائن ليكتشف سر هذه العلاقة مع الخالق والتي يستطيع بها وبها وحدها من السيطرة على الطبيعة وتحريكها وفق مشيئته امّا بمعزل عن خالق الطبيعة فسوف يبقى في الشقاء والعناء والموت.

إن غاية السورة هي ايضاح العناصر المادية للحياة التي لا يشوبها شقاء ولا تنتهي بالموت، الحياة الابدية المستمرة التي تذعن فيها الطبيعة للإنسان حينما يرتبط بالله.

أما ما يقف وراء حركة الرياح فهو وضع الأرض بالنسبة للشمس، فزاوية الميل الحالية (23º) هي التي تتحكم في حركة الرياح وأخيراً بتقسيم الارزاق والحياة.

ومعنى ذلك أن أي تغيير في زاوية الميل الأرضي يمكن ان يُغيرّ طبيعة الأرض بصورة شاملة نحو الأفضل او نحو الاسوأ.

ومن هنا تظهر اهمية المذنبات باعتبارها صورة مستقلة للذاريات ذروا.

ذلك ان كل كوكب يبقى على حركته ما لم يؤثر عليه مؤثر خارجي وليس في الكون مؤثر خارجي يسير في الفضاء باستقلال عن مدارات المجموعة الشمسية سوى المذنبات فالوعد الصادق المرتبط بتغير النظام الطبيعي انما هو مرتبط بتغير حركة الرياح والتي لا يغيرّ نظامها شيء محتمل سوى المذنب الموعود أو (النجم الثاقب) كما رأينا في العلامات.

وفي هذه اللحظة لا بد أن نتذكر هذا الكم الهائل من المأثور النبوي الذي يتحدث عن التغيرّ الشامل في الطبيعة خلال الطور المهدوي وتحديداً بعد مجيء النجم الموعود.

هذا التغير الذي يشمل: مجاري الأنهار، انواع الثمار، المناخ بصفة عامة، انتهاء الامراض والاسقام والعلل، غياب الآفات الزراعية، تغير جذري في طبيعة الكائنات بما في ذلك الوحوش، موت الهوام الضارة والحشرات الفاتكة بالمزروعات، خروج كنوز الأرض طول مدهش للاعمار ينتهي في اواخر هذا الطور بالغاء قانون الموت و ظهور جنات الأرض، حتى الملابس لا تخلق في الطور المهدوي لان قوانين الطبيعة تتغير بصورة شاملة، وهي احاديث سيأتي المزيد منها في موضعه.

لقد أكدت اواخر سورة الذاريات على هذه الحقيقة:

"وما خلقت الجنّ والانس إلا ليعبدون. مار اريد منهم من رزق وما اريد ان يُطعمون. ان الله هو الرازق ذو القوةِ المتين" 56-58

ولكن كيف يحدث هذا التغيرّ؟ هل يتم بصورة لا يدرك العباد المستخلفون كيف يحصل وباي قانون؟

كلاَّ ان الوضع الجديد هو وضع غريب كل الغرابة فهو مرتبط باختيارات الإنسان لا سواها، انه وضع يمكن ان نسميه بالوضع الابتدائي. فعناصر الطبيعة ستعمل بطريقتين متناقضتين فهي جنة للذين آمنوا ونار وعذاب للذين كفروا، ستكون الطبيعة وجهاً آخر للكتاب أي للقرآن فكما هُوَ هدى للمؤمنين فهو ضلال وعمى على الكافرين ومن هنا ربطنا في كتاب النظام القرآني بين هذا النظام والنظام الطبيعي المنشود فالذين كفروا بالقرآن لا تنفتح لهم مفاتيح الطبيعة مطلقاً وسيكونون تحت وطأتها والذين آمنوا بالقرآن سيمتلكون هذه المفاتيح فهم وحدهم المتنعموّن في الأرض.

ومن هنا تنقسم الأرض إلى قسمين قسم لهؤلاء وقسم لهؤلاء وهو ما أكده الحديث الذي رواه ابو هريرة والذي يأتي في موضعه. فهذه الأشارة تضمنتها واحدة من خصائص الذاريات هي قوته (فالمقسماّت أمْرا).

مراحل عمل الرياح في الطور المهدوي

نلاحظ تكرار لفظ الريح في المأثور الذي يتحدث عن هذا الطور، وهي عبارات تناغم النص القرآني، ففي النص القرآني ارتبطت الرياح بالبشارة في ثلاثة موارد من أصل عشرة موارد كما ارتبطت الريح بالعذاب في سبعة موارد من أصل أربعة عشر مورداً بالرفع وكانت في أربع موارد بالنصب ويظهر في هذا الاستعمال المتنوع نظام عددي أيضاً ليس هنا موضعه.

فلاحظ موارد البشارة كيف ينبه القرآن إلى ضرورة تغيير النظام الطبيعي بالتفكير في قانون حركة الرياح:

"وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته وانزلنا من السماء ماءً طهورا. لنحييَ به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا انعاماً وأناسي كثيرا. ولقد صرفناه بينهم ليذكروّا فأبى أكثر الناس إلا كفورا".   الفرقان/48-50

والسؤال الآن هو صرفناه ليذكروّا ماذا؟

واضح أن التذكر مرتبط بقانون التصريف فالذي صرفه على هذا النحو له القدرة على تصريفه بنحو آخر وهذا هو المقصود ولكن أكثر الناس اعتمدوا على علمهم وتركوا العلم الإلهي وأبو إلا ان يكفروا بهذه الحقيقة ويكذبوا بهذا الوعد.

وفي سورة الروم سيتكرر ذكر الرياح ثلاثة مرات في مواقع متقاربة وبعد استعراض اطول آية في الرياح يقول:

"فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحُيي الله الأرض بعد موتها، ان ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير"./54

وحينما تأتي ساعة الفصل بين الفريقين بعد طول تأخير من الذين كفروا لتكذيبهم المستمر بالوعد يقول في سورة الروم:

"ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون" /55

كأنهم لم يكونوا من قبل يستأبطون مجيء هذا اليوم ويقولون (لقد وُعدنا هذا ونحن وآباؤنا من قبل ان هذا إلا أساطير الأولين" النمل/68

وكأنهم لم يكونوا هم السبب الاول والاخير في تأجيل هذا الوعد على حساب عمر وحياة الإنسان في الأرض حينما كانوا يتساءلون عنه ولا يعملون له، ساهين في غمرتهم:

"قتل الخرّاصون، الذين هم في غمرةٍ ساهون يسألون أيان يوم الدين يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم.." الذاريات/10-14

ويؤكد لنا المأثور ان (قُتَل) إذ هو مبني على الدعاء والطلب فان ما يريده الله يتحقق حتماً ولذلك يقتل هؤلاء بالفعل في الطور المهدوي أكثر من مرة، إذ يؤتي الله عباده المستخلفين في الأرض سر الحياة والموت فيقومون بقتل هؤلاء واحياءهم حتى ذكر الصادق (ع) ان بعضهم يقتل في اليوم والليلة الف مرة.

ومثل هذا القصاص مرتبط بالبعد التاريخي للإنسان فكم من مخلوق ناله الظلم والتعسف والقتل بسبب هؤلاء؟

كل ظلم مردّه إلى تأخير الوعد الصادق وبالتالي يقتص كل مظلوم من كل ظالم ومن المؤكد ان قادة الطاغوت ينالهم من القصاص بعدد من تسببّوا في قتله فأنت وما تشتهي من إحصاء!

في سورة النمل يجيب الذين أوتو العلم والإيمان على اكذوبة الخراصيّن حينما زعموا انهم لم يلبثوا غير ساعة قائلين:

"قال اللذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون" الروم/56 ولقد كان من مظاهر الاستخلاف في بني اسرائيل تسخير الرياح لسليمان (ع):

"فسخرنا له الريح تجري بأمرِه رخاءً حيث أصاب" صاد/36 وفي الطور المهدوي تعمل الرياح في ثلاثة مراحل:

المرحلة الأولى:

انها تشترك في علامات الظهور فقد ورد في أحد النصوص انها العلامة الثانية من العلامات وقد ذكر ذلك السليلي في كتاب الفتن من حديث الحسن بن علي عن القاسم بن عمران عن سالم عن محمد بن علي بن ابيه عن جدّهِ الحسين بن علي بن ابي طالب (ع) قال:

".. تجيئكم ريح صفراء من قبل القبلة فتدوم ثلاثة أيام وليلتين حتى يصير الليل من شدة الصفرة مثل النهار المضيء" نقلناه عن كتاب الملاحم لابن طاووس/ب 41-102.

كما ورد في نفس الباب قوله:

"توقعوا آيات متواليات من أسماء منظومات كنظام الخرز واول الآيات الصواعق ثم الريح الصفراء ثم ريح دائم وصوت"

وقد ذكر المورد الثالث من سورة الروم هذه العلامة بقوله تعالى

"ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مُصّفراً لظلوا من بعده يكفرون" الروم/51 ومعلوم ان هذا الشرط يتحقق من أجل ان تتحقق النتيجة المترتبة عليه وهي اعراض وكفر اولئك الذي يزعمون انهم يؤمنون إذا جاءتهم آية ولذلك جاء بعد هذه الآية ما يؤكد ذلك:

"فانك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصَمّ الدعاء إذا ولوّ مدبرين. وما انت بهاد العمي عن ضلالتهم ان تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون"52-53

لان الريح الصفراء واحدة من (الآيات المتواليات) حسب النص ومن هنا تدرك السبب في ختم سورة الروم بالوعد الحق، لانّ موضوعها مرتبط بهذا الوعد:

"فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون" /60

المرحلة الثانية:

تشترك الذاريات (الرياح) التي تذرو ذرواً خلال الطور المهدوي وتظهر اهميتها القصوى هنا وذلك عند استخدامها للتدمير والتعذيب من جهة ولانزال البركات واخراج كنوز الأرض من جهة أخرى.

وانت تعلم ان القرآن أشار إلى الطريقتين في نظامه الداخلي فسمى هذا النوع من الحركة الذاتية بالاسم المفرد (الريح) بينما استعمل صيغة الجمع عند الأشارة إلى حركتها الطبيعية فسماها الرياح فالريح هي حركة الهواء بأمر إلهي خلافاً للمعتاد بينما الريح هي الحركة المعتادة.

فمن أمثلة التدمير والتعذيب بالريح المورد الآنف الذكر في سورة الروم الذي يتحدث عن علامة مستقبلية.

أمّا الموارد التي تتحدث عن الريح المدمرّة في الماضي أو في الامثال او الافتراضات فهي اثنا عشر مورداً.

إذا الموارد الكلية هي تسعة عشر ينقص منها موارد الريح الطيبة وهي سبعة موارد فالباقي اثنا عشر.

وقد ذكرت في نفس سورة الذاريات الريح المدمرة فهذه قائمة بموارد الريح المدمرة:

"وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم. ما تذر من شيءٍ أتت عليه إلا جعلته كالرميم" الذاريات/40-41.

"جاءتهم ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان" يونس/22.

"أم آمنتم ان يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفاً من الريح فيغركم بما كفرتم" الاسراء/69.

"فتخطفه الطير او تهوي الريح في مكان سحيق" الحج/31.

"فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هُوَ ما استعجلتم به ريح فيها عذاب اليم تدمر كل شيءٍ بأمر ربها".

"وأمّا عادٌ فأهلكوا بريحٍ صَرصرٍ عاتية"    الحاقة/6.

"فأرسلنا عليهم ريحاً صَرصراً في أيام نَحِساتٍ"     فصلت/16.

"ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مُصّفراً لظلوا من بعده يكفرون" الروم/51.

"والذين كفروا أعمالهم كرمادٍ اشتدت به الريحُ في يوم عاصف"     ابراهيم/18.

"إذ جاءتكم جنود فارسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها"     الاحزاب/9.

"كمثلٍ ريح فيها صّرٌ أصابت قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته" آل عمران/117.

"إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في يوم نحس مستمر" القمر/19.

وقد ظهر من هذه الموارد ان الريح المدمّرة نوعان أيضاً: نوع لا يرى ونوع يُرى.

فالذي يرى هو ريح الإنذار فالمكذبين بالإنذار يفسرونّه تفسيراً مختلفاً يقولون "عارض ممطرنا". ولم يكن هناك جواب فالجواب هو ما فعلته الريح فيما بعد: (بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب اليم تدمر كل شيءٍ بأمر ربّها) فربط الريح بالأمر لأنهم لو تضرعَّوا واستكانوا لأمرً بالاعراض عنهم. فكذلك إذ جاءت الريح الصفراء في علامات المهدوية فلك ان تتوقع ان يعلن الكفرة في وسائل الإعلام أنها غبار من مذنب يمر مروراً عابراً كي لا تتفرع ولا تتهيأ لاستقبال الوعد الحق فإياك ان تصدّقهم فانها ريح مأمورة تدمر بوعي تام وتترك بوعي تام. ومن جهة أخرى تقوم الريح المدمّرة في الطور المهدوي بتنفيذ أوامر قائد الطور في تدمير الاقوام والفئات التي تحاربه وتكفر بالاستخلاف.

فقد ورد في تفاصيل دقيقة لاختبار يجري كما يظهر قرب المدينة المنورة تنعزل فيه اقوام فيكفرون فيرسل المهدي (ع) عليهم ريحاً فتحرقهم.

وورد عن ابي حجر في العلامات قوله "ثم لا يبقى وثن ولا صنم ولا شيء مما يعبد من دون الله إلا نزلت عليه ريح فاحرقته". وفي نص آخر عن الصادق (ع) ان المهدي (ع) يأمر ريحاً فتدخل كل دار وكل موضع فيه أهل النفاق فتحرقهم".

أقول كل ذلك قد ذكرته سورة الذاريات في معرض الرد على المكذبين بيوم الدين، فالريح قد تكون ناراً او تحمل ناراً:

"يسئالون أيان يوم الدين، يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم" وامّا من الجهة الأخرى أي استخدام الريح لانزال البركات فانها ستكون بأمرة المؤمنين وقائدهم كما ذكر لك القرآن في تسخير الريح لسليمان (ع) قال تعالى:

"ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمرهِ إلى الأرض التي باركنا فيها" الانبياء/81

وقوله "فسخرنا له الريح تجري بأمرهِ رخاءً حيث أصاب"   ص/36 

وقوله تعالى:

"ولسليمان الريحَ غدوها شهر ورواحها شهر"       سبأ/12

تؤكد الآيات الثلاثة ثلاثة حركات مختلفة للريح بأمر سليمان اثنتان منهما هي (العاصفة) و (الرخاء) لأنها مرتبطة بقوله تعالى (تجري بأمره) بينما الريح المستمرة شهراً كاملاً وشهراً آخر في اتجاه معاكس فهي تبع النظام الطبيعي ليست بأمرهِ ولكنها له ولخدمته لقوله (ولسليمان). وهذا يعني ان النظام الطبيعي برمته مذعن لسليمان ويتحرك لخدمة مملكته بصفة خاصة ومع ذلك يقوم هو بتحريك الريح خلافاً للنظام ان شاء عاصفة وان شاء رخاءً. ومعلوم ان هذه الاوامر ليست جزافية ومن غير فهم من سليمان(ع) لدقائق وتفاصيل النظام الطبيعي فلو حرك الريح بغير وعي منه لما يجري وما يكون من آثار لأهلك مملكته واباد العالم بل يوجّه الريح لخدمة المملكة خاصة وانزال العذاب بالملل الكافره المجارة من خلال حرمانها من ثار الرياح أو توجيه العواصف إليهم بوعي شامل ومفصل للنظام الطبيعي في الارض.

والذي يحدث في الطور المهدوي هو أكبر من ذلك بما لا يقاس فالنظام الطبيعي نفسه سيكون تحت سيطرة المهدويين أي حركة الارض وزاوية ميلها وشروق الشمس ومدة تعرضها للحرارة.

وإذ ورد عن الامام علي (ع) حينما سئل عن (المقسمات أمرا) قوله: (الملائكة) فانه تفسير للأمر لا للمقسمات.

فالأمر مذكر والملائكة ذكور والملائكة ارواح والارواح من عالم الأمر وهذا يعني ان المقسمات اسم آخر للذاريات وهي الرياح فهي تقوم بتقسيم عمل الملائكة فمنهم من يقوم بتعذيب الفجرة وقسم آخر يقوم بتنفيذ اوامر المؤمنين وخدمتهم.

ففي الجزء الخاص بالمؤمنين تتحرك الرياح بالطريقة التي تجعل هذا الجزء جنات بكل ما للمعنى من ابعاد في وصف جنات أرضية كتلك التي وصفت في القرآن.

وسيأتيك بالتفصيل الفوارق بين الجنات المهدوية وجنات القيامة. واذا اردنا تأكيد أهمية الرياح في المهدوية من خلال المأثور والحديث الشريف فاننا نجد الكثير من الحديث الذي يؤكد هذه الاستخدامات للرياح ومنها انزال البركات واخراج الثمرات، إذ المعلوم ان ذلك لا يختص بذكر لفظ الريح فقط بل كل الاحاديث التي تذكر آثارها وما لم يمكن ان يتحقق إلا بها كالامطار والمياه والزروع والأنهار... الخ فهذه جملة من المأثور:

الحديث الأول: في الحديث القدسي (من حديث المعراج) بشرّه تعالى بالمهدي وجاء فيه:

"... يا محمد هؤلاء اوليائي واحبائي واصفيائي وحججي بعدك على بريّتي وهم أوصياؤك وخلفاؤك وخير خلقي بعدك وعزتي وجلالي لأظهرن بهم ديني ولأطهرنّ الأرض بآخرهم من أعدائي ولاملكنه مشارق الأرض ومغاربها ولاسخرنّ له الرياح ولاذللنّ له السحاب الصعاب ولارقينّه في الأسباب ولانصرنّه بجندي ولامدنّه بملائكتي حتى يعلن دعوتي ويجمع الخلق على توحيدي ثم لأديمنّ ملكه ولاداولنّ الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة» - لاحظ الختام بيوم القيامة. البحار/ج23/ نقلناه عن البشارة/318 - فصل سيرته (ع).

أقول لا تفوتك الأمور الكثيرة المختلفة عن المفاهيم العامة التي يذكرها الحديث ومنها وجود مشارق ومغارب تحت ملكِهِ ومنها الارتباط المتجاور في السياق بين (الرياح-السحاب-الأسباب-الملائكة) مما هو مذكور في سورة الذاريات.

كذلك الاجتماع على التوحيد فان للتوحيد خطاً دقيقاً ليس عليه سوى الاقلية من المؤمنين لقوله تعالى "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون" - فالأغلبية في ضلال بسبب الاعتباط اللغوي وظهور الذاتية في التفسير ولذلك ورد عن الامام علي (ع) في صفة المهدي (ع) انه:

"يعطف الرأي على القرآن بعدما عطفوا القرآن على الرأي"     نهج البلاغة/الخطبة134

الحديث الثاني: عن النبي(ص) قال:

"فيبعث الله عز وجل رجلاً من عُترتي فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض لا تدّخر الأرض من بذرها شيئاً إلا أخرجته ولا السماءُ من قطرها شيئاً إلا صبه الله عليهم مدرارا..."

أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجه البخاري ومسلم/ج 4/465.

أقول: عن أي إسناد يتحدث هؤلاء هم وفقهاء الامامية من بعدهم؟ ألم يوصهم رسول الله (ص) ان يعرضوا الحديث على القران فما وافقه اخذوا به وما خالفه ضربوا به عرض الحائط حسب تعبيره الشريف فخالفوه والتهوا باسانيدهم وهو يقول (براً كان قائله أو فاجراً) فما اخذوا بالحديث ولا عرفوا إلى هذا اليوم البر من الفاجر ولا اتفقوا على ذلك.

إذا لم يكن القرآن هوَ المرجع فهل تظن ان النبي (ص) يجعل مرجعية الحديث إلى الرجال والذين يحكمون على الرجال رجال ايضاً؟

يا للمغالطة الفاضحة والمخزية لهذه الامة بين امم العالم إذا جاء طور الاستخلاف وعلمت الأمم أنها حُرمت قروناً من نعمة الله بسبب علماء الدين ورجالهم.

الحديث الثالث: عن جعفر بن محمد (ع) قال في كيفية خروج المهدي (ع) واشتراك الريح في التبشير به.

"سيأتي في مسجدكم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً - يعني مسجد مكة - يعلمُ اهل مكة انه لم يلدهم ولا آباءهم ولا اجدادهم عليهم سيوف مكتوب على كل سيف كلمة تفتح الف كلمة فيبعث الله ريحاً فتنادي بكل واد: هذا المهدي يقضي بقضاء داود وسليمان (ع) ولا يريد عليه بيّنة". الاكمال - نقلناه عن البشارة/338.

أقول: معلوم ان الاصوات والنداءآت لا تنتقل إلا بالريح ولكن الحديث يجعلها هي المنادية وذلك لان كل شي ناطق باذن الله: "وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء" فصلت/21

فقل للمعاصرين الذين يجهدون انفسهم في مطابقة بعض الآيات مع العلم الحديث قد نسيتم هذه الآية وانتم في غمرة البحث التوفيقي بين القرآن والعلم انما القرآن يفسره القرآن ولا يفسره العلم وهو الذي يفسر العلم، وما تفعلونه ما هو إلا تقطيع لاجزاء القرآن؛ "أ فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى اشد العذاب و ما الله بغافل عما تعملون".       البقرة/85

فتؤمنون بما تقدرون على تفسيره علمياً حسب رأيكم وتكفرون بما لا تقدرون على تفسيره حسب علمكم فإذا جاء طور الاستخلاف وظهر العلم الحقيقي فإذا علمكم هذا خزي وعار عليكم، إذ لم تكونوا تعلمون شيئاً سوى الظواهر غافلين عن التغيّر المحتوم في آخرة الأمر:

"فلمّا جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون. فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين. فلم يك ينفعهم ايمانهم لمّا رأوا بأسنا سنة الله التي خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون"     غافر/83-85

وقد تقول فهل أصاب الخزي كل الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض؟ حسب ما تقوله الآية لأنه في (الحياة الدنيا)؟

أقول:  ومتى أصابهم الخزي جميعاً وكيف؟ فالاعتباط يزعم انه فعل بهم ذلك ولو كان فعل لما تجرأ أحد على الاختلاف في الكتب المنزلة إذ لو عُوقب كل مسيء فوراً لاستقامت الأمور (انما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار) (مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر).

فالآية لا تقول ان من فعل ذلك أًخزي بالماضي انما تقول ما جزاءه إلا خزي في الحياة الدنيا والطور المهدوي يبدأ في الحياة الدنيا فيبعثهم الله فيرون علمهم الذي تفاخروا به ويصيبهم الخزي والعار ولذلك قال (ويوم القيامة يردّون إلى أشد العذاب).

سيأتيك مفصلاً في عذاب المهدوية ان لفظ (العذاب الشديد) هو في طور الاستخلاف بينما (اشد العذاب) هو من عذابات القيامة.

الحديث الرابع: من حديث حذيفة بن اليمان (رض) عن النبي (ص) قال وذكر قصة خروج المهدي (ع) وفيه:

".. ثم يخرج متوجهاً إلى الشام وجبريل على مقدمته وميكائيل على ساقيه يفرح به أهل السماء وأهل الأرض والطير والوحوش والحيتان في البحر، وتزيد المياه في دولته وتمد الأنهار وتُضّعفُ الأرضُ اكُلهّا ويستخرج الكنوز..".

أخرجه ابو عمرو عثمان بن سعيد في السنن.

نقلناه عن منتخب الاثر في المهدي المنتظر/ف7-ب3-ح3. أقول: قد تلاحظ تغير النظام الطبيعي من خلال ازدياد كمية المياه والأنهار والأكل فكل ذلك انما هو مرتبط بتسخير الرياح. وقد ذكر القرآن ازدياد المياه الصالحة للشرب والزراعة مع زيادة الاستقامة كقانون تكويني عام قال تعالى:

"ولوّ استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً" الجن/16.

قال الفيروز آبادي: الغّدَقُ محركةً الماء الكثير!!

فاقرأ وأعجب وكأنه لم يسمع بالآية إذ لا يجوز ان يقول ماءً ماءً كثيراً! وتلك هي مصائب اللغويين.

بل الغدَقُ: المتصل غير المنقطع وهو صفة فإذا اتصف بها الماء كان كذلك واذن فلفظ الغدق لا ينطوي على الماء إذ لا علاقة له به فهو صفة يوصف بها الماء وغيره.

ولذلك قيل الغيداق: الكريم-لأنه متواصل مع الآخرين غير منقطع عنهم وهذا يستوجب ان يكون كريم النفس سخياً بالمال. من جهة اخرى فانك نعلم ان حروباً كثيرة حصلت بسبب النزاع على الموارد المائية وحروب اخرى يخطط لها بسبب هذا العنصر الهام للحياة لان الخلق التهوا بعلمهم عن علم الله واعتمدوا على انفسهم دون الله فما أدراهم ان هم سيطروا على نهر من الأنهار بالقوة والقهر ومنعوا منه خلق الله ان يجعل الله ماءه نقمة عليهم فيغرقهم به أو يجعله غوراً فلا يستطيعون له طلبا:

"قل أ رأيتم ان أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماءٍ معين؟" الملك/3

فالريح أذت تغير مواقع سقوط الامطار وبالتالي مجاري الأنهار وقد حصل خلال التاريخ ان قامت الأنهار بابادة دول وحضارات واضمحلال ممالك انظر "مقدمة في تاريخ الحضارات-طه باقر-34، 37".

الحديث الخامس: وفيه يستخدم المهدي (ع) الريح في اولّ ابتداء الحرب مع السفياني:

عن محمد بن علي الباقر (ع) قال "لو خرجَ القائم.." وساق الحديث وفيه

فيخرجُ اليه السفياني وأصحابه والناس معه وذلك يوم الاربعاء فيدعوهم المهدي ويناشدهم.. إلى قوله فيتفرقون من غير قتال فإذا كان يوم الجمعة يعاود فيجيء سهم فيصيب رجلاً من المسلمين فيقتله فيقال ان فلانا قد قتل فعند ذلك ينشر راية رسول الله فإذا نشرها انحطت عليه ملائكة بدر فإذا زالت الشمس هبت ريح فيحمل عليهم...إلى آخر النص"    بشارة الإسلام/326

أقول:  السُفياني شخصية شهيرة في المأثور من الشخصيات السياسية الهامة في فترة الظهور ونحلل ان شاء الله شخصيته ونفسيته واعماله وسجاياه في العلامات السياسية في موضعها. وامّا استعمال السهم والسيف في حروب المهدي (ع) فقد اشكل هذا الأمر على الاعتباط المعاصر بسبب تطور الاسلحة فاسعفته الكناية والمجاز في تحليل الأمر على انها تعابير عن القوة مطلقاً او السلاح عموماً أو المقذوفات عامة وهو تحريف للنصوص سنعالجه في موضعه المناسب.

المرحلة الثالثة:

وهي المرحلة النهائية من الطور المهدوي وتشتمل على (اليوم الآخر) والذي أمر الله تعالى المؤمنين ان يرجوه فاقل (ارجو الله واليوم الآخر) وهو قبل القيامة حيث يقوم المؤمنون بتأهل الملكوت السماوي في جنة عرضها السموات والأرض ويملكونها فينتقلون تباعاً من الأرض إلى الملكوت بعد ان يحصلوا على المعرفة الكاملة والعبودية الحقة للهّ، فلا يبقى في الأرض غير الكفرة يتناسلون مع تعذيب وشقاء في العيش لانّ الطبيعة ضدهّم والسماء مغلقة لا تفتح لهم أبوابها:

" إن الذين كفروا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط" الاعراف/40.

ذلك لأنّ المرور عبر الصراط فقط والصراط مثل سم الخياط (أحدّ من السيف وادق من الشعرة) فكيف ينفذ منه الجمل بما حمل؟ في هذه المرحلة يتوفى بعض المؤمنين الباقين (ريح طيبة) تنقلهم إلى الملكوت كما صرح به أحد الاخبار، وهؤلاء هم الذين سبق ان ماتوا في حياتهم الدنيا قبل المهدوية وقبل الاستخلاف، لان المؤمنين لا يموتون إلا مرة واحدة بخلاف الكفرة الذين يموتون مرتين قبل القيامة وذلك في آيتين من كتاب الله:

الأولى "لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الاولى" 56/الدخان

الثانية قول الكفارّ: "ربنا امتنا اثنتين واحييتنا اثنتين" غافر/40 ولهاتين الآيتين اقترانات لفظية أخرى تأتي في موضعها.

إذن فالريح المذكورة في الذاريات وخصائصها مرتبطة بطور الاستخلاف فقط كنظام طبيعي أحسن ولا علاقة لها بيوم القيامة ولذلك فهي مرتبطة بهذا الطور في جميع مراحله.

هذا العرض السريع لاجزاء القسم في أول سورة الذاريات يدعونا لان نفكر باّن السورة كلها مخصصة للحديث عن طور الاستخلاف ما دامت تبدأ بالذاريات وتنتهي بالغاية من الخلق التي هي العبادة وظهور الارزاق في قوله تعالى "وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون-ما اريد منهم من رزق وما أريد ان يطعمون.." إلى آخر الآيات.

فالابتداء والانتهاء بعناصر مرتبطة بالاستخلاف يدل على ان السورة كلها هي في موضوع الاستخلاف فهل نجد الفاظها كما نتوقع؟ نعم اقرأ هذه النقاط السريعة:

اختصاص سورة الذاريات بطور الاستخلاف

1.    ورد فيها قوله تعالى: "وفي السماء رزقكم وما توعدون". اذن فالرزق في السماء وما وُعد المخاطبون في السماء ايضاً. وهذا يعني ان ما في السماء هو رزق ووعيد فهو يشتمل على ما في الوعد الإلهي بشقيه: الرزق والعذاب.

ومعلوم ان النجم الموعود في السماء وهو المسبّب في التغيير المتوقع للنظام الطبيعي في الدهر المهدوي مما ينتج منه عذاب على قوم ونعيم لقوم آخرين. لذلك قال (في السماء) ولم يقل من السماء.

2.    استعرضت السورة الامّم المعذبة السابقة وهم خمسة اقوام استعراضاً سريع الايقاع قصير المقاطع عطف بعضه على بعض بواو العطف: وهم قوم لوط، وفرعون وجنوده، وعاد، وثمود، وقوم نوح.

فذكر قوم لوط من خلال ذكر ابراهيم، وذكر موسى وفرعون وذكر عاد ولم يذكر اسم رسولهم هود وذكر (قوم نوح) بالاضافة إليه. فالمذكور من الرسل ثلاثة بالأسماء والاقوام خمسة. وذلك لان العطف هو تفصيل لقوله "وفي الأرض آيات للمؤمنين وفي انفسكم افلا تبصرون" فجاء ذكر الرسل عطفاً على آيات الارض مثل (وفي موسى إذ ارسلناه)، وجاء ذكر الاقوام عطفاً على (انفسكم) مثل: (وفي عاد إذ ارسلنا عليهم الريح العقيم) وقوله (وقوم نوح من قبل انهم كانوا قوماً فاسقين). وقد أشار هذا التوزيع إلى الطرفين الرسل والمرسل إليهم. وبعد هذا العرض عاد السياق ليخاطب النبي (ص) ويطمأنه على ان نصيب قومه المكذبين من التعذيب والاهلاك هو كنصيب أصحابهم من تلك الأمم، ولكنه مؤجل إلى يوم محدّد فليست عليه ملامة فقد بلغ وانذر.

"فتول عنهم فما انت بملوم، وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين"

ثم قال بعد آية (ليعبدون): "فان للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون" 11/60

وهكذا تُختتم السورة بالوعد واليوم الموعود.

قالوا: الذنوب: النصيب وأصله من الدلو الممتلئ ماءً.

وقيل: الذنوب: الويل والبلاء.

أقول: قال في الآية اللاحقة: فويل للذين كفروا واذن فالذنوب ليس الويل لأنه ذكر الويل بعده.

والذنوب هي اللاحقة المرتبطة بشيء لا تنفك عنه. لذلك يطلق على طرف الحبل الممتد إلى البئر. ولما كان ما يلحق كل فرد يسمى نصيباً فقد ظنوا ان النصيب يرادف الذنوب. وأطلق كذلك على الدلو الممتلئ ماء بل وعلى الدلو الكبير وكل ذلك لارتباطه باللاحقة وطرف الحبل.

وأمّا المعنى العام للفظ فهو اللاحقة التي لا تنقطع، ومن مشتقاته الذّنب، والمُذنب، وذَنبُ الدابّة.. الخ، لأنها أشياء تلحق بأفرادها.

إذن فذنوب هؤلاء قوم النبي (ص) هي كذنوب أصحابهم من الامم الهالكة لاحقة بهم لا تنفك عنهم ويصيبهم ما أصاب اولئك فلا يستعجلون. واذا كان الامر كذلك فمن غير المعقول ان يكون يومهم الذي يوعدون هو يوم القيامة كما زعم الاعتباط.

بل هو اليوم الذي يتم فيه اعطاءهم نصيبهم من العذاب الدنيوي اسوة بأصحابهم-لان الجميع يوم القيامة في مورد واحد من النار فلا يتحقق معنى الآية ولا ينالون نصيبهم من الاهلاك.

اذن فهم يرجعون إلى الحياة في طور الاستخلاف لينالوا هذا النصيب في اليوم الذي يوعدون وهو يوم (نشورهم) وهو مختلف عن البعث في يوم القيامة.

وسوف نوضح الفرق بين البعث والنشور في موضعه المناسب.

3.    ورد في السورة إشارات إلى إمكانية تغيّر النظام الطبيعي المرتبط باليوم الموعود ونزول الملائكة فمن ذلك تبشير الملائكة إبراهيم (ع) (بغلام عليم)-خلافاً للنظام الطبيعي:

"فاقلبت امرأته في صرة فصَكت وجهها عجوز عقيم. قالوا كذلك قال ربك انه هو الحكيم العليم"29-30.

الرابع: يومُ الديِّن في سورة المُدَّثّر

جاء هذا المورد على لسان المكذبيّن بيوم الدين في سياق من سورة المدثر ابتدأ بذكر علامات عامّة للطور المهدوي:

"كلاّ والقمر. والليّل إذا أدبر. والصُبح إذا أسفَر. إنّها لاحدى الكُبرَ، نذيراً للبشر لمن شاء منكم ان يتقدم أو يتأخر كل نفس بما كسبت رهينة، إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين. ما سلككم في سَقر. قالوا لم نَك من المُصّلين- ولم نك نطعم المسكين وَكنّا نخوض مع الخائضين. وكنّا نكذب بيوم الدين. حتى اتانا اليقين فما تنفعهم شفاعة الشافعين..." 32-48.

وفي هذه الآيات يمكنك ملاحظة العلاقات اللفظية بالمواضيع المارة سابقاً:

أولاً:  ان الحلف ابتدأ بالقمر والليل اذا ادبر والصبح اذا أسفر وقد رأيت ان العلامات المهدوية قد تعلقت بهذه الالفاظ، وقد تقدّم القمر هنا وتأخر في سورة الانشقاق بعد الليل بسبب اختلاف نوع العلامات.

ففي الانشقاق قال (والقمر اذا استق) وقد رأيت من تسلسل العلامات ان الخلل في نظام القمر يحدث يوم الخامس والعشرين من الشهر وان اتساقه هو آخر العلامات المرتبطة بالمذنب. وقال هنا (كلا والقمر) فلم يحدد علامة خاصة به ولم يشر إلى اختلال النظام ومعنى ذلك ان اول علامة تقع في القمر ايضاً لكنها لا تخل بالنظام فلذلك قدم الحلف به في هذا السياق. وامَّا اول علامة فقد مرت عليك، انها الوجه الذي يطلع في القمر حسب النص المار في العلامات:

"العام الذي فيه الصيحة قبله الآية في رجب قلت وما هي؟ قال وجه يطلع في القمر" المنتخب/441/11.

وهذه العلامة سابقة ومتقدمة كما ترى على جميع العلامات.

فإذا توالت الآيات فان اولها هو خسوف القمر في اولّ الشهر وهي العلامة التي قلنا ان احتمال وقوعها ضئيل جداً بحسب النظام الفلكي الحالي:

"عن ابي جعفر قال إشارتين بين يدي هذا الأمر خسوف القمر بخمس وكسوف الشمس. بخمسة عشر لم يكن ذلك منذ هبط آدم إلى الأرض فعند ذلك يسقط حساب المنجمّين" عن كمال الدين/نقلناه عن المنتخب/ب3-ف6-6 فإذا قلت فكيف ذكر ابن ماجه بسنده عن النبي (ص) قوله:

"أوَّل الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها".  سنن ابن ماجه/ج2/باب الفتن.

أقول هي كذلك فأوّل الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها إذ بها يتم تحويل النظام الفلكي بالفعل أما قبل ذلك فهي آيات متواليات لا ترسو على وضعٍ معين.

ومن هنا: قال والليل اذا أدبر وقد رأينا ادبار الليل الطويل بعد انقلاب الحركة المحورية للأرض الذي يستلزم طلوع الشمس من مغربها واستدارة الفلك في موارد الليل وعلاقتها بالأيام الستة للخلق.

لاحظناه كذلك في سورة التكوير "والليل اذا عسعس والصبح اذا تنفس".

ففي سورة التكوير وصفٌ مفصل للحركة ذاتها بكل ثقلها، أمّا في سورة المدثر فوصف لنتائج الحركة: إدبار الليل-واسفار الصبح لأنه يريد الانتقال فوراً إلى عرض ما يؤول اليه أمر المجرمين وأصحاب اليمين.

ثانياً:  قوله أنها لاحدى الكبر، نذيراً للبشر، لمن شاء منكم ان يتقدم او يتأخر.

كل ذلك مرتبط بالطور المهدوي. فالخطاب في قوله لمن شاء منكم ان يتقدم أو يتأخر خاص بالبشر دون اللذين هم لا زالوا في مرحلة (الإنسان) فبعضهم يتقدم وبعضهم يتأخر بحسب درجة ايمانهم فالطور المهدوي تظهر فيه إمكانية تحقيق الخيارات كل بحسب خياراته وهذا الأمر مرتبط بالإنذار والبشارة لان الإنذار مخصوص بالذين اتبعوا الذكر.

"انما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب"

فهو من جهة التبليغ إنذار عام للجميع ومن جهة تحقق الإنذار فهو لا يتحقق إلا مع البشر.

وفي طور الاستخلاف يجد البشر فرصتهم للتسابق في الخيرات وامتلاك الملكوت فهذا مرتبط بقوله (سابقوا إلى مغفرة من ربكم) وقوله (سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة)، إذ سنرى ان واحدة منهما في جنة الارض والاخرى في جنة السماء.

ثالثاً:  قوله تعالى: "كل نفس بما كسبت رهينة، إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين"

استثناء أصحاب اليمين متصل وليس كما زعم الاعتباط إذ قال الاستثناء منفصل بمعنى ان الاستثناء لا يعمل هنا فمعناه: (لكن أصحاب اليمين في جنات). والذي دعاهم لذلك اعتقادهم ان كل نفس رهينة بما كسبت وان أصحاب اليمين لا يختلفون بشيء عن بقية النفوس فهم يُحاسبون على أعمالهم ومرتهنين بما كسبوا.

وهذا تحريف واضح للمعنى لان الله استثناهم وكان بمقدوره ان يقول (لكن) بدلاً من إلا).

إنما قال (إلا أصحاب اليمين) لأنهم بالفعل غير مرتهنين بما كسبوا ولو كانت سيئاتهم كالجبال.

لماذا؟ لان سيئاتهم لا تؤثر على مقامهم لسلامة قلوبهم ولان مصدرها الفعلي هم (المجرمون) ولذلك يبدلها الله إلى حسناّت فهو اذن استثناء حقيقي متصل.

"إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً"الفرقان/70 لا يوجد قانون في العالم يبدل السيئة إلى حسنة إذ ان غاية ما تفعله مع المسيء ان تعفو عنه أماّ ان تجعل سيئته حسنة فان ذلك يحتاج إلى فهم خاص. وهذا الفهم هُوَ حتمية وجود طرف آخر تلقى عليه تبعة السيئة إذ لا يمكن تبديل السيئة بحسنة غير موجودة فمن اين يأتي المبدّل بالحسنة اذا لم يوجد طرف آخر يتم معه التبادل؟ ان الآية تشير في الواقع إلى هذا الطرف من خلال قوله إلا من تاب. وآمن وعمل عملاً صالحاً.

لأنه استعرض أعمالاً لا يفعلها المؤمنون قال :(ومن يفعل ذلك يلق آثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً إلا من تاب..) الفرقان/69. 

فلاحظ ان عملية التبادل جعلت حصة الفاعلين مضاعفة (يضاعف له العذاب) فالآيتين مترابطتين.

وإذن فالذي تاب وآمن خرج من مجموعة فالقى بسيئاته عليها واخذ من حسناتها لنفسه في عملية تبادل.

لماذا يحدث ذلك؟ لان تحقيق العدل يستوجب ارجاع كل عمل إلى علتِهِ الاولى فهذا التائب كان يعمل تلك الاعمال غافلاً فلا يدري انها تغضب الرب ولا يعلم انها بالضد من مصلحته وقد حدث ذلك تحت تأثير المجموعة المنتمي اليها، فلما انتبه من هذه الغفلة تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً ولو كان منتبهاً فيما سبق لكانت تلك الاعمال صالحة كلها فالله تعالى يُعطيه حقه كاملاً غير منقوص ولا يفّوت عليه لحظة من عمره.

وهذا يستوجب ان يكون للمجموعة حسنات باسمها ليأخذوا منها للتائب فمن اين جاءتهم الحسنات؟

جاءتهم بسبب وجود التائب بينهم فلكي يخدعوه ويبرهنوا ان اعمالهم ترضي الرب كانوا يقومون فعلاً ببعض الأعمال الصالحة بل والعظيمة جداً والتي لا يقوى التائب على مثلها لان الأعمال المذكورة في السياق كذنوب لهم هي اعمال من بيده السلطان والمال والوجاهة الدينية او الاجتماعية.

والعدالة تستوجب ان يكون مرجع الاعمال الصالحة لأصحابها الفعليين ووجود التائب بينهم ومحاولتهم خداعه هو السبب في ظهور تلك الاعمال فتؤخذ حسنات تلك الاعمال وتعطى للتائب، في نفس الوقت الذي تؤخذ ذنوبه وسيئاته فتلقى عليهم. ينفرد التائب بهذه التوبة في حياته الدنيا ويعتزل افعال هؤلاء ويبدأ بالشك بها ويطلب من الله ان يرحمه ولا يعذبه ويخضع لله محتاطاً لنفسه ولكنه في جميع الاحوال لا يمكنه ان يكون متأكداً من نجاته ولا من عدم نجاة المجموعة التي انتمى اليها لان لهم اعمال صالحة عظيمة. وحينما ينجو في يوم الدين ويأخذ فرصته الكاملة يتسائل اين اذن فلان وفلان وفلان لقد كانوا يعملون من الصالحات أكثر مني فاين هم؟ لماذا لا أراهم؟

فيقال له انهم في سقر؟ فيذهب هُوَ واخوانه إلى سقر ليسألوهم: "ما سلككم في سقر"؟

لقد كانوا يصّلون وكانوا يطعمون المساكين وكانوا وكانوا .. فما الذي سلكهم في سقر؟

ويجيب السالكون وهم يطلبون منهم ان يشفعوا لهم لأنهم كانوا اصدقاء واقارب في الحياة الدنيا يجيبون قائلين:

"لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين. وكنا نخوض مع الخائضين. وكنا نكذّب بيوم الدين".

لم يقولوا لم نك نصلي بل لم نك من المصلين، وهذا يدل على انهم كانوا يصلون وربما يصلون أكثر من أصحاب اليمين ولكنهم بعد انكشاف الحقائق لم يدخلوا في المصلين. يتعجب التائبون لهذا الأمر ويأسفون جداً لذهاب اعمال اخوانهم هدراً فيحاولون ان يشفعوا لهم وبالفعل يقومون بكل ما يقدرون من اجراءات الشفاعة ولكن الله يقول "فلا تنفعهم شفاعة الشافعين".

إذن فالشافعون قد فعلوا وشفعوا ولكن لا تنفعهم وهذا لا يحدث إلا في مجموعة ظاهرها التقوى وباطنها النفاق وتتضمن أفراداً صالحين.

تنطوي إجابة السالكين في سقر على تدرّج تصاعدي في الاعتراف بحقيقة فعالهم ينتهي في آخره بأكبر عمل إجرامي قاموا به وهو التكذيب بيوم الدين.

إن أعمالهم مترابطة يكمل بعضها بعضاً في سلسلة من الجرائم. ويكتشف التائبون لاول مرة ان هؤلاء كانوا يعلمون أكثر منهم بما يّصح وما لا يَصح بيد انهم كانوا بخلاء جداً بالمعرفة وكانوا لا يجيبون على الأسئلة إجاباتها الحقيقية، ومن هنا يعلم التائبون ان هؤلاء قد حاولوا جهدهم في اضلالهم ولولا عناية الله لكانوا معهم فيزداد مقتهم لهذه المجموعة ويتركون التشفع لهم، ففي محاورة اخرى يتقدم فيها المؤمنون تقدماً مطرداً باستعمال النور الذي يسعى بين ايديهم، ويحاول المجرمون اللحاق بهم تنكشف الآيات ان المؤمنين قد عرفوا هؤلاء حق المعرفة فتجري هذه المحاورة:

[-     يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز العظيم.

-     يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا:

فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم:

ألم نكن معكم؟ قالوا: بلى ولكنكم فتنتم انفسكم وتربصتم وارتبتم وعزتكم الاماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور. فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير].

ولذلك لم تنفعهم الشفاعة في اول سلوكهم سقر لان الشفاعة شرطاً هو قبول المشفعّ للعمل مطابقته لحقيقتة فقد يقوم الشافع بإعطاء المشفع بعض الأعمال ويهديها له ليخلصه من العذاب ولكن تلك الأعمال لا تطابق نوايا المشفع وتوجهاته القلبية، انه مثل ان يزرع المرء عضواً غريباً في جسم آخر فلا يتم قبوله.

فالمجرمون لم يخطئوا الحسابات بل ساءت نواياهم وقلوبهم ومن هناك اقترن (السلوك) و (القلب) مع المجرمين لفظياً في غير سورة المدثر:

"كذلك سلكناه في قلوب المجرمين"       الشعراء/2

"كذلك نسلكه في قلوب المجرمين"        الحجر/12

فلنلاحظ ألفاظ هذا السياق من سورة المدثر:

أ.   ما سِلككم في سقر:

سَلَك: فعل يفيد عملية الامساك بالشيء ومنه السلك الذي يمسك الخرز، والسلوك الذي هو صفات ملازمة يتمسك بها المرء فهي محور افعاله واعماله فهي كالسلك للخرز، بحيث انه لا يحيد عن ذلك ومنه المَسلك.

قال تعالى "أ لم تر ان الله انزل من السماء ماءً فسلكه ينابيع في الارض" فهذا طريقها لا تحيد عنه.

كذلك قال في النحل: "ثم كلي من كل التمرات فاسلكي سبل ربك". ورد هذا اللفظ في القرآن اثنتا عشرة مرة في السور: طه/20، المدثر/42، الشعراء/200، الزمر/21، نوح/71، الحجر/21، الجن/27،17، المؤمنون/27، القصص/32، الحاقة/32، النحل/69.

وقد يشير هذا العدد إلى وجود اثنتا عشر مسلكاً مختلفاً لاهل الفتن قبل الطور المهدوي، ضرورة أن لكل خليفة عدّوّ، فالمجموعات عند الله تختلف في تقسيمها عن تقسم الناس.

ورد نص يؤكد ذلك وتضمن هذا النص مفردة (سلّك) و (قلب) مكررة في الحديث:

عن جعفر بن محمد (ع) قال:

"أما والله لتمحُصَنّ حتى يقول القائل مات أو هلك في أي واد سلك ولتدمعّن عليه عيون المؤمنين وليلقون كما تلقى السفن في امواج البحر ولا ينجو إلا من اخذ الله ميثاقه وكتب في قلبه الإيمان وأيده بروح منه ولترفعن اثنتي عشر راية مشتبهة لا يدرى أي من أي". البشارة/198/الباب السابع.

قوله لا يدرى أي من أي لشدة الاختلاط بين المذاهب والمسالك وهو ما ذكره السياق باعترافهم: "وكنا نخوض مع الخائضين"/المدثر-46.

سَقًر: قال في القاموس

السّقْر بالسكون الصقر وحرّ الشمس والقيادة على الحُرم والكافر واللعان لغير المستحّقِين قال وسَقَر بحركة جهنم, وكذلك قال جمع المفسرين سَقَر جهنم.

أقول:  يبدو لي وعلى معاني الحروف انّ الأصل اللغوي لهذا اللفظ هو طلب الاعتداء على الذات من قبل الغير.

فالقيادة على الحرم هي طلب من الغير للاعتداء على عرض الفاعل، وكذلك اللاعن لمن لا يستحق انما ترجع اللعنة عليه فكأنه لعن نفسه.

ويظهر منه تسمية الصقر احياناً بالسين سَقْر لأنه يعتدي على جنسهِ من الطيور وسَقَر المحركة هي الموضع الذي يحصل فيه الطالب على ما يرومه من الاعتداء على نفسه من قبل الغير.

وذلك لان الكافر المكذب بيوم الدين يريد استمرار الوضع كما هو من دون تغيير إلا نحو الأسوأ بالنسبة للآخرين والاحسن بالنسبة له وحده، فتنقلب المعادلة عند تغيير النظام يوم الدين فيجد نفسه مقهوراً على سلوك سقر بما ينبعث من ذاته ونفسه وتكون اعضاؤه من جملة اعداءهِ حيث تشهد عليه وتعذب نفسه.

والسبب في ذلك هو عدم امكان السيطرة على الموجودات إلا بقوةِ خالقها الذي يمنحه اسرارها ونواميسها، فلما اراد السيطرة على الموجودات وعلى الآخرين بقوته الذاتية فقد جعل من نفسه أو من نفسه وشركاءه وما يعبد من دون الله آلهة اخرى.

ولما كان لا يملك لا هُوَ ولاشركاؤه شيئاً في السماوات والارض بما في ذلك اعضاءهم فقد دعا الموجودات لتتسلط عليه وتعذّبه عذاباً ابديا.

وسقر طريق من الطرق المؤدية إلى جهنم، إنها تل صراط الجحيم.

فثمة صراط للذين انعم الله عليهم يترقون فيه إلى ملكوت السموات وثمة صراط للمغضوب عليهم يتدرجون فيه إلى جهنم.

ان هذه السُبُل تبدأ في الطور المهدوي وتنتهي بالقيامة وأمدها هو الأمد المضروب كأجل للسموات والارض.

لذلك فان سقر ليست اسماً آخر لجهنم، ان سقر عذاب النار والموكلين بها هم (أصحاب النار) وهم مختلفين عن (زبانية جهنم).

لقد جاء ذكر سقر في السورة قبل هذا المقطع وقبل أية فاصلة طويلة تختلف في اسلوبها عن مقاطع السورة-جاء في قوله تعالى.

"سأُصليه سقر. وما ادراك ما سقر. لا تبقي ولا تذر. لواحة للبشر عليها تسعة عشر".

فمن هُوَ هذا الذي يهدده الله بسقر؟ وما الذي فعله؟

انه نفس الشخص الذي قال فيه قبيل ذلك (سارهقه صعوداً) وتعرض لنا الآيات ما فعله هذا الشخص فهي هامة جداً هنا لأنها مرتبطة باصدار الاحكام في موضوع الحكم الذي مرّ سابقاً:

"ذرني ومن خلقت وحيداً. وجعلت له مالاً ممدودا. وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا، ثم يطمع ان أزيد، كلا انه كان لآياتنا عنيداً، سارهقه صعوداً، انه فكّر وقدر فقتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدّر، ثم نظر ثم عبسَ وبسر، ثم ادبر واستكبر فقال ان هذا إلا سحر يؤثر، ان هذا الاقول البشر، سأصليه سقر.." فندرك من هذا العرض ان الذي فعله هذا المهدد هو اصداره حكمين من الاحكام ينبعان من ذاته مقابل الحكم الإلهي:

الأول: إنه بعد كل ما أعطاه الله من المال والولد والشهود والتمهيد يزعم انه يستحق المزيد.

وهذا حكم المستكبر على الله فهو كالذي ذكره في سورة الكهف (صاحب الجنتين) إذ قال لصاحبه المؤمن وهو يحاوره:

"وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لاجدن خيراً منها منقلباً فقال له صاحبه وهو يحاوره اكفرتَ بالذي خلقكَ من تراب ثم من نطفةِ ثم سواك رجلاً" الكهف/26/27.

وان اغلب الناس لو نظرت إليهم وسمعتهم لوجدتهم يقولون مثل ذلك ويزكوّن انفسهم ويزعمون انهم بلا ذنوب ولا خطايا وانهم يستحقون ان يعطيهم الله أكثر مما اعطاهم!

الثاني: حُكمهُ على كلام الله انه من قول البشر.

وقد أوضحنا هذه المسألة في أكثر من موضع، إذ ليس من الضروري ان تسمع القائل يقول ذلك على صورة الكلام بل يكفي فيه ان يعامل كلام الله معاملة قول البشر فان ذلك يصدر منه على ما يعتقده، وإذا نظرت إلى الأمة وجدت كل علماءها-إلا معدودين على أصابع اليد وقد لا تعرف أسماءهم-وجدتهم يفسرون كلام الله بالترادف والمشترك المعنوي والمجاز والكناية والحذف وتقدير محذوف وتقديم لفظ تقديراً وتأخير لفظ آخر وتشبيهه تلك الإزاحات لترتيب الألفاظ بما يماثلها من الشعر والأقوال.

وقد أشكلنا على ذلك بالقول:

إذا كان القرآن باللغة العربية واسلوبه هو عين اساليب البشر من الحذف والايجاز والإطناب والتقديم والتأخير.. الخ..الخ فما الفرق اذن بينه وبين كلام البشر؟ في كتاب (الحل القصدي للغة) وكتاب (أصل الخلق بين الأنا والتوحيد) ظهر لكم تفسير هذا الأمر.

وخلاصته ان الإنسان يريد ان يسبق أو يعّقب على حكم الله بحكم ينبع من ذاته فلا يقدر على ذلك مطلقاً إلا عندما يكون كلام الله مرناً في التفسير والتأويل وطيعاً بحيث تجري عليه احكام اللغة البشرية واساليبها، وسمّينا هذا الطريق بالاعتباط اللغوي وهو حيلة من حيل الإنسان ليحقق حكمه من خلال حكم الله. ونتيجة ذلك واضحة فالفاعل كأنما يتكلم مع الله إذ يدخل آراءه ومطالبة في النص من خلال تأويله على ما يقدره هو بحجة قواعد اللغة وأساليبها وعلم اللغة.

لقد أبطلنا علم اللغة السابق القائم على جزافية الأشارة اللغوية، فهو لا يصلح لتفسير النص البشري فضلاً عن النص الإلهي.

إذا قلت فان الآية تقول (فقال ان هذا إلا سحر يؤثر. ان هذا إلا قولُ البشر..) ومعنى ذلك ان هناك قائل لا مفسَّر.

الجواب:إننا ذكرنا في النظام القرآني الفرق بين القول وبين الكلام فهو قائل ورُبَّ قائل غير متكلم بنفس العبارة انما يتكلمّ بما يؤدي مفادها.

ب.  "قالوا لم نك من المُصلين"

الآن اجابوا على السؤال بهذه الاجابة، ويظهر انهم تدرجوّا بالاجابة فعلاً فقد عثرت على رواية عن النبي (ص) تؤكد ذلك أي ان السائلين لم يقتنعوا بذلك فاضافوا: ولم نك نطعم المسكين) فلم يقتنع السائلون بهذا ايضاً فاضافوا:

(وكنا نخوض مع الخائضين)، والسائلون لا زالوا غير مقتنعين بالاجابة عندئذ قالوا: (وكنا نكذب بيوم الدين) فقال السائلون: هذا نعم هو الذي سلككم في سقر. أقول ان هذا الأمر يحتاج إلى تحليل:

لأن قولهم لم نك من المصلين معناه انهم لم يحسبوا من المصلين بالرغم من صلاتهم فهو جواب عام فلماذا لم تقبل صلاتكم؟ فلذلك بقي السائلون يطلبون اجابة أخرى.

فلما قالوا (ولم نك نطعم المسكين)-أي في واقع الحال. لان هذا النفي قد دخل على الفعل أي اننا كنا نطعم المسكين ولكن انكشف الآن اننا لم نك نطعم المسكين.

وقد تكون هناك ظروف قاهرة أجبرتهم على ان يطعموا لغير وجه الله كما لو كان المجتمع فاسداً إلى ابعد حدّ ولا يستحق فيه احد شيئاً من الاطعام فاطعموا ليأمنوا الناس واذن فالجواب لا يكفي.

فقالوا (وكنا نخوض مع الخائضين) وهنا ظهر تلميح لاول مرة عن وجود شيءٍ في قلوبهم لان الخوض عليه تبعات عظيمة ولكن مع الفرض الأول فهناك إشكال، فالظروف قد تقهر الناس بخاصة مع جهلهم على الخوض وهو ينطوي بالطبع على (افتراء على الله) ولكن الجواب لازال غامضاً فيحتمل انهم فعلوا ذلك كله لا عن قصد المجابهة مع الله.

فلما قالوا: (وكنا نكذبّ بيوم الديِّن)-فقد انتهى الأمر. فالذي يكذب بالوعدِ الإلهي انما يرمي إلى ان الله خلق هذا الخلق عبثاً، وهذا التكذيب مرتبط بمن يريد ان يكون معبوداً من دون الله.. وبهذا تختلف تلك الفقرة من الاجابة عن جميع ما مرَّ من المعاصي في ما سبقها.

الرواية: البحراني بسنده عن النبي (ص) قال لعلي (ع) وتلا قوله تعالى: "..قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين فيقول لهم أصحاب اليمين ليس من هذا أو تيتم فما الذي سلككم في سقر يا أشقياء: قالوا وكنا نكذبّ بيوم الدين حتى اتانا اليقين فقالوا لهم هذا الذي سلككم في سقر يا اشقياء". البرهان/4/404

لقد ظهرت الذاتية لهؤلاء في سورة المدثر في قوله تعالى:

"بل يريد كل امرئٍ منهم أن يُوتى صُحفاً منشرة" /52 فكل واحد منهم يريد كتاباً أو كتباً من السماء على حسب اهواءه ومطالبه.

مستوى آخر لمعنى الإجابة

إذا أردنا ملاحظة المعاني الأصلية للالفاظ فهناك مستوى آخر اعمق لمعنى اجاباتهم، وقد ذكرنا ان مستويات المعاني أو طبقاتها لا حصر لها وهي منفتحة إلى الما لأنهاية لكون الكلام هو كلام الله فهو بنظام دقيق مشبه للنظام الكوني.

فقولهم (لم نك من المُصلّين)-المُصلّي على أصل اللفظ هو الذي يُوصل بين نقطتين. ولذلك كانت العرب تسمى الشخص او الفرس الذي يعقب السابق بالمصلّي لأنه يوصل بين الأول والآخرين.

ومعلوم ان الفئات أو المجموعات الكبرى في القرآن ثلاثة كما حددته سورة الواقعة، السابقون و أصحاب اليمين وأصحاب الشمال.

فأصحاب اليمين هم المصَّلين على اصل اللفظ لأنهم تبع للسابقين. ومعنى قولهم لم نك من المصّلين أي لم نك تابعين للسابقين. وهذا يعيدنا إلى الذاتية مرة أخرى وفعل إبليس فقد زكوّا انفسهم ولم يأخذوا علمهم عمن سبقهم بل انفردوا به فجاء متناقضاً ومحَّرفاً وهو يستلزم افتراءهم على الله.

وقولهم: ولم نك نطعم المسكين: المسكين من السكن والسكون، وأصل اللفظ هو طالب السكينة لحين مجيء الأمر أي هو المنتظر للفرج او هو العامل بقوله تعالى (فانتظروا اني معكم من المنتظرين).

وسيد المنتظرين وأولهم هو رسول الله. (ص) فهو المأمور بذلك. وعلى ذلك فالمسكين هو الشديد السكون، ويظهر التشابك اللفظي مع المأثور فقد استعمل الامام جعفر بن محمد (ع) هذا اللفظ عينه بدلاً من لفظ الانتظار وربطه مع السموات والارض بقوله:

"اسكنوا ما سكنت السموات والارض".

والمعنى لا تتحركوا ما لم تروا حركة في السماء فان الأمر لا يكون لمجرد ان يريد فرد أو مجموعة بل يجب العمل باقصى طاقة مع السكون والانتظار. والمسكين على ذلك هو الداعية الثابت الذي لا يحاول تغيير الواقع بالقهر والغلبة والحرب فان ذلك الطرح هو ألد عدوٍ للدين. ومعلوم ان المسكين يريد طعاماً للسكون خاصة. بمعنى انه يريد علماً ومعرفة بهذا الأمر.

وأقر القادة في النهاية انهم لم يكونوا يطعمونه في الحقيقة سوى ما يزرعونه في قلبه من الشكوك، لان علمهم ذاتي لم يتبعوا فيه السابقين وهم مجموعة الاصفياء الذين فضلهم الله على العالمين وقولهم: وكنا نخوض مع الخائضين.

أي كنا نخلط الأمور الحق مع الباطل والحلال مع الحرام لنخدع المسكين ولا نكشف خطتنا-فالخوض مع أفكار المجموعة الثالثة وقولهم: وكنا نكذبّ بيوم الدين: هُوَ الغاية الأساسية من كل ذلك فالتكذيب بالوعد لا يتحقق إلا باخفاء قوانين حركة هذا الكائن التي يفصّلها الكتاب والسابقون فلما تمكنا من اطعامه من هذا الخوض عميت عليه اخبار الوعد فصارَ يكذبّه في قلبه وان لهج به لسانه.

وقولهم: حتى أتانا اليقين: ما زلنا نفعل ذلك حتى صدقنا أكذوبتنا وأصبحت يقيناً بالنسبة لنا فبلغنا مرتبة (المجرمين).

فالذين هم أمثالنا صاروا منّا وضللناهم عن الطريق وصّددناهم عن الهدى.

ولذلك ينقل لنا القرآن محاورة اخرى بين القادة والاتباع من هذهِ المجموعة:

"ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول اللذين استضعفوا للذين استكبروا لولا انتم لكنّا مؤمنين. قال اللذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم؟ بل كنتم مجرمين" 32/سبأ.

فأجابتهم المجموعة التابعة:

"وقال اللذين استضعفوا للذين إستكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا ان نكفر بالله ونجعل له أنداداً وأسرّوا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الاغلال في اعناق الذين كفروا"33/سبأ.

إن النظام القرآني يشتمل على جميع التفاصيل الخاصة بالمجموعات الكبرى والصغرى والمختلطة والمنفردة وهي تقسيمات لا تمت لها تقسيماتنا العقائدية باية صلة.

فقد تقول من أين نعلم ان هذه المجموعة هي نفسها مجموعة المجرمين؟ الجواب من التسمية والألفاظ الأخرى إلا ترى انهم بنفس الاسم قالوا لهم بل كنتم مجرمين فهم كالذين قادوهم سواء. ومعلوم ان المجموعة المستضعفة ليست كلها راغبة في الضلال، فكما قلنا الذين من أمثالهم صاروا مجرمين مثلهم والذين سلمت نواياهم ولكن لم يجهدوا انفسهم في البحث والعمل وتكاسلوا ورضوا بالادنى من العلم اختلطت عليهم الأشياء فلما انكشف الأمر قالوا هؤلاء أضلوّنا.

نلاحظ هذا الفرز في الآية كما سنلاحظه في محاورة اخرى لهذه الاقلية. ام الذي في آية سبأ فقوله (وجعلنا الاغلال في اعناق الذين كفروا) فانهم بعد ان قالوا بل مكر الليل والنهار...الخ هذه الاجابة كانت من الاقلية المضللّة أمّا اشباههم فقد صمتوا لأنهم يعرفون انفسهم مجرمين فقال بعد ذلك وجعلنا الاغلال في اعناق الذين كفروا ولم يقل في اعناقهم إذ لو كانت الاغلال للمجموعات المتحاورة كلها لاكتفى بالضمير وما خصص الذين كفروا.

وأما في المحاورة الاخرى المكملة فاننا نجد هؤلاء يعطون فرصة جديدة ليبرهنوا على سلامة نواياهم من خلال العمل وذلك عن طريق استعمال الفعل المضارع في سياق منقول بصيغ الماضي. هذه المحاورة هي ما في سورة الفرقان:

"ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أ أنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ظلوا السبيل. قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا ان نتخذ من دونك أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً".

والآن التفتِ إلى الضالين فقال:

"فقد كذبوكم بما تقولون فلا تستطيعون صرفاً ولا نصراً ومن يظلم منكم نذقهُ عذاباً كبيراً"

فالقادة إذن يعرفون جيداً (الذِكر) وكانوا يحاولون إنساء هؤلاء المستضعفين الذكر وذلك من خلال ما متعهم الله وأمهلهم هم وآباءهم فمرت اجيال فنسوا الذكر وكانوا قوماً (بورا) مفتقرين كل الفقر إلى المعرفة الحقة.

القادة عندهم هذه المعرفة ومقريّن بالكفر وهي قاعدة عامة في كل القرآن فتجدهم في جميع الموارد معترفين.

إنما المحاورة لإظهار مسؤولية ضلال هؤلاء السليمي النوايا. وبالطبع يتحملون المسؤولية كاملة لان كل إنسان مسؤول عن معتقده فمهما فعل القادة من مغريات لا يمكنهم النفاذ إلى ما في القلوب. ومعصية هؤلاء مثل معصية آدم (ع). لقد نسوا الذكر كما نسي آدم (ع) العهد.

لذلك قال لهم: لا تستطيعون صرف المسؤولية عن انفسكم ولا تقدرون على الانتصار منهم لماذا؟ إلا يمكن ان يأخذوا حسناتهم ويلقوا عليهم بسيئاتهم كما في المجموعة السابقة في البحث السابق؟

كلا لان أولئك كانوا صالحي الاعتقاد ولديهم معاصي اخرى في الاعمال.

أما هؤلاء فكانوا سليمي النوايا فقط واعتقادهم هو كاعتقاد الكفار بيد انهم لا يعلمون هذه الحقيقة، وبالتالي فليست لديهم حسنات ليتم التبادل، ان كل ما عندهم هو سيئات ولذلك حشروا سوية مع معبوديهم "ويوم يحشرهم وما يعبدون.."

إذن فهذا حشر صُغروي-انه نشر للمجموعات لا بعث كلي. ولذلك اعطاهم فرصة جديدة للعمل فقال:

"ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً.." أي من يظلم الآن مجدداً فسوف يذوق العذاب الكبير، بصيغة المضارع هذا يدّل على ان هذه المحاورات كلها انما تحدث في الطور المهدوي لان القيامة الكبرى والبعث الكلي ارتبط بالنتائج فقط ولذلك فليست في القيامة بعد هذه التصفيات التي تستغرق حقباً ودهوراً سوى فئتين: من كتابه بيمينه ومن كتابه بشماله واقلية من السابقين المتميزين عن بقية الخلق وكتبهم في ايمانهم. أماّ الطور المهدوي فهو طور العمل. لذلك فانك لو رجعت لآية سبأ لوجدت المجموعة كلها ظالمة ويسميها بهذا الاسم: "ولو ترى ذا الظالمون موقوفون..." وأنت تعلم أن الاعتباط لا يمكنه ان يفرز المجموعات كما هي في القرآن ولن يقدر على تفسير معقول لسبب مجيء الفعل المضارع (ومن يظلم) في موقف كهذا وهو على زعمه موقف القيامة إلا بتقدير الفعل ان معناه بالماضي وصيغته بالمضارع وان معناه (من كان قد ظلم في الدنيا)، على حدّ تعبيرهم.

ونحن نقول في الحل القصدي ان هذا العمل هو الذي يدخل الفاعل في مجموعة القادة للظالمين لأنه يفتري على الله الكذب ويغير كلامه ويقدر ازمان الافعال كما يشاء ويريد منا متابعته فهو يدعو في الحقيقة لان نتخذ منه نداً لله.

المورد الخامس

 يوم الديِّن في سورة المعارج

ترتبط الفاظ هذه السورة الكريمة بالوعد الإلهي ونحن نستعرض آياتها المتقدمة على ذكر يوم الدينّ بصورة سريعة بعد ان تعرّف القارئ الكريم على العناصر الاساسية للوعد والفاظه، فيما سبق من أبحاث:

1.    (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع. من الله ذي المعارج)/1-3/ فلاحظ هذا الترابط مع (الديّن الواقع) الذي مرّ في سورة الذاريات ويأتيك ايضاً في قوله تعالى (ان عذاب ربك لواقع). والعذاب الواقع عذاب آت في الدنيا قبل القيامة.

قال تعالى "وان من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً كان ذلك في الكتاب مسطورا" الاسراء/58 فالعذاب الواقع مختلف عن عذاب جهنم لأنه هو المفضي اليه بعد آماد واحقاب.

أمّا يتعلق معنى السائل ومن هو فقد تخبط الاعتباط هنا بما ما لا مزيد عليه وخرج عن كل عرف لغوي وديني، مما يطول بيانه.

2.    تعرج الملائكة والروح اليه في يوم كان مقداره خمسين الف سنة. فاصبر صبراً جميلاً انهم يرونه بعيدا، ونراه قريباً يوم تكون السماء كالمهل، وتكون الجبال كالعهن ولا يسأل حميمٌ حميماً./4-10.

لاحظ ارتباط العذاب واستمراره إلى يوم عروج الملائكة والروح وهو في اواخر الدهر المهدوي.

ثم عاد إلى الوعد فقال (فإصبر صبراً جميلاً إنهم يَرونه بعيدا ونراه قريباً.

فهذه الالفاظ مرتبطة بموارد الصبر جميعاً والمقترنة بالوعد وبالعاقبة.

-     فاصبر ان وعَد الله حق /الروم/60.

-     فاصبر ان وعد الله حق /غافر/55.

-     فاصبر ان وعد الله حق /غافر/77.

وتلاحظ هنا ان المخاطب بالوعد الحق هُوَ النبي (ص) فقط لم يرد هذا اللفظ مع الخطاب للمجموع (اصبروا) ولا الاسم (الصابرون) و (الصابرين) مع ان مواردها اربعة وعشرون مورداً.

لماذا؟ لان الوعد متعلق به (ص) وبظهور دينه ودولته فالمخاطب به هو.

وقد تقول لماذا لا ينصرف (الوعد) إلى يوم القيامة او ليست القيامة وعداً إلهيا؟

أقول لا ينصرف إلى القيامة لان القيامة نتيجة للوعد لا مقدمة له والذي كان يؤذي النبي (ص) نفسياً وعملياً هو إعراضهم وعتوهم واستكبارهم عليه ومحاربته وتكذيبه ولا يقع كل مرة العقاب الفوري عليهم لان فترة الإمهال والانظار لرئيسهم إبليس الملعون مستمرة إلى يوم الدين فيحصل المرء عل  الجزاء الفوري لعمله عند تغير النظام الطبيعي في يوم الدينّ ولذلك فالمؤمن الواعي لهذه المسألة يستعجل يوم الدين فامره تعالى ان لا يستعجل هذا اليوم لأنه لا يقع إلا وفق شروط وسنن لا تتبدل وإنهم إذ يرونه بعيداً فان الله يراه قريباً، ولكنه استعمل صيغة الجمع (ونراه قريباً) فجعل رسوله والمؤمنين والملائكة معه وتكلم باسمهم فقال (نراه قريباً).

"فاصبر كما صبرا أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم" الاحقاق/25 ومن هنا ذكرت سورة المعارج الوعد فختمت السياق كله بالوعد: "خاشعة ابصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون" /44 فالذي سأل بالعذاب الفوري واستعجله فقد خرج من فترة الإمهال فالفعل الماضي (سأل سائل بعذاب واقع) يفيد في حصول حالة من ذلك أي ان هناك سائلاً سأل بعذاب واقع فاستعجله وهو خاص بالكافرين.

قال الاعتباط في تخريج اللام في لفظ (للكافرين) وجوهاً: منها انها بمعنى (على) أي تقديره سأل سائل بعذاب واقع على الكافرين ذهب إلى ذلك الضحاّل.

ومنها انها بمعنى (عن) أي ليس له دافع عن الكافرين.

نقلناه عن التبيان للطوسي/ج10-114 سورة المعارج, أقول: فندنّا بادلة وافية جميع تقديراتهم العشوائية وقلنا ان التلاعب بالنص وتقدير الفاظه بالفاظ اخرى هو اعتباط محض.

إنما اللام هنا بمعناها اينما وجدت فهي لام تفيد المال والغاية وذلك ان العذاب الواقع مستقبلي له أجل فلما سأل السائل به مستعجلاً جاءه العذاب بخصوصه هو.

قال مجاهد: سؤال السائل هو في قوله تعالى:

"اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء أو إئتنا بعذاب اليم" الانفال/32.

قد يبدو في قول مجاهد تلميحاً إلى النظام القرآني لكنه لم يحدد القائل والمناسبة.

وقد وجدنا نصا يحدد القائل والمناسبة فالنص القرآني غير مقيد بحادثة النزول وانما الحادثة تفيد في التأكد من صحة عمل الباحث في النظام القرآني وهذه الحادثة هي:

"محمد بن العباس بسند متصل إلى سفيان بن عُيينة سأله حسين بن محمد قال: سألت سفيان بن عيينه عن قول الله عز وجل سأل سائل بعذاب واقع فيم نزلت؟ فقال: يا ابن أخي لقد سألتَ عن شيء ما سألني عنه احد قبلك ولقد سألت جعفر بن محمد في مثل هذا الذي قلت فقال اخبرني أبي عن جدي عن أبيه الحسين بن علي بن ابي طالب عن ابن عباس قال: لما كان يوم الغدير قام رسول الله خطيباً ثم دعا علي بن ابي طالب فاخذ بصبعيه ثم رفع بيديه حتى روُي بياض إبطيهما وقال للناس: ألم ابلغكم الرسالة، الم انصح لكم قالوا اللهم نعم، (وفي لفظ: الست اولى بكم من انفسكم) قالوا اللهم نعم فقال فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من ولاه وعادِ من عاداه قال ففشت هذهِ المقالة في الناس فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري فرحل راحلته ثم استوى عليها ورسول الله إذ ذاكَ بالابطح فاناخ راحلته ثم عقلها ثم اتى النبي (ص) فقال: يا عبد الله انك دعوتنا إلى ان نقول لا إله إلا الله ففعلنا، ثم دعوتنا إلى ان نقول انَّك رسول الله ففعلنا والقلب فيه ما فيه ثم قلت لنا صَلوا فصلينا ثم قلت لنا صوموا فصمنا ثم قلت لنا حُجّوا فحججنا ثم قلت لنا من كنت مولاه فعليٌ مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه فهذا منك أم عن الله؟

فقال النبي (ص) بل عن الله قالها ثلاثا فنهض وانه لمغضب وانه ليقول: اللهم ان كان ما يقوله محمدّ حقاً فامطر علينا حجارة من السماء تكون نقمة في أوّلنا وآية في آخرنا وان كان ما يقوله محمد كذباً فانزل به نقمتك.

وفي نص آخر ان النبي (ص) طلب اليه ان يتوب أو يرحل قائلاً "يا ابا عُمرو إمّا تبت وامّا رحلتُ فقال يا محمد قلبي ما يطاوعني أو (يتابعني) على التوبة ولكن ارحل عنك فدعا براحلته واستوى عليها فرماه الله بحجر على رأسه فسقط ميتاً ثم اتى الوحي إلى النبي (ص) بقوله تعالى "سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع" أقول لو كان سأل ان يهديه الله إلى الحق لهداه ولكنه سأل بالعذاب ولم يسأل بالهدى فاعطاه الله ما سأل واشترط ان يكون حجراً من السماء فكان كما اشترط. نقلناه من البرهان/ج4/382- جمعاً بين النصوص من 1-6.

 ووجه التأكد من ان هذه الواقعة مرتبطة بسورة المعارج ما يقرره النظام القرآني في ألفاظه كافة فقد رأينا ان الحكم لله وحده ونسبة تعيين من يلي الحكم إلى الخلق هو من مطالب الذين كفروا وبالتالي فالواقعة تؤكد حصول هذا التعيين، ولمن ولأي رجل؟ لعلي بن ابي طالب وهو وحده الذي أجمع الاعتباط بكافة مذاهبه على تزكيته فاجماعهم غير متحقق إلا فيه واي زعم للاجماع في غيره هو اكذوبة إذ لا يوجد اجماع على غيره وهو الاب الثاني مع النبي (ص) للمهدي (ع) قائد طور الاستخلاف واجماعهم ان علي (ع) أفضل من المهدي (ع) فإذا كان جنود المهدي جبرائيل وميكائيل والمأمومين في صلاته أصحاب الكهف وعيسى بن مريم (ع) فلك ان تقدر اذن فضل علي (ع) الذي هو أفضل من المهدي بالاجماع.

نعم ان الاعتباط يتخبط في التفاصيل الواضحة فكيف لا يتخبط في ما هو مركز عقدتهِ النفسية.

ان الاعتباط مولع بالتقسيم الفئوي والمذهبي والعرقي وأحسبه اذا قرأ كتابي هذا فأنه سينسب كاتبه إلى أحدى فئاته اللعينة أو إلى أكثر من واحدة منها وسوف يتجادل في هذه القضية متناسياً ان يحاكم الناس على دستور الدين (كتاب اللّه) ليعلم المصلح من المفسِد.

3.    ورد في سورة المدثر (يتساءلون عن المجرمين) كما رأيت ويرد هنا ذكرهم بالمفرد (المجرم):

"يبصرونهم يوّد المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه. وفصيلته التي تؤديه ومن في الأرضِ جميعاً ثم يُنجيه كلا انها كضى نزاعة للشوى" 11-16.

اختلف المفسرون في من هم الذين يبصرون من؟ فقيل الكفار يعرف بعضهم بعضاً. وقيل المؤمنون يعرفون الكفار وقيل الاتباع يعرفون الرؤساء.

أقول يبصرونهم جملة اعترضت جملتين وهي جملة تامة بفعل وفاعل هم المجموعة ومفعول هم مجموعة اخرى.

إذ المقصود ان كل امرئٍ منهم يُبصر حميمَة وحميمه يبصره ولكن لا يسأل حميمٌ حميماً.

وفي هذا الذهول بسبب المباغتة نلاحظ منظر المجرم فهو يودّ لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته.. واخيه وفصيلتّه التي تؤديه يسّلم كل اولئك للعذاب لاجل ان ينجو ويسّلم جميع من في الارض لينجو.

فقوله (ومن في الارض) يدّل على ان مسرح هذه العمليات هي الارض وبالتالي فالسياق بعيد عن القيامة ولا زال يصف حال المجرم في اوائل الطور المهدوي.

ذلك ان عذاب هذا الطور يقوم به خليفة الله في اعظم واطول وابقى استخلاف كوني ومعه عيسى (ع) والملائكة وقد مرّ عليك في سورة المدثر قوله تعالى.

"فقتل كيف قدّر ثم قتل كيف قدرّ"

يزعم الاعتباط هنا ان هذا التكرار للتوكيد. بينما هو مفصول باداة التراخي (ثم) ومعلوم انه مبني على التمني والطلب فهل تظن ان الله يتمنى ولا يحقق أمانيه؟

ان التمنيّ لا يجوز في حقه تعالى مثلما لا يجوز الأسف. ولذلك قال (فلما اسفونا انتقمنا منهم).

فنسب الاسف للجمع وتحدث باسمهم لان عباده المقربون قد اسفوا، ولذلك لم يقل (أسفت) فانه لا يجوز بحقه تعالى وكذلك لما قال (قُتل كيف قدرّ).

فانه بنى الفعل على قاتل تمناه وهو غير ظاهر في العبارة وهي أمنية عباده الصالحين وإلاّ فانه لا يتمنى قتل أحد وبيده ان يعذبه عذاباً تضج منه السماء ومن فيها.

أقول من هنا ترك الاعتباط تفسير عليّ بن ابي طالب لأنه لا ينسجم مع تطلعاته وأمعن في تفسيره الذاتي ولو ادىّ إلى تخريب اللغة وما فيها.

ذلك لأن هذا القتل متحقق في هذا الطور فعلاً على يد المهدي الذي يعيد قتل المجرمين أكثر من مرة حتى ذكر جعفر بن محمد (ع) ان بعضهم يقتل في اليوم والليلة الف مرة.

ومن هنا يَودّ المجرم ان يفتدي العذاب بجميع من في الأرض والواقع ان (النار) لفظ يختلف اذا جاء بمفرده عن (نار جهنم) وكذلك لفظ (العذاب) بمفرده فالعرب كانت تسمي القتل (حرّ السيف) فالنار والسيف ارتبطا بالحرارة سوية ومن هنا كان يقال في بعض موارد العذاب (عذاب السيف)، بل سميّ القائد الموعود نفسه بـ (صاحب السيف).

4.    وبعد أن ذكر ما يودّ المجرم قال رادعاً هذه الأماني:

"كلا انها لضى. نزاعة للشوى تدعو من أدبرَ وتولى وجمعَ فاوعى ان الإنسان خلق هلوعا إذا مَسّهُ الشر جزوعا وإنْ مَسّهُ الخيرُ منوعا. إلا المُصَلين الذين هم على صلاتهم دائمون واللذين في اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والذين يصدقوّن بيوم الديِّن والذين هم من عذاب ربهِّم مشفقون ان عذاب ربهم غير مأمون".

رأيت في سورة المدثر خصائص (المجرمين) حينما اعترفوا على انفسهم فجاء هنا بخصائص تقابلها للمؤمنين.

(فقال إلا المصّلين) وقد قالوا المجرمون (لم نك من المصلين) وقال (في اموالهم حق معلوم) وقد قال المجرمون في سورة المدثر (ولم نك نطعم المسكين).

وقال (والذين يصدقون بيوم الدِّين) وقد قال المجرمون هناك "وكنا نكذبّ بيوم الدين".

وكما يتدرج اعتراف المجرمين يتدرج صفات المؤمنين ويستمر السياق في ذكر صفات اخرى لهم متجاوزاً حدود التقابل حتى تبلغ عشرة صفات تنتهي بالصلاة كما ابتدأت بالصلاة وذلك في قوله تعالى "والذين هم على صلاتهم يحافظون" /34 فهل هنا تكرار كما يزعم البعض حينما لا يفرق بين هذه الصفة والصفة التي أبتدأ بها "والذين هم على صلاتهم دائمون"؟ ان الديمومة على الصلاة شيء والمحافظة عليها شيء آخر. ان ذلك مثل ان يكون المرء على علاقة دائمية بشخصٍ ما ولكنه لا يحافظ عليه عند الاقتضاء وعند الخطر.

فالمحافظة على الصلاة اكبر درجة من الديمومة عليها.

5.    كانت الفاظ السورة الاخرى مرتبطة بالفاظ سورة المدثر. فحينما قالوا هناك "وكنا نخوض مع الخائضين" قال في سورة المعارج متوعداً:

"فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون يوم يخرجون من الاحداث سراعاً كأنهم إلى نُصبٌ يوفضون. خاشعة ابصارهم نرهقهم ذِلة، ذلك اليوم الذي كانوا يُوعدون".

المورد السادس

 يوم الدين في سورة الشعراء

ورد يوم الدين في سورة الشعراء على لسان ابراهيم (ع) في دعاء التفت فيه من خطاب له مع قومه:

"قال أ فرأيتم ما كنتم تعبدون. أنتم وآباؤكم الأقدمون. فأنهم عدوٌ لي إلا رب العالمين. الذي خلقني فهو يهدين. والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين. والذي يميتني ثم يحين. والذي أطمع ان يغفر لي خطيئتي يوم الدين. ربّ هب لي حكماً والحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين. واجعلني من ورثة جنةِ النعيم وأغفر لأبي انه كان من الضالين. ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من اتى الله بقلب سليم" 75-89

ان الالفاظ المتقدمة على ذكر يوم الدين ذات صلة بما مرَّ من خصائص وشروط لهذا الطور فلاحظ الالفاظ:

رب العالمين-الخلق والهداية-الاطعام والسقاية-الموت والحياة-المغفرة يوم الدين.

واضح جداً ان المغفرة لا تتحقق إلا في زمن التكليف، فبعد التكليف لا يمكن التحدث عن المغفرة، ولذلك لم ترتبط المغفرة مطلقاً وفي كل القرآن بيوم القيامة في أي مورد وهنا يتهاوى الاعتباط وترادفه المزعوم بين يوم القيامة ويوم الدين.

ويؤكد هذه الحقيقة من جهة اخرى هذا الترتيب المقصود لفقرات الطلب فبعد ما طلب ابراهيم (ع) ان يكون من ورثة جنة النعيم طلب من الله قائلاً: ولا تخزني يوم يبعثون.

ومعلوم ان هذا الترتيب منافٍ للبلاغة بل للمتعارف من الكلام لو كان يوم يبعثون هو نفس يوم الدين، إذ كيف يخزيه بعد دخول الجنة ووراثتها؟ إذ الجنة عند الاعتباط واحدة في القيامة فقط. وعلى هذا خرج الاعتباط قوله تعالى:

"ولمن خاف مقام ربّه جنتان" قالوا اللفظ مثنى ويراد به الواحد وزعموا انه من انواع المجاز!

بينما يجد الحل القصدي جنتين بالفعل في النظام القرآني الأولى منهما هي جنة الطور المهدوي والتي منها فقط يتم الدخول إلى جنة عدن في الملكوت السماوي والتي هي الجنة الثانية. بل لكل من هاتين المرحلتين جنتان على النظام الدقيق للقرآن لقوله تعالى (ومن دونهما جنتان) ويأتيك التفصيل في الفوارق بينهما في موضعه باذن الله.

ومن هنا ندرك سبب قوله عليه السلام:

"واجعلني من ورثه جنة النعيم".

فهو طلب مرتبط بوراثة الارض المتعلق بالوعد الالهي ولا يحدث ذلك ما لم تغفر الخطايا ومن هنا قدم ذكر يوم الدين ومغفرة الخطيئة فيه على وراثة الجنة. فتلك الجنة أي جنة طور الاستخلاف هي جنة التمرة العملية للعمل والتقوى حيث يأخذ المؤمنون فرصتهم الكاملة للعمل الذي تغفر بسببه الخطايا والذنوب فثمة فرق سنلاحظه في النظام القرآني بين مغفرة الذنوب وتكفير السيئات.

لقد ارتبطت الوراثة بالاستخلاف في جميع الموارد اما مباشرة واما من خلال الاقتران البسيط من الدرجة الثانية فالوراثة امر مخصوص بالارض وبعيد عن مسرح القيامة فلاحظ الالفاظ المقترنة مع بعضها البعض في شبكة محكمة مما تحته خط:

أ.     (ان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)      الاعراف/128

ب.    (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا)  مريم/63

ج‍.    (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده واورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث تشاء)   الزمر/74

د.     (ولقد كتبنا في الزَبور من بعد الذكر ان الأرض يرثها عبادي الصالحون)        الانبياء/105

ه‍.     (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها)        الاعراف/137.

و.     (ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثينَ) القصص/5.

ز.     (ونوُدوا أنْ تلكمُ الجُنةُ أورثتموها بما كُنتم تَعلمون) الاعراف/43.

ح.    (إنّا لَنحنُ نُحيي ونميتُ ونَحنُ الوارثون) الحجر) /23.

ط.    (أوَلمْ يَهد للذين يرثون الأرض من بعدِ أهلها أنْ لَو تشاء لأصبناهم بذنوبهم) الاعراف/100.

الفرق بين مغفرة الذنوب وتكفير السيئات

يظهر هذا الفرق في النظام القرآني من خلال ملاحقة الالفاظ واوّل الاختلافات في الاستعمال نجده في عمل الفعلين في القرآن. فقد استعمل القرآن (له) أو (لكم) أو (لهم) ..الخ مع المغفرة واستعمل لفظ (عن) وعنكم وعنهم مع السيئة.

وهذا الفرق الكبير يحدد لنا فوراً ومن غير استعانة بالاستعمالات اللغوية يحدد لنا الاختلاف بين اللفظين.

لان المرء لو قال لك (افعل لك كذا) فانه يختلف عن قوله (افعل عنك كذا).

ففي الأول يقوم بالفعل وعليك ان تؤمن جميع مستلزماته كما لو قال (أنا ابني لك بناءً) فالمعنى الصحيح لهذه العبارة انه يقوم مقامك في عملية البناء فقط ويساعدك في ذلك وبالطبع تقع عليك كافة التكاليف باستثناء القائل فانه لا يطلب منك اجراً.

ولكن لو قال انا أبني عنك بناءً فانه يقصد القيام بذلك عنك بصورة شاملة بحيث انك لا تفعل أي شيء.

ومن هنا ارتبطت المغفرة بالذنب والخطيئة بينما ارتبط التكفير بالسيئة.

لماذا؟ لأننا رأينا في مفردة (ذنب) انه يعبّر عن التبعة الثابتة بحيث انها تعد لاحقة وجزءً من الشيء. فذنوب الإنسان لواحق به لا تنفك عنه. وحينما يغفرها له الله فان ذلك يتم عن طريق توفيقه لاعمال اخرى تزيل هذه التبعات واصابته بابتلاءات تقطع عنه هذه الذنوب، ولفظ (غفر) يؤدي هذا المعنى وينطوي على تلك الدلالة لأنهم قد قالوا في اللغة-غَفَر المتاع اذا ادخله في الوعاء-وقالت العرب (غَفَر الأمر أصلحه بما ينبغي ان يصلح به) انظر القاموس والمغفرة بالكسر الوعاء الجمع مغافير.

والجمُّ الغفير أي جميع القوم.

وبصفة عامة أصل هذا اللفظ هو احتواء الشيء أو الأمر احتواءً كاملاً بشيء آخر.

ولذلك فليسَ صحيحاً قول المعجم: غَفَر بمعنى سَتَرَ.

وعلى ذلك فغفران الذنوب احتواءها ومنع تعاظمها ثم إصلاحها بغيرها.

وهذا يستلزم ان يكون المغفور له ذنبه مبتلى بالاعمال الصالحة وقلةِ الراحة وربما كثرة المصائب.

ومن هنا نجد كثرة من الموارد القرآنية اعقب فيها صفة الرحيم بعد صفة الغفور.

فكأن السامع الذي يعي هذا المعنى تثقل عليه المغفرة لكثرة ذنوبه فيرى انها تستلزم كثرة مثلها من الأعمال الصالحة ومواضع الابتلاء فتأتي صفة الرحيم لتخفف عنه ذلك إذ الرحمة تستلزم العطف ومضاعفة اليسير من الاعمال الصالحة مقابل الكثرة من الذنوب. وكذلك الخطايا فانها من الخطأ وهي دون الذنوب في انها لا تستلزم تبعات خارجية تحتاج إلى احتواء بل تحتاج إلى احتواء داخل النفس بتوجيه وتسديد من الله لاصلاح النفس فاخذت لفظ المغفرة.

هذه بعض الموارد:

أ.     وليعفوا وليصفحوا إلا تحبّون ان يغفر الله لكم. النور/22.

لاحظ ارتباط المغفرة بالعمل والاخلاق.

ب.    انه من عمل سوءً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فانه غفور رحيم. الأنعام/54.

ج.    ومن يعمل سوءً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً. النساء/110.

د.     وان تصلحوا وتتقوا فان الله كان غفورا رحيما.  النساء/129.

أما الفعل (كفَّر السيئات) فقد قال المعجم سترها، فهو بذلك يجعل معنى غفر وكفرّ واحداً.

استعمل القرآن التكفير مع لفظ (عن) فهو يكفر السيئات عن الاشخاص وليس (لهم):

هـ.   (أن تجتنبوا كبائر ما تنهوَّن عنه نكفّر عنكم سيئاتكم وتدخلكم مدخلاً كريماً)      النساء/31.

لاحظ مجيء المدخل الكريم بعد تكفير السيئات.

وذلك لان التكفير ليس ستر المكفر وانما تغييبه بصورة تامة بحيث لا يمكن رؤيته او ملاحظته من قبل أحد ولا يمكن كشفه. سمى العرب البحر (الكافر) لأنه يغيبّ ما يقع فيه فلا يجده أحد.

وهذا يعني ان تكفير السيئات هو تغييب وجودها نهائياً ومن غير عمل محدد بخصوصها.

و.     (ليكفّر اللهُ عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسنِ الذي كانوا يعملون).  الزمر/35.

وقد تقول انه تعالى قال:

"ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها" الانعام/160.

وقوله "ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار" النمل/90.

فواحدٌ لا يُجزى بالسيئة إلا مثلها والآخر يكب في النار وهي سيئة واحدة بصيغة المفرد. بينما في آية الزمر يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا وهذا يعني تكفير الذنوب ايضاً ويجزيهم بأحسن الذي كانوا يعملون، ومرت علينا سابقاً حالة اخرى تبدّل فيها السيئات إلى حسنات فكيف هذا؟

أقول: ذكرنا شيئاً عن المجموعات فهذا يتبع نظام المجموعات ولو لاحظت المجموعات بصورة جيدة لوجدت آية الزمر تتحدث عن مجموعة خاصة هي المتقين وهؤلاء في الواقع ليست لديهم في أسوأ ما عملوا ذنوباً وانما هو ما دونها بكثير.

وبصفة عامة فهذا السؤال يثبت ان الحساب وما يتبعه مشروط بالاعتقاد اولاً وليس بالعمل، فالعمل تبع للاعتقاد وبالتالي فان السيئ الاعتقاد لو جاء بسيئة واحدة فأنه يكبّ على وجهه في النار. وليسَ هناك اسوأ من المكذب بيوم الدين فان أكثر أهل الاديان يؤمنون بالبعث ويكذبون بيوم الدين وبالتالي فلا تخلصّهم أية اعمال صالحة مع هذه السيئة. امّا الذي يجزى مثلها فهم مجموعة اخرى مجموعة صحيحة الاعتقاد سيئة العمل استغفرت للذنوب ولم تصل إلى مرحلة تكفير السيئات ومن هنا فانها تعاقب على كل سيئة بمثلها.

ان تفصيل المجموعات في النظام القرآني هو شيء مهول وواسع جداً ويستوعب جميع آيات القرآن. والواقع انه لا يكفي ذكر الآية لمعرفة الفوارق فان الاعتباط عالج الآيات والسياقات القرآنية باستقلالية منذ قرون فكان يتخبط مثل عمياء في عاصفة هوجاء. انما يمكن معرفة المجموعات من التدبر اللفظي للقرآن كله باعتباره نظاماً واحداً شاملاً ومترابطاً بعضه مع بعض.

ز.     "والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نُزّل على محمدٍ وهوَ الحق من ربِّهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهمً" محمد/2.

هذا هو المورد الوحيد الذي يتحدث عن مجموعة لا أفراد من الأمم ولا من الرسل ويذكر فيه أنه كفر عنهم سيأتيهم بصيغة الماضي.

ذلك أن التكفير ادق وأعلى رتبة من المغفرة وإذا كانت المغفرة تستمر في يوم الدين فما بالك بمن كفّر سيئاته وأصلح باله بصيغة الماضي وابان نزول القرآن؟

لا تحسب ان هذه مجموعة كبيرة جداً. من المحتمل جداً ان أفرادها دون عدد أصابع اليد الواحدة. وربما من المحتمل جداً صيغة الجمع لم تكتمل إلا معه شخصياً أي ان محمد (ص) أول من آمن بما نزّل عليه وانه أكثرهم ابتلاءً بما نزل عليه.

عليك ملاحظة أشياء هامة هنا. فهؤلاء ليسوا مجموعة الذين آمنوا وعملوا الصالحات. فالذين آمنوا وعملوا الصالحات قد أشار في عشرات المواضع ان الله يغفر لهم ويجزيهم جنات تجري من تحتها الأنهار إلى آخر خصائصهم.

أما هنا فان نخبة أخرى منهم آمنوا بشيء آخر إضافة إلى ايمانهم السابق وهوَ ما نُزّلَ على محمد وهو الحق من ربهم. وهوَ بالطبع مختلف عما انزل إلى محمد.

فان (على) تفيد الابتلاء بأمر خاص وان هذا الأمر موضع تكذيب وسخرية من قبل الأكثرية كما رأينا من قبل ان تهمة الكفار تتغير حسب الموضوع فعَن الوحي هو شاعر وعن الآيات هو ساحر وعن الاخبار بالحقائق هو كاهن وعن الغيب كذّاب وعن المستقبل مجنون. فأشد هذه الابتلاء آت ما هو مرتبط بتهمة الجنون وهو كما رأينا ليس سوى موضوع الاستخلاف في الأرض.

ولكن الاستخلاف ليس مجرد اعلان عن وقائع مستقبلية. انه تقييد الجماعات بما هو مرتبط بهذه الوقائع من خلال أوامر.

بمعنى ان الاستخلاف ليس محتوماً ان يقع عندما (لا يبقى من الدهر إلا يوم واحد) حسب تعبيره الشريف فانه انما يقول هذه الجمل والعبارات ليدق بها سهام الحتمية في عيون الحاقدين والمستكبرين لكن الواجب الشرعي والكوني كونه خاتم الانبياء يحتم عليه البدء فوراً بتحديد مستلزمات الاستخلاف وشروطه سواء عدّوه الخلق مجنوناً أو لم يفعلوا، إذ كيف يحاسب الله الخلق ويغربل الجماعات اوليس ابتلاءهم بالطاعة كما ابتلى الملائكة بآدم وأخرج العنصر الخبيث الذي فيهم؟ لأن الخلق لو أطاعوا لما تأخر هذا الطور لحظة واحدة.

هذا إذن هو المورد الوحيد الذي كفّر فيه عن سيئات هذه الجماعة خلال حياتهم وقبل مماتهم لأنهم آمنوا مجدداً بأمر (نزّل على محمد) بعد ان كانوا (آمنوا وعملوا الصالحات).

ومن هنا وبهذه الرؤية يمكنك قراءة سورة النبي (ص) سورة محمد بكاملها فانها في الحقيقة تتحدث عن الاستخلاف ومن آمن به ومن كفر به لكنه ليس الاستخلاف الذي يأتي في آخر الزمان انه الاستخلاف كقانون حتمي يجب أن يكون استمراراً لرسالته فهي تتحدث عن أول خليفة لهذا الطور لم يؤمن أكثر الناس بخلافته.

إنها السورة التي تتحدث عن الهدى والضلال، إنها السورة الوحيدة التي تبدأ بداية غير عادية إنها تبدأ بالذين كفروا وتستخدم معهم أيضاً الفعل الماضي في مورد فريد في القرآن يقابل الفعل الماضي للذين آمنوا وهو قوله تعالى:

"الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله أضلّ أعمالهم".

انتهى الأمر فقد أضلّ أعمالهم. إلا تلاحظ ان الآية تخلو من (إنّ) وتبدأ مباشرة باسم الموصول لأنه على جملة غايتها الاخبار عن جماعة كفروا في وقت قريب جداً؟ قد لا يعلم بهم حتى المتلقي!

لأني لو قلت لك:

"ان الذين هربوا أمسكنا بهم".

هذه العبارة توحي بان الذين هربوا هروبهم معلوم لك ولكن امساكهم هو الخبر الجديد.

لكني لو قلت: "الذين هربوا أمسكنا بهم" فان العبارة تفيد انك لا تدري بالهروب ولا تدري بالامساك.

وبعد ان تلقى النبي (ص) هذا الخبر دخلت (إنّ) على كافة المجموعات في السورة بعد ذلك. لاحظ هذه الآيات:

-     ان الذين ارتدوا على ادبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوّل لهم وأملى لهم /25

-     ان الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضرّوا الله شيئاً وسيحبط أعمالهم/32

-     ان الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم./34

ان الآية الأولى تشير إلى ارتداد قد حصل في حياة النبي (ص) فهنا أكشف لك عن واحدة من أكاذيب الاعتباط حينما يزعم ان الارتداد حصل بعد رحيله ولك ان تلاحظ ان هذا الارتداد امر صعب جداً بعد أن عاصروه أكثر من عقدين من الزمان وشاركوا في أكثر من ثمانين موقعة عسكرية. ولكن الأمر الجديد أصعب من كل ذلك على النفوس التي يبتليها الله بالطاعة وبخاصة ما هو متعلق بالخليفة والاستخلاف.

حتى الملائكة لم يحتملوا الخليفة!

"وإذا قال ربك للملائكة أني جاعل في الأرض خليفة. قالوا أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نُسَبّح بحمدك ونقدس لك؟". البقرة/30

لاحظ الاسلوب الذي تكلم به الملائكة مع الربّ! فلولا انهم ذكروا التسبيح والتقديس ولولا ان الله يعلم أن ما في قلوبهم غيرة من المطيع لا حسداً له لعذّبهم على هذا الكلام عذاباً لا يعلم به إلا هوَ.

ولك أن تلاحظ هذا التأكيد في آيتين على الكُفر إن والصد عن سبيل ومشاققة الرسول إنما حدث تحديداً (بعد ان تبين لهم الهدى)، فهي إذن مجموعة كانت تتلقى الهدى من النبي (ص) مباشرة وكانت قريبة منه جداً.

وهل تلاحظ مفردة: (وشاقّوا الرسول)؟

إلا تعلم أن الانشقاق تعبير لا يصدق إلا على انقسام داخلي لمجموعة واحدة في الأصل؟

فكيف يزعم الاعتباط وفي كل مورد يرد فيه (الذين كفروا) انهم مشركو قريش؟

ان الاعتباط يريد الايحاء أن الصراع كله مع أولئك الذين كانوا يعبدون الأصنام.

وهل يفرق الاعتباط بين عبيد الطاغوت وعبيد الهوى وعبيد الأوثان وعبيد الذات؟ كلا. مثلما لا يفرق بين الصنم والوثن وبين الشرك والكفر.

وسورة محمد (ص) هي نسيج وحدها نسيج مستقل بمفرده لا يشبهه أي جزء آخر في القرآن إلا ذلك الشبه العام كونه ماء واحد من عند واحد.

لأنها الوحيدة التي تنتهي عباراتها بالميم - ميم محمّد وميم الذي يواطئ إسمه اسم النبي (ص).

نعود إلى سورة الشعراء حيث ذكر يوم الدين على لسان ابراهيم (ع)، فنلاحظ ان السورة قد شحنت بالفاظ ذات صلة بهذا الطور.

أ.     ابتدأت السورة بقوله تعالى: (طسم. تلك آيات الكتاب المبين. لعلك باخع نفسك إلا يكونوا مؤمنين. ان تشأ ننزل عليهم آية فظلت اعناقهم لها خاضعين).

وقد ارتبطت هذه الآية التي هدد بها وتوعد بالوعد المهدوي من ناحية الالفاظ ومن ناحية المأثور. فمن ناحية الألفاظ وعدت نصوص في القرآن بمجيء (بعض آيات ربك) مثل:

"سأريكم آياتي فلا تستعجلون"    الانبياء/37

فلاحظ اقترانها بالاستعجال كما مرّ عليك.

ومثل قوله تعالى:

"يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً ايمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيراً قل انتظروا إنّا منتظرون" الانعام/158

فالنهاية في الآية تؤكد الانتظار-انتم ايها الشاكوّن انتظروا فانا منتظرون وهذا يعني حتمية مجئ الآيات.

رأينا ان النبي (ص) قد سمى العلامات الكونية (الآيات) فمن هنا ترتبط اكبر آية مفزعة منها بالتي تذكرها سورة الشعراء فتضلل اعناقهم لها خاضعين.

وأمّا من المأثور فاضافة لذلك وردت نصوص اخرى ان هذه الآية المشار اليها انما تحدث في اوائل الطور المهدوي وهي تحديداً (الصيحة) التي مرّ ذكرها في العلامات التي توقظ النائم وتقعد القائم وتخرج العواتك من خدورهن:

عن الصادق (ع) في قوله تعالى "ان نشأ تنزل عليهم من السماء آية فظلت اعناقهم لها خاضعين" قال: تخضع رقاب اعداء الله وهي الصيحة من السماء باسم صاحب الأمر. تفسير علي بن ابراهيم/429.

أقول ذكرت الصيحة في القرآن والسنة في احاديث كثيرة مرّ بعضها وهي تناغم في الفاظها الاستعمال القرآني.

ولكن بعض النصوص ذكرت ان آية الشعراء التي تخضع الاعناق ليست صوتية وانما آية مرئية.

وتحديداً فهي الآية التي تظهر في الشمس لا مع الشمس والتي فسرناها بالمذنب. وهذه الآية هي ظهور بدن بارز في الشمس وخروج صدر ووجه وعين في الشمس. وقد حدّد أحد النصوص هذه العلامة في نفس وقت الركود الذي مرّ عليك.

ان هذا التفسير أكثر ملائمة للنظام القرآني لان الصيحة قد ذكرت في القرآن كوعد مستقبلي في ثلاثة موارد. ومع ان الخضوع يرافق الصيحة إلا ان التعبير عن الآية المرئية المرافقة له هو المتعيّن من لفظ آية وقد ارتبط السماع بالصيحة المستقبلية قرآنياً في نص سورة قاف:

"يومَ يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج" 42/ق

يزعم الاعتباط انه خروج الموتى.

لكن تقدم السماع يحتم ان يكون السامعون أحياء قبل ذلك. ويظهر ان القرآن يستخدم الصيحة بثلاثة اتجاهات: الاولى صيحة الاهلاك:

"ان كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون" يس/29

والثانية صيحة الاّحياء والبعث من القبور:

"ان كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون. فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون" يس/53.

والثالثة صيحة التخويف والرُعب فهي لا تميت ولا تحيي ولكنها تجعل السامعين مذعنين خاضعين.

"ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يَخِصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى اهلهم يرجعون" يس/49.

فهذه الأنواع الثلاثة للصيحة ذكرت جميعاً في سورة ياسين في ثلاثة موارد. فتشابهت صيحتا الأمانة والأحياء في انهما ابتدأتا بنفس العبارة "إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم.."

بينما اختلفت صيحة الاذعان عنهما واخذت لفظاً ذي علاقة بالانظار والمهلة "ما ينظرون إلا صيحة واحدة...".

واشتركت الموارد الثلاثة بأمر آخر هو (وحدة) الصيحة فهي واحدة في تلك الموارد كما اشتركت في تنكير اللفظ وتعريفه بالنعت (صيحة واحدة).

فأين تضع مورد سورة قاف؟ واضح الآن انه من النوع الثالث إذ ورد فيه (يوم) وهو مرتبط بالزمان والمهلة والانظار إلى يوم الدين وجاء فيه لفظ (بالحق) وكررّ لفظ اليوم (ذلك يوم الخروج).

فيكون هذا الخروج هو ما يذكره اللفظ النبوي من (خروج رجل من أهل بيتي) أو (أهلي) أو (ذريتي) أو (مني) بحسب النصوص.

وقد جاء لفظ (خروج المهدي) في مئات النصوص الشارحة للعلامات والظهور.

فالآية لم تذكر خروج مَنْ وممنّ؟ انما هي صيحة يسمعونها فيكون يوم الخروج.

وهذا التعبير العام يفيد عموم الخروج وبالتالي فهو غير محدد بخروج الموتى. نعم انه خروج كل شيء في الطور المهدوي لان هذا الطور ارتبط بهذا اللفظ على أكثر من مستوى:

الأول: خروج البركات: وقد رأيته في النص النبوي في عبارة (وتخرج الأرض افلاذ اكبادها).

ورأيته كذلك في قوله (ص): (فلا تدخر الأرض شيئاً من نباتها إلا اخرجته).

الثاني: إخراج الكنوز: ورد في النصوص "ويستخرج كنوزها" أو (فيخرج التابوت) أو (فيضرب الأرض فيخرج منها السلاح) أو (يستخرج التوراة التي انزلت على موسى عليه السلام من جبل بانطاكية).. الخ.

الثالث: إخراج العلوم: ورد هذا اللفظ عينه في كثير من النصوص مثل "فإذا ظهر المهدي اخرج الخمسة وعشرين حرفاً فبثها بين الناس".

الرابع: إخراج الدلائل: ورد خلال قيامه بالاستدلال على خلافته عند اعتراض بعض المعترضين على قتله الناس إذ يقتل رجلاً لا يرى له الناس ذنباً قال (فيخرج لهم عهداً من رسول الله مختوم بخاتم النبوة).

الخامس: إخراج الاموات: وهو كما رأيت جزء لا يتجزأ من الاستخلاف وبرهانه الروابط اللفظية في القرآن وحقيقة الاختلاف بين النشور والبعث كما سيأتيك.

ومعلوم ان الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم فانه يُحي الموتى ويحاكم الطواغيث ويبعث معهم اتباعهم وخصومهم.

السادس: إخراج الضغائن: يستخرج المهدي من تلك النفوس حقيقتها ويبرزها من خلال الفعل الإلهي إذ يُبتلى المنافقون ببلاء لم يكن في حسبانهم ويوضعون على المحك فيخرج اضغانهم ويظهر كفرهم الذي ستروه.

السابع: خروج المارقه: ورد ذلك في نصوص مثل (وتخرج خارجه على صاحب الأمر بالكوفة). كما تخرج عليه خارجه في مكه. ويستمر خروج المارقين إلى حين السيطرة على المعمورة.

الثامن: خروج الثلاثة: الثلاثة الكبار هم السفياني والخراساني واليماني. فقد تحدثت النصوص عن خروجهم وأكد احد النصوص ان خروج الثلاثة في سنة واحدة بل في يوم واحد بل في ساعة واحدة وانه مرافق لخروج المهدي (ع) كما تحدثت عن خروج اقطاب آخرين:  خروج المغربي وخروج المصري وخروج المشرقي...وخروج الروم.

التاسع: اخراج مواريث وآثار الانبياء:

ورد ذلك في جملة من النصوص كاخراجه التوراة والانجيل وصحف آدم وصحف ادريس وصحف ابراهيم عليهم السلام ويجمع الكتب المنزلة في كتاب واحد فتكون الملل ملة واحدة ملة الاسلام والمسلمين كما يخرج معه سيف رسول الله (ص) ودرعه وآثاره وعصا موسى عليهم السلام.

وبصفة عامة فان قوله تعالى (ذلك يوم الخروج) من غير تحديد يستلزم ابقاء اللفظ عاملاً في عموم الخروج وهذا العموم لا يمكن ان يقع في القيامة إذ لاشيء من ذلك يخرج يوم القيامة إلا الاموات في القبور على فكرةٍ غامضة عند الاعتباط كل الغموض.

ان هذا يجعلنا نفكر بالرجوع إلى السياق في سورة قاف فهل نجد شيئاً قريباً من تلك الآية يؤكد هذه الدلالة بالذات؟

نعم قال تعالى:

"فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، ومن الليل فَسبّحه وادبار السجود. واستمع يوم ينادِ المنادي من مكان قريٍب. يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج".

اذن فالصيحة مرتبطة بالمنادي وهي صيحتهُ وقد رأيت المنادي في المأثور قبيل ذلك.

ثم لاحظ قوله تعالى (يسمعون الصيحة بالحق) فانك قد تتوهم ان الصيحة حق من هذه العبارة أي تفهم ان قوله (بالحق) هو وصف للصيحة.

بينما هي وصف للمصيح أي للذي يقال في الصيحة ولذلك ربطها بالسماع وهو المورد الوحيد الذي قال فيه (يسمعون) من بين الموارد الثلاثة عشر.

فالسؤال الذي يجيب عليه عبارة (بالحق) ليس هو كيف الصيحة؟ بل هو: باي شيء يصيح المنادي؟ الجواب بالحق. وذلك لان الارض تمتلأ ظلماً وجوراً لا تجد من يقول الحق ويسمع الخلق.

ومن هنا نجد أحد النصوص جاء بلفظ (الحق) في مقول المنادي وهو جبريل (ع) وهو نص لأهل البيت (ع) لا يوجد مثله عن طريق أهل السنة أو غيرهم:

عن الصادق (ع) قال:

"ينادي مناد من السماء اول النهار إلا ان الحق في علي وشيعته" البشارة/165.

أقول لا تتوهم ان شيعة علي هم الطائفة التي تسمى الشيعة فان الصادق (ع) يخصصّ الشيعة بسبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب على ما ذكره النبي (ص).

وأما موإليهم ومحبيهم فانه لفظ عام ومن جملة الشيعة بهذا المعنى الذين ركبوا في سفينة نوح (ع) وأصحاب الكهف وبصفة عامة يُراد بالشيعة عند أهل البيت أهل التوحيد على ملةِ إبراهيم وهم مجموعات فردية منتشرة في كل الامم وكل المذاهب.

ولكن ان تكون نسبة هؤلاء في (الطائفة) التي تسمى الشيعة أكثر من نسبتهم في غيرهم امرٌ محتمل لأنهم اقرب إليهم وأكثر اهتماماً من سواهم بأهل البيت (ع).

ولذلك نجد الصادق يؤكد على هذه الحقيقة في أكثر من اسلوب وطريق وكذلك فعل بقية الأئمة من خلفاء الطور المهدوي.

ففي أحد النصوص يذكر وقوع يوم يسميه (الإبدال) حيث تدخل افواج من جيش السفياني الشامي إلى جيش المهدي وتقاتل تحت رايته بينما تخرج افواج من شيعة العراق يكفرون بالوعد الحق فيدخلون تحت راية السفياني.

أحاديث اخرى في النداء:

-     "عن جعفر بن محمد (ع) قال الراوي: قلنا له السفياني من المحتوم؟

قال نعم وقتل النفس الزكية من المحتوم والقائم (ع) من المحتوم وخسف بالبيداء من المحتوم وكفّ تطلع من السماء من المحتوم والمنادي من المحتوم فقلت وأي شيء النداء فقال: منادٍ ينادي باسم القائم وأسم أبيه".

-     عنه ايضاً: "قال يناد مناد باسم القائم قلتُ خاص أم عام قال عام يسمع كلّ قوم بلسانهم".

-     عن الباقر (ع): ".. واختلف اهل المشرق والمغرب وأهل القبلة ويلقى الناس جهد شديد مما يمر بهم من الخوف فلا يزالون بتلك الحال حتى ينادي مناد من السماء فإذا نادى فالنفير النفير فو الله لكأني انظر اليه بين الركن والمقام يبايع الناس بأمر جديد وكتاب جديد  وسلطان جديد من السماء اما انه لا ترد له راية ابداً حتى يموت" البشارة/124.

-     عن عبد الله بن سنان قال: "سمعت ابا عبد الله يقول ينادي باسم صاحب هذا الأمر منادي من السماء إلا إنّ الامر لفلان بن فلان فعلام القتال".

-     في كتاب البرهان اخرج الطبراني عن طلحة عن النبي (ص) قال "ستكون فتنة لا يهدأ منها جانب إلا جأش منها جانب حتى ينادي من السماء ان اميركم فلان" المنتخب/451.

-     في كتاب الملاحم:

"اذا قتل النفس الزكية واخوه يقتل بمكة ينادي منادي من السماء اميركم فلان وذلك المهدي الذي يملأ الارض قسطاً وعدلاً" البرهان/ب4.

-     في كتاب الغيبة: "سمعت ابا عبد الله يقول لا يقوم القائم حتى ينادي مناد من السماء يسمع الفتاة في خدرها ويسمع أهل المشرق والمغرب". المنتخب/450.

-     في كتاب الملاحم عن النبي (ص) قال:

"... وفي المحرم ينادي مناد من السماء إلا ان صفوة الله من خلقه فلان فاسمعوا له واطيعوا".

أقول قد يتوهم البعض فيظن ان هذه الاخبار من الغيب أخبر الوحي بها النبي (ص) فذكرها لنا الواقع ان اخبارهم هي كشف مباشر من النص القرآني إذ ان قوله (يوم ينادي المنادي من مكان قريب) يستلزم ان يكون قريباً من كل المخاطبين بالقرآن قرباً جغرافياً وقرباً في الفهم ومن هنا استنبطوا ان المنادي لا بد ان يسمع جميع اهل الارض في آن واحد وكلاً بلسانه.

فكذلك الأمر في كل التفاصيل فانها مستخرجة من النص القرآني فانه (تبيان لكل شيء) يشترط إلا يدخل المرء نفسه في فهم النص فيقدم ويؤخر ويقدر ما يشاء إما ما أوحاه الله لرسوله فهي اسرار اخرى. لاحظنا للآن الآية التي ظلت لها اعناقهم خاضعين من سورة الشعراء فنرجع الآن للسورة الكريمة:

ب.    فبعد هذه الآية قال تعالى:

"وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين. فقد كذبّوا فسيأتيهم انباء ما كانوا به يستهزئون" 5-6.

الروابط اللفظية هنا هي جميع الفاظ الآيتين.

فالذكر المحدث هو قضية جديدة فيها نبأ عن مستقبل العالم، وهي مختلفة عن بقية قضايا التشريع أو ما يتعلق بالعالم الآخر انها قضية دنيوية (تحدث) في أرض الواقع (تذكرّ) بضرورة العمل.

ومن هنا ارتبط بها التكذيب لا الكفر مباشرة مثلما ارتبط بيوم الدين (يكذبون بيوم الدين) فقال معقباً (ما كانوا به يستهزءون). وسوف نلاحظ علاقة سورة النبأ بالطور المهدوي في موضعها.

ج.    استعرضت السورة مجموعة الامم المكذبين بوعد الرسل وكيفية إهلاكهم وهو عرض مختلف عما تذكره السور الأخرى لأنه مرتبط بالنبأ. ومن هنا نعلم لماذا جاء بهذه المفردة خلال العرض في حين انها اختفت في السور الاخرى. مثال ذلك:

"واتل عليهم نبأ ابراهيم" /69.

او لفظ التكذيب فقد تكرر هنا مع الاقوام:

"كذبت قوم نوح المرسلين" /105.

"كذبت عاد المرسلين" /105.

"فكذبوه فاهلكناهم" /139.

"كذبت ثمود المرسلين" /141.

"كذبت قوم لوط المرسلين" /160.

"كذب أصحاب الايكة المرسلين" /176.

ء.     ذكر في السورة لفظ (المجرمين) ولفظ (سلكناه) في قوله تعالى "كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الاليم". وكذلك ذكر فيها لفظي (الافاك) و (الاثيم) في قوله تعالى "هل انبئكم على من تنزل الشياطين. تنزل على كل افاك اثيم" وقد رأيت العلاقات العامة لهذه الالفاظ بطور الاستخلاف.

المورد السابع

يوم الدِّين في سورة المُطفّفين

هذه السورة العجيبة هي السورة الثالثة والثمانين في تسلسل المصحف وآياتها ست وثلاثون آية. ورغم قصرها وتوسط مقاطعها في الطويل إلا انها تشترك في النسج القرآني في خطوط كثيرة متشعبة تشكل جزءً من نظامه الكليّ.

وهي السورة الوحيدة التي تبدأ بالويل على غرار سورة الهمزة:

(ويلٌ للمطففين).

وهذا اللفظ أي (ويل) ورد في القرآن سبعة وعشرين مرة.

ويبدو انك اذا اردت تتبع هذا اللفظ فان عليك الاعتقاد بانّ مركزه في هذه السورة وان كان قد ذكر في سورة واحدة اخرى عشر مرات.

ويبدو هنا ان النظام القرآني معقّد إلى حدود غير متناهية فارجو منك الانتباه ودراسة هذا المخطط الذي سيساعدك في فهم التوافق العددي الداخلي فانه النموذج الأول الذي نذكره عن هذا النوع من التوافقات العددية.

اذا لاحظت المخطط فان لفظ (الويل) في المربع خرجت منه خطوط إلى موارده في القرآن.

وقد كتبت على كل خط منها جزء من العبارة التي تضمنت اللفظ والسورة التي ورد فيها ولمن كان الويل في كل مورد.

قلنا ان يوم الديّن هو طور الاستخلاف وهو مقترن بلفظي التصديق والتكذيب خلافاً لايام الله الاخرى.

وما دام هذا الطور هو طور خلفاء الله وما دام عددهم بحسب النبوي اثنا عشر خليفة فان هذا النظام العددي الساري المفعول في الكون ساري المفعول ايضاً في القرآن وقد رأينا امثلة كثيرة لهذا التوافق العددي.

فإذا اردنا احصاء اول لفظ في السورة أي (الويل) وهو مقترن بالتكذيب وجدناه يقترن بالمكذبين إثنتا عشرة مرة. عشرة منها في المرسلات ومورد في المطفّفين ومورد في سورة الطور.

واذن فعدد حقب الويل من الحقب الكلية للمكذبين وحدهم هو اثنتا عشرة حقبة.

الخطوط الخارجة انما تشير إلى المجموعات التي قال الله (ويل لها) في القرآن. لكننا قلنا ان المجموعات مهما اختلفت أسماءها فهي هنا اعداء للمهدوية ولما كان لكل خليفة عدوٌ-إذ أن لكل نبي عدوٌ ايضاً كما قال تعالى "وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين"، فان الصور المتصورة لانواع الاعداء يجب ان تكون بنفس العدد.

فإذا أحصيت المجموعات التي تشير اليها الخطوط كانت اثنتا عشرة مجموعة.

ومثل هذا النظام لا يمكن ان يستخرج بالطرائق العادية إذ لا عدد موارد الويل تطابق هذا النظام ولا عدد السور وانما النظام العددي مندمج بالمفاهيم والافكار فالتكذيب موزع على اثنتي عشر مورداً والمجموعات موزعة على اثنا عشر نوعاً ومعنى ذلك ان الكاشف للنظام القرآني من المناهج هو المنهج اللفظي وحده دون سواه، فالعدد وجدناه من اقتران الويل بالمكذبين فقط. لماذا قلنا ان مركز اللفظ في سورة المطففين بالرغم من وروده عشر مرات في سورة المرسلات مثلاً؟

أولاً: لان السورة ابتدأت به وثانياُ لأنه المورد الوحيد الذي يتطابق فيه أسم من كان لهم الويل مع اسم السورة وثالثاً لأنه المورد الوحيد الذي يعرف المكذبين تعريفاً شاملاً في كل القرآن.

ولما كان اقتران الويل بالمكذبين له اكبر عدد من الموارد 12/27 فان مركز اللفظ هو في السورة التي تعرفّ المكذبين لا السورة التي يذكرون فيها بالعدد الاكبر فارجو ان يكون واضحاً ما نرمي اليه من النظام العددي الداخلي المرتبط بالافكار.

وهكذا تتناوب السور في كشف بعضها لالفاظ بعض. وردت عبارة (ويل يومئذ للمكذبين) في سورة المرسلات عشر مرات لكنها لم تتضمن أي السورة تعريفهم لفظياً وان عرفّت ببعض أعمالهم. مثل: "وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويلٌ يومئذٍ للمكذبين" فلا تحسب ان هذا الركوع هو ركوع الصلاة.

لأنه ازال الالتباس في موارد اخرى فقال "ويل للمصلين) ومعلوم ان المصلي يركع إذ لا صلاة بلا ركوع.

كذلك أزالت الالتباس موارد البقرة الثلاثة إذ جاء الويل خصوصاً لأولئك الذين يتعاملون مع الكتب المنزلة ومعلوم انهم يركعون ركوع الصلاة كحركات يؤدونها ولكن قلوبهم غير خاضعة فيريدون مشاركته تعالى في شرح نصوصه ويدخلون آراءهم في أقواله.

وحينما جاء لفظ الويل في سورة المطففين جاء مقترناً بالمكذبين ايضاً ولكنه اشتمل على التعريف بهم.

فهم (المكذبين) بيوم الدين حصراً ومن هنا ترجع جميع أفعال المجموعات في هذه الشبكة التي أوضحها المخطط السابق إلى التكذيب بيوم الدين:

"كلاّ إنَّ كتابَ الفُجار لَفي سجين. وما أدراك ما سجين كتابٌ مرقوم. ويلٌ يومئذ للمكذبين. اللذين يكذبّون بيوم الدين. وما يُكذّبُ به إلا كل مُعتدٍ أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين" 7-13. تنطوي الآيات في هذا السياق على ألفاظ مرت عليك سابقاً وكانت قد استعملت للإشارة إلى مجموعة المكذبين بيوم الدين مثل: معتد وأثيم وآياتنا. 

.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست
اخرى فقال "ويل للمصلين) ومعلوم ان المصلي يركع إذ لا صلاة بلا ركوع.

كذلك أزالت الالتباس موارد البقرة الثلاثة إذ جاء الويل خصوصاً لأولئك الذين يتعاملون مع الكتب المنزلة ومعلوم انهم يركعون ركوع الصلاة كحركات يؤدونها ولكن قلوبهم غير خاضعة فيريدون مشاركته تعالى في شرح نصوصه ويدخلون آراءهم في أقواله.

وحينما جاء لفظ الويل في سورة المطففين جاء مقترناً بالمكذبين ايضاً ولكنه اشتمل على التعريف بهم.

فهم (المكذبين) بيوم الدين حصراً ومن هنا ترجع جميع أفعال المجموعات في هذه الشبكة التي أوضحها المخطط السابق إلى التكذيب بيوم الدين:

"كلاّ إنَّ كتابَ الفُجار لَفي سجين. وما أدراك ما سجين كتابٌ مرقوم. ويلٌ يومئذ للمكذبين. اللذين يكذبّون بيوم الدين. وما يُكذّبُ به إلا كل مُعتدٍ أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين" 7-13. تنطوي الآيات في هذا السياق على ألفاظ مرت عليك سابقاً وكانت قد استعملت للإشارة إلى مجموعة المكذبين بيوم الدين مثل: معتد وأثيم وآياتنا. 

.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست