.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست

الفصل السابع - الجزء الأول

موقع الطور المهدوي من أيام الله في القرآن

  

1.   إعادة ترتيب أيام الله

يعتقد الأكثرية من أهل (الأديان الثلاثة) أن هناك يوماً واحداً منتظراً في التاريخ المستقبلي للعالم هُوَ (يومُ القيامة) وان ساحة الحساب والحشر هي ساحة أخروية بالمعنى الجغرافي (مع أن لفظ آخرة زمني المفهوم بصورة ثابتة)، بمعنى أن هذا اليوم يقع في أعقاب زوال النظام الكوني عامة والأرض خاصة فتكون ساحة الحشر في موضع ما من السماء.

ويظهر هنا تناقض أولي على أشدّه إذا تذكرنا انهم يقولون في تفسير قوله تعالى: "يوم نطوي السماء كطيّ السجّل للكتب لما بدأنا أولّ خلقٍ نُعيدُه"- يقولون أن هذهِ الواقعة في يوم القيامة، حيث التناقض ظاهر من جهة انعدام وجود موضع مكاني للحساب والجنَةّ والنار...الخ.

ومثل هذا التناقض في الترتيب الخاص بالحوادث تجدُه واضحاً في جميع شروح الآيات المتعلقة بها. ومرجَعه الأول هُوَ انهمّ تصوروا وجُودَ يوم واحد فقط في التاريخ المستقبلي للعالم بينما النص القرآني صريحٌ في ذكر اكثر من يوم.

الأول: قوله تعالى:

"أخرجْ قومكَ من الظُلمات إلى النورِ وذكرهّم بأيام اللّه.."   4/إبراهيم

الثاني: قوله تعالى:

"قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله"    14/الجاثية

فإذا قال قائل أن أيام الله مِنها أيام ماضية عَليه أنْ يذكرّهم بها ويبقى يوم القيامة هُوَ اليومُ الوحيد المستقبلي الزمان، عارضة الآية الثانية لأنه قال (يرجون) ولا يمكن رجاء الماضي بل يمكن فقط رجاء ما في المستقبل.

وهذا بالطبع عدا الارتباطات اللفظية الأخرى وابتداء الآيتين بصيغة الأمر (أَخرِجْ-قلْ)- ووجود النور والظلمات المرتبط بالتغيّر الكوني المنشود والذي تتوضح لك معالمه بالتدريج.

والنص القرآني صريحٌ من جهة أخرى هيَ انه ذكر هذهِ الأيام المستقبلية بأسمائها مثل: يوم الحساب، يوم الدين، يوم القيامة، يوم الفصل، يوم الخروج يوم التغابن، يوم البعث...

كذلك ذكر الأيام وهي مرتبطة بصفات الأقوام أو خصائص ذاتية فيها أو أفعال معينة أو وقائع مثل:

يوم تأتي السماء بدخان مبين          10/الدخان

يوم يكون الناس كالفراش المبثوث 4/القارعة

يوم يستمعون الصيحة بالحق          42/ق.

وإذن فعندما نلاحظ الأسماء المذكورة للأيام-يوم الدين-يوم الحساب-ونأخذ بعين الاعتبار أن بعضها ربّما يكون يوماً واحداً بخصائص مختلفة ابرز القرآن كلاً منها بحسب الموضع والموضوع ويرجع بالتالي بعضُها إلى بعض وتنحصر بأيام معدودة حينما نفعل ذلك ونرغب بمعرفةِ أيام الله المذكورة إجمالاً في الآيتين-إبراهيم والجاثية فانه يتوجب أن يكون المرجع في تحديدها هُوَ (النظام القرآني). بمعنى أننا لا يمكن أن نقول أن (يوم يسمعون الصيحة بالحق) هُوَ يوم القيامة إذ قد يكون يوماً آخر من الأيام إجمالا.

نستطيع فقط من النظرة الأولى إلى النظام أن نقول أن يوم الصيحة هُوَ يوم الخروج، لماذا؟ لانّ لدينا اقتران بسيط في الطبقة السطحية الأولى يُحدد أن هذا اليوم هُوَ يوم الخروج:

"يوم يَسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخُروج"    42/ق.

ولا يمكن الاعتماد على الترادف الاعتباطي الصُور المحدّد سلفاً في أذهاننا عن الأيام فنزعم أن يوم الصيحة هُوَ يوم البعث مثلاً، أو يوم القيامة من خلال اعتقادنا أن كل هذهِ الأيام هي يوم واحد. أن مثل هذا التصوّر هُوَ الذي يُسبب الإرباك وضياع الحقيقة .. وبِسببهِ اصبَحَ القرآن كتاباً عادياً للغاية ما دام يسمّي الأشياء بأسماء مختلفة من غير ضابط واضح ومحدّد- وقد أشرت مراراً إلى أن غايات الاعتباط هيَ التوصل إلى مثل هذهِ النتائج المتناقضة.

مثال: ما هي العلاقة بين اليومَين: "ويَوم نحشر من كل أُمةٍ فوجاً"، 83/النمل

و"يَومَ يُحشر أعداء اللّه إلى النار" ؟ 19/فصلت

بإمكاننا هنا أن نحدّد من خلال النظام أن هذا يوم واحد، انه نفس اليوم في الآيتين من خلال مركب آخر اشترك بين الآيتين، هُوَ: "فَهمُ يُوزعون".

وذلك عدا أن (النار) مقترنة اقترانات مختلفة بخصائص يوم الحشر الجزئي على شكل (أفواج)، بينما (جهنم) مقترنة بالحشر الجماعي العام، وهي اقترانات متعددة تقوم بتأكيد النتائج دوماً أو تصحيح الأخطاء. وبالطبع فانّ ما نقصده بالنظام القرآني هُوَ من هذا القَبيل وهُوَ ينطوي على نُظم أخرى أدق وأكثر تفصيلاً لا يمكن التعبير عنها بأية لغة، بيد أن التطبيقات والإشارات التي مرت والتي تأتي في هذا الكتاب وغيره تحاول إيضاح المقصود بالنظام القرآني- لذلك قلنا أننا نقوم بتأسيس المفاهيم الجديدة أو بحث المواضيع المختلفة وإيضاح النظام القرآني في آن واحد.

ومن المعلوم أن لفظ (يوم) وَرد في النظام بموارد كثيرة جداً (473) مرةً، ومعنى ذلك انه يشكل شبكة معقدة داخل النسيج القرآني لا يمكن الإحاطة بها في الاقتران البسيط فضلاً عن المشترك وما هُوَ في الطبقة الثانية- أي المرتبط بالتراكيب بصورة غير مباشرة من خلال ألفاظ ومركبات أخرى.

لذلك فسوف نذكر فكرة عامة من المسمّيات الأساسية للأيام من اجل تحديد بسيط أوليّ لموقع (الطور المهدوي) منها باعتباره أحد الأيام المُنتظرة.

وبناءً على المنهج الذي اخترناه لسبر أغوار النظام القرآني- المنهج اللفظي الذي يرفضُ الإقرار باعتباطية الإشارة اللغوية وما يتبعها من تكرار وترادف ومجاز وكناية واستعارة ويؤسس قصدية اللغة ويرفض كذلك الإقرار بوجود لفظ زائدٍ أو مُقحم في النص القرآني- بناءً على ذلك نستنتج فوراً ومن غير إطلاع سابق سوى المسلمات المعلومة أن المفسرين قد خلطوا الحابل بالنابل وقلبوا الأمور رأساً على عقب وحجمّوا دور الرسالة وهدموا قواعدها وأخفوا الغاية الكبرى من الخلق حينما أصرّوا على تفسير العَديد من الألفاظ القرآنية بمعنى واحد أو إعطاء اللفظ الواحد معان عديدة كلما تغيرّ موقعه من التراكيب والعبارات فكان نتيجة ذلك اعتباطية شاملة في الفكر واللغة. وأود هنا أن تذكر معي أخي القارئ الكريم ما مرَّ في فصل التناقض من كتاب النظام القرآني فقد رأيت أن الأيام المذكورة للخلق في القرآن- الأيام الستة للخلق كانت متناقضة ظاهرياً مع آيات سورة فصلت التي يحصل عند جمعها ثمانية أولي بدلاً من ستة وان عشرات العلماء قد فشلوا في إزالة هذا التناقض الظاهري بسبب اعتقادهم أن الأيام الستة كلها ماضية في الزمان.

لقد تم حَلّ المعضلة وإزالة التناقض بالمنهج اللفظي الذي أبقى لكل لفظ دلالته الخاصة به وكانت النتيجة أن تلك الأيام هي أيام خلقٍ مستمر وهي اجل السموات والأرض وان بعضها قد مرَّ وان البعض الآخر لازال منتظراً وأننا نعيش الآن على حافة اليوم الثالث منتظرين ثلاثة أيام أخرى من عمر الكون.

وبالطبع فأن مثل هذا التصور لا يحل الإشكال الآنف وَحدة وإنما يرتبط ارتباطاً وثيقاً ومحكماً بجميع ألفاظ القرآن وعباراته وسوف أذكر لكَ الآن جملةً منها بصورة سريعة لتعلم أن ما ذكرناه حَق وان هذا المنهج هو المنهج الوحيد الذي يحق له البحث في القرآن وان ما سواه باطل واعتباط مَحض لا يمت إلى البحث العلمي بصلة فضلاً عن البحث المعرفي الدقيق؛

1.  يفسر لنا هذا الفَهم عن أيام الله العبارات القرآنية مثل "سارعوا إلى مغفرة من ربكم" أو "سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنةٍ" - وذلك لأن أي تأخير عن الوصول إلى اليوم الأول - اليوم المهدوي - فهو خسارة من عُمر الكائن الإنساني - فأن تحقق الوعد مرتبط باختيار الإنسان كنوع ولما كان عُمر الكون محدداً (بأجل مسمى) فان أي تأخير هوَ نقص من عُمرهِ في الجنة الموعودة أو زيادة في عُمرهِ الذي لا قيمة له.

2.  يفسر لنا هذا التصور أيضا عشرة اختلافات هامة بين نوعين من الجنات ونوعين أساسيين من أنواع العذاب تأتيك مفصلةً في موضعها.

3.  يفسر لنا هذا التقسيم أيضاً عدد المرات التي يثاب أو يعذب بها الأشخاص مثل "ستعذبهم مرتين" أو "يؤتكم كفلين من رحمته" أو "لهم أجرهم مرتين بما صبروا".

ذلك لأنه لم يقل ضعفين كما في قوله تعالى "يضاعف لها العذاب ضعفين". فهذا مختلف جداً عن المرتين. المرتان تفسران الضعفين لأنها إذا ضوعف لها العذاب في المرة الأولى وضوعف في المرة الثانية فقد نالت بالفعل (ضعفين) ينطوي ذاتياً على عدد المرات والناتج أنها تعذب مرتين فكل آية تفسر الأخرى رغم التباعد الموقعي بينهما.

أن المرات هي أطوار منتظرة وبغير هذا التصوّر لا يمكن تفسير العشرات من الآيات المرتبطة لفظياً. بهذه المواضع.

4.  يفسر لنا هذا الفهم كذلك الكثير من الاختلافات الوصفية والروابط اللفظية للأيام مثال ذلك: اقتران الخلود الأبدي مع جنة معينة دون سواها، ولبس الفضة في جنة معينة بصورة مكررة ولبس الذهب في أخرى، الاختلافات بين (النشور) و (البعث) .. إلى قضايا أخرى كثيرة.

5.  يفسر لنا هذا الفهم من ناحية أخرى أدوار الحياة والموت. فثمة إشكالات حقيقية في هذا الموضوع. لقد قال الكفار مثلاً: "رَبنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل؟".

ويستحيل فهم هاتين الموتتين والإحياءين إلا عند إعادة ترتيب أيام الله المنتظرة. كذلك قوله تعالى ".. لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى" - عن المؤمنين. إذن فثمة فرق عددي في الموتات بين المؤمنين والكفّار وهوَ مرتبط بالأدوار المارّة آنفاً وبالفوارق بين البعث والنشور فيظهر موضع الطور المهدوي من تلك الأطوار، من الناحية الزمنية.

قبل البدء بتلك التفاصيل سوف نوضح ترتيب الأيام الستة للخلق والذي يؤكد لنا حقيقة الأيام المنتظرة بيد أن هذا الشرح هوَ تكملة لما ذكرناه في كتاب النظام القرآني فمن الضروري الإطلاع على أولياته هناك.

أ.     ترتيب الأيام الستة للخَلق

قلنا أن الأيام الستة هي الأجل الكلي للسموات والأرض وليست فترة قضاها الله في خلق الكون.

لنلاحظ الآيات الواردة في سورة (فصلت) موضوع البحث:

"قل إنكم لتكفرون بالذي خَلقَ الأرض في يومين وتجعلونَ له أنداداً ذلك رَبُّ العالمين. وجعلَ فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام سواءً للسائلين. ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها والأرض أتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين. فقضاهنّ سبع سمواتٍ وأوحى في كل سماءٍ أمرها..".

قال تعالى خلق الأرض (في) يومين ولم يقل ليومين وَهوَ التعبير الذي يفيد ما نريد قوله من أن هذا زمان التكوّن لازمان فعل الخلق فهو مدة الاكتمال التطوري لخلق الأرض. وسبب استعمال (في) بدلاً من لام الغاية هوَ سبب شريف يتعلق بالمتكلم. لأنه لو قال (ليومين) يستلزم ذلك اكتمال الخلق بصورة محتومة فأرجو الانتباه إلى أني سأوضح هذا الأمر: أن المتكلم هو الله فلا يقيّد نفسه بقيد والظرف (في) يفيد احتواء اليومين على عملية الخلق وهذا هوَ المراد - إبراز مقدار المدة اللازمة للخلق في تعلقها بالمخلوق لا بالخالق. فهو إذن غير مرتبط بالغاية والهدف مثلما يقيده اللام. مثال ذلك:

قول القائل: جعلت أو قدّرت لك نفقة في شهرين. المقصود أنها تكفيه شهرين. و# لو قال (لشهرين) لكان المعنى أنها تكفيه شهرين وان غايته وهدفه هوَ أن تكون كذلك. يمكن للإنسان أن يتمنى ما شاء. أما الله فانه يَعِد ويفي بوعده ولكنه لا يلزم نفسه بشيء في اصل الخلق. نعم قد يلزم أو يوجب على نفسه فيما هو متعلق بالخلق بعد تكوينه كالرحمة وسواها، لأنه قال:

(إن يشأ يذهبكم ويأتي بخلق جديد) - وأوضحنا في كتاب اصل الخلق انه إذا فعلَ فيتوجب تغيير النظام الطبيعي، بينما تغيير القوم في قوله تعالى "يستبدل قوماً غيركم"، لا يوجب تغيير النظام الطبيعي.

وعليه فهو يقول (في يومين): هذا الخلق هو (في) حيز زماني مقداره يَومان فهو وصف مستقل عن ذاته .. لأنه (كل يوم هو في شأن) فلا يقيد نفسه بشيء مطلقاً.

وقال بعد ذلك بآيات: (ثم استوى إلى السماء). ان (ثم) هنا تعطف الفعل الجديد على الفعل السابق. انه معطوف على الخَلْقِِ في يومين. وعليه فالاستواء حدث قبل اليومين. أنه يعطف افعالاً ولا يعطف أزماناً كما لو قال القائل السابق: قدّرت لك نفقة في عامين وأعطيتكَ سيارة تسافر بها.

السامع يفهم انه هيأ له النفقة والسيارة في آن واحد، ولا يفهم مطلقاً انه أعطاه السيارة بعد عامين - لان هذا عبث إذ انه يحتفظ بالنفقة ولا يسافر منتظراً السيارة وبالتالي لا يعلم كم النفقة تكفيه من الزمان.

ونلاحظ شيئاً آخر: قال (ثم استوى إلى السماء). إذن السماء موجودة حال الاستواء وعليه فالأمر مختلف عن الأرض فالأرض بدأ بشرح خلقها بعد ان لم تكن أما السماء فانه عطف على استواءها بعد أن كانت. أنها الآن دخان (ثم استوى إلى السماء وهي دخان). فقال لها وللأرض أتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين. بعد ذلك يأتي فعل جديد مبدوء بحرف الفاء الذي يفيد حسن التوزيع السريع: (فقضاهن سبع سموات في يومين) - قضاهنّ في مدة وأجل للاكتمال مقداره يومين أيضاً (فقضاهنّ سبع سموات في يومين).

إذن فالأفعال معطوفة على بعضها بغض النظر عن طول الأزمان وهذا ما يوضحه الرسم الأول.

إذا كنا في عصر نزول القرآن فإننا متأكدون من مرور يومين وذلك من خلال آيات أخرى تذكر وجود سبع سموات مكتملة. لكننا لا نعلم في أي يوم نحن للآن إلا ببحث آخر في الألفاظ.

نرجع الآن إلى الآية التي تجاوزناها والتي تضمنت ثلاثة أفعال متعاطفة بعد بدء خلق الأرض وقبل الاستواء إلى السماء فنطبق نفس فهمنا الأول عن تعاطف الأفعال: "وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام". هذه إذن عمليات وقعت بعد خلق الأرض مباشرة بيد أن مدة الأقوات تستغرق أربعة أيام فتظهر بأقصى صورة لها في اليوم الرابع.

إن ابتداء الخلق كان واحداً والسموات والأرض خلقت سوية والفوارق الزمنية هي فوارق اكتمال كل مرحلة فهي منفصلة عن أصل الأفعال مثال ذلك أن تقول مضيفاً على المثل السابق:

قدرت لك نفقة في عامين وهيأت لك جواز سفر في أربعة أعوام. فالأفعال وقعت سويةً لا علاقة لها بمدة نفاد النفقة أو نفاد جواز السفر.

الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش

هذا يعني أن الأفعال المتعاطفة مزدحمة كلها في (جزء) منذ بداية اليوم الأول للخلق وإذن فنحتاج إلى تكبير صورة اليوم الأول لتوضيح الأمر وهو ما يظهر في الرسم أعلاه. ألفاظ مثل آية سورة الأعراف التي تتحدث عن أمد الخلق الكلي (ستة أيام) يمكن وضعها في الرسم (في الأعلى) - فحينما قال تعالى في ستة أيام فأن الستة تنطوي على التفاصيل المذكورة في سورة (فصلت).

وتترابط الآيات جميعاً باستعمالها لفظ (في): في ستة أيام. في يومين للأرض. في يومين للسماء. في أربعة أيام للأقوات. فهي أيام لما يستغرقه تطور هذا الخلق وليس هو زمن القرار المتخذ للخلق أو الاستواء أو التقدير.. فأنت تقرر بناء دار في عامين، وهذا الزمن هو زمن بناء الدار لا زمن اتخاذ القرار الخاص بالبناء وعليه فحينما تقرر مجموعة قرارات لكل واحدة زمانها الخاص لا يجوز القول انك لم تقرر الثاني إلا بعد انتهاء الأول! فهذا التصور خاطئ إذا فهمنا به كلام المخلوق فضلاً عن كلام الخالق.

تشير رؤوس السهام السائرة في الخطوط المقطعة في الرسم إلى زمن أو أجل كل فعل من الأفعال.

فأن قلت أن السموات والأرض موجودة الآن فكيف نقول أن الأيام الستة هي عمر الكون فأننا نراها خلقت وانتهى خلقها. نقول انك لا ترى شيئاً في الواقع، فالبشر لا زالوا يخلقون تباعاً والنجوم لا زالت تموت وتولد تباعاً والمجرات لا زالت تظهر وتموت فالكون في طور من أطوار الخلق. قال تعالى: (ويخلق ما لا تعلمون). وقال "والسماء بنيناها بأيد وإنّا لَموُسعون".

والقرآن صريح في الإشارة إلى استمرار الخلق والتكوين.

أن اللفظ الوحيد المختلف في آيات فصلت هوَ (ثم) استوى إلى السماء. لكن لفظ (ثم) إذا كان يفيد التراخي والتمهل، فهو تمهل معطوف على أفعال الخلق في تلك الفترة. كما لو قلت لك: زارني صديقي فأعطيته كتاباً ليقرأه في أسبوع ثم صنعت له طعاماً وودعته. فالسامع يفهم إني قدمت الطعام خلال الزيارة لا بعد أسبوع فالعطف على (أعطى) لا على الأسبوع والتمهل هوَ في فترة الزيارة القصيرة بالنسبة للأسبوع. فكذلك المستطيل الصغير في الرسم يمثل فترة تلك الأفعال وهوَ جزء قليل من اليوم الأول.

ولما كان (الاستواء) مختلفاً عن (الخلق) فالسماء إذن موجودة في صورة دخان في لحظة الاستواء وهذا يدل على أن خَلقها بدأ في وقت اسبق.

أن وحدة اللفظ (سماء) في الآية هوَ قبل نشوء (سبعة منها). فلغرض معرفة تفاصيل هذا الجزء الهام من اليوم الأول يتوجب القيام بتكبير آخر لهذا الجزء اعتماداً على موارد قرآنية أخرى تخص هذا الجزء وحده.

إذن يجب البحث عن عمليات حدثت (للسماء) كلفظ مفرد قبل تكون السبعة. ونجد ذلك في مورد آيات سورة المنازعات وهوَ المورد الذي حسبوه يناقض آيات فصلت! بينما هو يشرح تفاصيل هذا الجزء (المستطيل الصغير) في الرسم.

سنقوم الآن بتكبير هذا الجزء في الرسم الثاني وملاحظة الآيات:

في سورة المنازعات:

"أأنتم أشد خلقاً أمْ السماء بناها. رفعَ سَمكهْا فَسَوّاها. واغطس ليلها واخرجَ ضحاها. والأرض بعد ذلك دحاها. أخرجَ منها ماءها ومرعاها. والجبالَ أرساها. متاعاً لكم...".

حينما قال بناها شرح البناء بأربع عمليات متوالية هي: رفع السمك، والتسوية وأغطاش الليل وإخراج الضحى.

وحينما قال عن الأرض دحاها شرح الدَحو بثلاثة عمليات: إخراج الماء وإخراج المرعى (بفعل واحد) وإرساء الجبال.

لكنه قال (بعد ذلك). إذن فالعمليات الأربعة الأولى تسبق في التسلسل الزمني الثلاثة الخاصة بالأرض.

إذن فالترتيب يبقى كما هو وفق قواعد المنهج اللفظي فالأفعال مرتبة كما وردت في الآية ومجموعها سبع عمليات كالآتي:

رفع سمك السماء، تسوية السماء، أغطاش الليل، إخراج الضحى، إخراج الماء، إخراج المرعى، ارساء الجبال.

فلنلاحظ ترتيب هذه التفاصيل من الناحية العلمية بإلقاء نظرة على كل ناحية منها:

1.  رفعَ سمكها: أنت تعلم الآن أن هذه العملية قبل مرحلة الدخان بالترتيب المنطقي المار عليك قبل قليل: (بناء السماء قبل قضاء سبعة منها).

ومرحلة الدخان هي جزء من الفترة الصغيرة جداً من اليوم الأول. فما هي طبيعة السماء قبل مرحلة الدخان؟ وقبل ذلك ما هو الدخان؟ لا نقول ان (الدخان) غازات ليطابق العلم الحديث قسراً. لكن على أصل اللغة الدخان أي مادة متجانسة بصورة تامّة. كلما خفت المادة تجانست وليس في أجزاء الدخان أية اختلافات يمكن رصدها.

وإذن فقبل هذه المرحلة (قبل الدخان) المادة غير متجانسة. انها هلامية وقد لا يمكننا التعبير عنها بألفاظ معينة فهي ليست فاقدة للشكل واللون فقط بل فاقدة لخصائص المادة بأدنى مستوياتها. هذه المادة (اللامادة) هي التي رَفَعَ سَمكهْا.

رَفَعَ: فعل يفيد الرفعة والعلو ومشتق منها. بيد أن هذا استعمال على الحركة وليسَ هوَ الحركة نفسها. لأن الحركة نفسها فيها استخلاص ومع ذلك فهو يؤدي الغرض على نحو ما. أمّا سَمَكَ: فقال الزمخشري: سَمَكَ سموكاً: رَفَعَ. وذكر الآية! وقال الفيروز آبادي في القاموس المحيط: سَمَكَ: رَفَعَ وذكر قوله تعالى (رَفَعَ سمكها) والناتج ان الله يقول: رفع رَفعْها أو رَفَعَ ارتفاعها!!

فانظر مرة أخرى إلى ما يفعله الاعتباط. إذ لو كان السمك هو نفس الرفع لقال (رفعها) بدل رفعَ سمكهْا بل الأمر عكس ما قالوا وهو ان السَمْكْ يحتاج إلى رفع.

ليس لدينا أي مصدر آخر لنعلم ما معنى (سَمك) لذلك فسوف نستخرجه من معاني الحروف:

السين: انسلال الحركة خفية لتظهر فيما بعد

الميم: تكامل الحركة بإتمام ما ينقصها

الكاف: تكتّل المتماثلات من الحركة.

(المعاني عن كتاب اللغة الموحدة).

ان مجموع هذا التعاقب يعطي معنى عاماً هو تكاثف الأجزاء وتكتلها بصورة غير منظورة لتكون ملاحظة فيما بعد. حينما يتم رفع هذه العملية فهذا يعني احاطتها بعناية كاملة من أجل أن تأخذ كامل مدياتها. الناتج هو تكون مادة متكاثفة ومتشابهة (متجانسة)... وظاهره على نحو ما. إذن فهذه حلقة بين العدم والوجود. لقد أكدت لنا معاني الحروف مرة أخرى أن هذه العملية قبل الدخان وقد تم خلالها تشكيل الأجزاء المتجانسة التي تؤدي إلى المرحلة الدخانية.

ولكن هل كان بناء السماء (العملية الكاملة) كلها قبل الدخان ام متداخلة بحيث ان المرحلة الدخانية كانت جزءًا من البناء؟

ان (البناء) ورد في القرآن على انه عملية كاملة تتضمن على نحو ما جميع التفاصيل بما في ذلك بناء سبع سموات قال تعالى "وبنينا فوقكم سبعاً شداداً".

2.  فسواها: بعدما تم رفع سمكها حصل تشكيل جديد ووضع جديد للجزيئات يمكن أن يتحول إلى حالة متجانسة بصورة كاملة وهو المعبر عنه بالتسوية. أن سوّاها ليس مرادفاً لـ (خلقها) ولا لبنائها ولا لأي لفظ آخر. التسوية هي تناغم وتماثل وتشابه تام للأجزاء. انه نفس المعنى في قوله تعالى "فإذا سويته فقعوا له ساجدين". انظر التسوية من كتاب (أصل الخلق).

3.  اغطش ليلها: تأتي هذه المرحلة لتؤكد أن عملية تكوين الدخان قد تمت بالفعل وان اغطاش الليل وقع في أعقابها. ذلك لأن الجزيئات لمّا تجانست بصورة كاملة وحدثت فيها التسوية فقد حَلَّ ظلام كثيف في المكوّن الجديد. هناك مرويات تؤكد وجود مرحلة من الظلام المحض ومنه حديث (الكوكب الدرّي) الذي ظهر في أعقاب ظلام كوني عام. من ناحية العلم فان تكاثف الظلام يؤدي إلى ظهور النقيض أي النور أو الضوء. شرح ذلك باختصار: أن التكاثف الذي حصل في الغازات جعل قوى الجذب متنامية فشكل دوّامة أو مجموعات لا حصر لها تؤدي كل منها إلى استقطاب مادة كونية أخرى من الدخان (السحب في الاصطلاح العلمي) - وهذا يزيد مرة أخرى من قوى الجذب واستقطاب مادة مبعثرة في الكون ... وهكذا حتى يشتد الظلام في المكونات (الدوامات). ثم يظهر النور كما سيأتي في الفقرة (4).

القاموس: اغطش وفلاة غطشى: عميّة المسالك. تغاطش فلان: تغافل. يقال مررت به فتغاطشَ كأنه لا يرى أحداً. إذن فاغطاش الليل هو اشتداد الظلمة شدة لا مزيد عليها إذ أصبح فيها الليل نفسه أغطشاً والاغطش هوَ الذي لا يبصر - ذكره أبو عبيده / التبيان 10/260

4.  أخرجَ ضُحاها: بعد هذا التكاثف للجزيئات تزاد قوة التجاذب بشدة وتؤدي إلى دمج النوى ببعضها وتكوين عناصر جديدة وعندئذ تتحرّر طاقة عالية جداً وضوء ويتكون نجم (شمس).

أمّا الدومات إلا بعد عن هذا المركز فلا تصل إلى هذه الدرجة من التكاثف وتكون المادة داخلها مكبوسة بدرجة اقل ومنها تتكون الكواكب التي تدور حول المركز (الشمس).

لاحظ التعبير القرآني (اخرج ضُحاها).. لأن الضحى ظهورٌ للإنارة فالإنارة كامنة فيها من حيث كمُون الطاقة في المادة فتحتاج إلى (إخراج).

5.  والأرض بَعد ذلك دَحاها: اخرجَ منها ماءها.

أن دقة التعبير القرآني تستلزم التوقف عند قوله (بعد ذلك)

لأن دَحو الأرض عملية معقدة تحتاج وحدها إلى كتاب كامل-فالدَحو هُوَ جَعلها (كالدحية) والدحية هي البيضة أي الشكل المفلطح بالنسبة للحجوم-يقابل الشكل البيضوي للسطوح.

أن الدَحو هو الذي اظهر الحياة على الأرض لماذا؟ لأن التفلطح الأرضي علمياً مرتبط باللفّ الأرضي حول محورها. هذا اللف هُوَ الذي يكون الليل والنهار ويعرض الأرض للشمس بصورة مختلفة بسبب الشكل المفلطح من جهة وبسبب زاوية الميل المحوري (23º)   بالنسبة لأرضنا هذه.

فينشأ من ذلك اختلاف حراري يؤدي إلى تحرك الرياح وتنشأ بسببه عمليات التبخر والأمطار وبالتالي الأنهار والزروع.

ولكن من أين جاء اللف المحوري الذي سبّب التفلطح؟ رأينا أن تكون شمس في المركز يربط الدوامات القريبة به. تحافظ هذه الدوامات على وضعها بسبب وجود الجذب المركزي وتصل إلى حالة من التوازن فيما بعد.

هذا الدوران حول المحوّر ينتج منه قوة طرد مركزي تسببّ التفلطح. ومعلوم أن هذا مرتبط كله بالقوة المغناطيسية التي لا زالت مجهولة المنشأ ولكن العلماء الألمان يعتقدون أنها قوى معينة تلقى من السماء لها علاقة بالمركز (الشمس) تسبب ظهور شحن قطبي مختلف على جهتي الأرض وفق نظرية شديدة التعقيد (أنظر Universe 39) أن دحَو الأرض (جَعلها مفلطحة) يتضمن عدة عمليات أخرى: ظهور القوة المغناطيسية، ثبوت زاوية الميل، نشوء الزلازل والبراكين، تكاثف الغيوم وخروج الماء الداخلي بالطرد المركزي بسبب اللف.

فانظر إلى قوله "بَعد ذلك" لأن هذه العمليات لا تتم قبل وجود شمس مركزية (إخرجَ ضحاها).

6.  (ومرعاها): أخرجَ منها مرعاها بعد ماءها. وهذا واضح فان الحياة نشأت بعد تكون الماء. لكن المرعى الغاية منه تكوين كائنات حّية تعيش عليه. إذن فالكائنات المائية اسبق من النباتات والنبات اسبق من نشوء الكائنات البريّة النباتية والجميع اسبق من الإنسان البرّي والذي طعامه نباتي وحيواني في آن واحد.

7.  والجبال أرساها: إذن فهي موجودة في وقت اسبق من الإرساء. لاحظنا أن الرواسي هي القوة المغناطيسية لقد أدى اللف المحوري إلى ظهور التضاريس الأرضية وهذهِ القوة (الرواسي) هي التي تحافظ على حركة الأرض وهي مانع ومسبّب (الميدان) في آن واحد. شبهنا عملها في الكتاب السابق بالخيط المطاطي المرن المربوط بمَهد فهو يحركّه حركةّ لطيفة أو عنيفة بحسب قوة الشد. هذه القوة اسبق من ظهور الجبال التي هي تضاريس ونتوءات من مادة الأرض. إذن قوله (أرساها) هُوَ إشارة إلى السيطرة على حركتها الداخلية نفسها خلال النشوء لأن هذه الحركة مرتبطة بالرواسي. فالإرساء هو تنظيم الحركة وليسَ تثبيت المتحرك ومنه مرسى السفن حيث يسيطر على دخولها وخروجها.

لذلك ارتبطت الرواسي في جميع الموارد القرآنية بحركة الرياح والمياه والنبات... الخ وارتبطت بحركة الأرض (الميدان)-كما ارتبطت في المأثور بنشوء الزلازل بينما لا نعثر على تلك الروابط مع لفظ الجبال (راجع كتاب النظام - فصل تطبيق على آية الرواسي).

نلاحظ كذلك تطابقاً عددياً بين الأفعال في سورة فصلت وبين التفاصيل في سورة النازعات. فهناك سبع عمليات وهنا أيضاً سبع عمليات تفصيلية. وهناك تبادل في المواقع أيضاً فقد قدم أربعة عمليات للأرض وثلاثة للسماء في فصلت بينما قدم أربع عمليات للسماء وثلاثة للأرض في النازعات.

هذا التناوب يدل على الوحدة الزمنية للخلق فالتقديم والتأخير متعلق بأسباب أخرى متصلة بموضوع الكلام. وهُوَ أمرٌ أوضحناه في إبطال (الرتبة) السابقة للألفاظ والأعداد التي ادعاها الاعتباط (انظر الحلّ القصدي للغّة).

فهنا يتهاوى الاعتباط الذي أنكر القيمة المسبقة واثبت الرتبة، لأن الرتبة هي عين الاستعمال فلا تتقدم عليه او تسبقه مطلقاً. هذا مثال واضح:

تقول عن الكريم: "انه يعطي الدينار والعشرة والألف" فترتب الأعداد تصاعدياً وتقول عن البخيل: "انه يبخل بالألف بل يبخل بالعشرة بل يبخل بالدينار" فترتب الأعداد تنازلياً إذن فليس الواحد مقدم على الاثنين ولا القِلة على الكثرة وإنما يحدّد ذلك موضوع الكلام وغاياته وإذن فالتقديم في ذكر السماء على الأرض في النازعات مرتبط بالموضوع الذي هو التكوين وقد لاحظنا دقة هذا الترتيب علمياً. أما في فصلت فقدم ذكر الأرض على السماء مع المحافظة على الأزمان لانه يتحدث عن المعتقدات وارتباطها بالوعد الإلهي ونزول البركات التي قدرّها لأربعة أيام كاملة، الناتج منها ان خلق هذا العالم ليس محتوماً بإنهائه على ما هُوَ عليه بل محتوم بظهور الدين وخروج البركات.

وهُوَ مقترن لفظياً بأحاديث المهدي (ع):

عن أبي سعيد (رض) ان النبي (ص) قال: "يكون في أمتي المهدي...(وفيه) فتنعم امتي نعمة لم ينعموا مثلها قط. تؤتي الأرض أكلُها ولا تدخر منه شيئاً.." مستدرك الصحيحين/4/558.

وفي المستدرك/4/557 "تخرج نباتها" وفي الدرّ المنثور للسيوطي: "لا تدخّر الأرض من بذرها شيئاً الاّ أخرجته".

وفي المستدرك/4/514 : "وتُلقي الأرض افلاذ كبدها قال قلت وما افلاذ كبدها قال (ص) أمثال الاسطوانة من الذهب والفضّة" وقد تناغمت ألفاظ السماء والأرض في مئات المواضع من حديثه (ص) حول المهدي (ع) ياتيك بعضها الآخر لاحقاً.

ماذا يحدث لو جَمعنا آيات فصلت مع آيات النازعات؟ سيكون هناك تصور مشترك ولكنه معقد جداً يحتاج إلى عقول ذكيّة لإدراكه. ذلك ان القرآن لا يقوم بتشريك الازمنة فقط وإنما يقوم بتشريك الأفعال ومن وقعت عليه الأفعال لإظهار المزيد من التفاصيل. فحينما يتحدث عن الأرض فهو في الواقع يتحدث عن السماء أيضاً والعكس بالعكس.

هذا مثال عن عملية واحدة مشتركة بين الموردين: فحينما قال في فصلت "خلق الأرض في يومين" اشار إلى خلق الأرض والذي رافقه خلق السماء لأنه قال بعد ذلك"ثم استوى إلى السماء وهي دخان" مشيراً إلى اسبقية تكونها المرافق لتكوّن الأرض. وظهر ذلك حينما قال بعد خلق الأرض "وجعل فيها رواسي من فوقها" فقد تضمنت هذه الفقرة حصول التفلطح ونشوء الحركة المحورّية المرتبط بوجود الشمس فهو إذن ينطوي من مورد النازعاتِ على التفاصيل الأربعة "خاصة بالسماء: (رفع سمكها فسواهّا، واغطش ليلها واخرج ضحاها). وحينما قال في فصلت "وباركَ فيها وقدر فيها اقواتها" فقد اشار إلى تفاصيلها في النازعات "اخرجَ ماءها ومرعاها" فلمّا ذكر السماء (ثم استوى إلى السماء)- افاد ان الاستواء معطوف على الخلق بعد فترة ما فاشار إلى ابتداء خلق الأرض.

الاستنتاج

لماّ قال: "وذكرهم بأيام الله" وقال "لا يرجون أيام الله" فان اقل عدد للمجموع هُوَ ثلاثة.

ولماّ كان قد اشار إلى تكون سبع سموات ولما كان تكوّنها يستغرق يومين فقد تأكدنا من مرور يومين من جهة وانتظار ما لا يقل عن ثلاثة أيام من جهة أخرى. إذن فنحن الآن في مرحلة من مراحل اليوم الثالث من الأيام الستة. وهذه هي غايتنا من هذا المبحث.

2.  التوافق العدَدي لليّل المشروط بالحركة مع أيام الخلق

لاحظنا ان الأيام الستة للخلق هي الأمد المضروب كأجلٍ مسّمى للسموات والأرض. فنحن بانتظار ثلاثة أيام من عمر الكون الذي نعرفه اذ لا علم لنا بما يخلق الله من عوالم أخرى:

"ويخلق ما لا تعلمون".

وقد رأينا ان هناك ليلاً مخصوصاً كان من موارد القَسمَ "أو الحلف" على الحل القصدي مثل: (والليل إذا عسعس).

فهو ليل مخصوص لا كل ليل- بمعنى انه غير مقيد بالليل المتعارف عليه فالليل المتعارف عليه صورة جزئية أو مصغرة من هذا الليل. فهو مخصوص من حيث انه يشير إلى واقعة معينة في المستقبل. وهُوَ عام من حيث انه ليل التاريخ كله.

فإذا أردنا فهمه بهذا العموم "والذي هُوَ تخصيص عهدي الصيغة يتضمن أل التعريف" نجد ان موارد هذا الليل معدودة.

فمن بين (74) أربعة وسبعين مورداً نجد ستة موارد فقط مرتبطة بالحركة الشرطية أي بأداة الشرط (إذا) وهذهِ الموارد على ترتيب المصحف كما يلي:

1.  والليل إذا  أدبر     المدثر/33

2.  والليل إذا عَسعس  التكوير/17

3.  والليل إذا يَسر      الفجر/4

4.  والليل إذا يغشاها   الشمس/4

5.  والليل إذا يغشى    الليل/1

6.  والليل إذا سجى    الضحى/2

نرى في فهمنا الجديد الألفاظ القرآن ان هناك ارتباطاً عددياً لهذهِ الموارد مع عدد أيام الخلق من جهة وان فيه انطباقاً ثلاثي الأبعاد من جهة أخرى.

البعد الأول: انطباق عام على أيام الخلق وعلى عمر الكون.

البعد الثاني: انطباق خاص يتكرر كل ليلة.

البعد الثالث: انطباق تام للدلالة على ليلة مخصوصة وهي الليلة الفاصلة التي يبدأ بها الطور المهدوي عقب ركود الشمس وطلوعها من مغربها.

فالترتيب هنا يتحرك من اللاحق إلى السابق فاقرأ معي بهذا الترتيب أي من السادس إلى الأول وبالأبعاد الثلاثة:

والليل إذا سجى: فهناك ليل ساج حلّ فيه ظلام دامس في الكون في أول الخلق وهناك ظلام استمر طويلاً قبل مرحلة الترقي إلى الآدمية-فهذا بعد كوني.

ويتكرر هذا المنظر كل ليلة أيضاً اول الليل. فهذا بعد متكرر يذكرّ بالماضي والمستقبل.

ثم يقع هذا الليل الساج في الليلة الفاصلة باجلى مظاهرة ويأخذ بعده الكامل في دلالة اللفظ.

استخدمه القرآن للتأكيد على أن ربّه ما ودعه وما قلا بمعنى إذا كانت قد مرت ملايين السنين من ظلام الكون حتى ظهرت الشموس ومرت الألوف او الملايين من ظلمات الفكر قبل ظهور آدم (ع) فلم يترك الله ذلك الظلام مستمراً بل أنار الكون بالشموس وأنار الخلق بالرسل وختمهم بك فكيف يودعّك لتأخر الوحي أياماً قليلة؟

"والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى".

والليل إذا يغشى: الغشيان مرحلة لاحقة من مراحل الليل المتكرر  يومياً وهُوَ مرحلة كونية أيضاً ويظهر المعنى التام في الليل المخصوص.

فالنهار موجود والشموس مخلوقة لكن الليل يغشى مستغلاً غيابهما في الجهة الأخرى.

هذه الفترة هي تقريباً في ساعتين لاحقتين من أول الليل

والليل إذا يغشاها: والضمير يعود على الشمس. وهنا يتحدد الغشيان بالشمس خصوصاً نلاحظ الانطباق بالأبعاد الثلاثة. الفترة المتكررة يومياً هي بحدود الساعة الخامسة والسادسة من أول الليل. وفي هذه المرحلة تتوجه قوى الظلام لحجب الشمس وغشيانها.

والليل إذا يَسر: هذه المرحلة بعد زوال الشمس من الجهة المقابلة أي في البعد المتكرر تحدث بعد منتصف الليل تقريباً. وعلى البعد الكوني يبدأ فيها الليل بالحركة والسير بعد الغشيان مبتعداً عن الشموس.

والليل إذا عسعَس : في هذه المرحلة طرد النهار فتكاثف وتثاقل وبدأ بحركة تشبه الزحزحة عن موضعه اذ لا يريد ترك الموضع يتثبت بالمكان تارة ويندفع أخرى. تحدث هذه الحالة في الليل المتكرر يومياً قبيل الفجر أو خلال الفجر أو التاسعة والعاشرة من أول الليل إذا اعتبرت الليل أثنتا عشرة ساعة.

وعلى البعد الثالث فإنها تحدث عند تحرك الأرض بالاتجاه المعاكس بسبب النجم الموعود.

وعلى المستوى العام للتاريخ تقع خلال حدوث العلامات الكونية للطور المهدوي.

والليل إذا أدبر: تم طرد الليل فأدبر وفي هذه المرحلة يظهر الصُبح مسفراً "والصبح إذا اسفر انها لأحدى الكبر" فعلى البعد الكوني هُوَ اليوم الاخير أي المرحلة النهائية من الطور المهدوي حيث لا يحتاج الخلق إلى الليل مطلقاً فلا يعود ابداً.

ولذلك يختفي اثر الشمس الكونية وتحل محلها الشمس المعرفية وفي هذه المرحلة تظهر جنة النعيم حيث (لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً) كما سيأتيك في موضعه.

وأما على البعد اليومي فهو واضح كلمّا اسفر الصبح وادبر الليل.

وأما على البعد المخصوص فهو الصبح الذي تخرج فيه الشمس من مغربها.

إذن فالمراحل الستة لليل تنطبق على عمر الكون وتنطبق كلها يومياً خلال كل ليلة وتجد دلالتها الكاملة في الليلة الفاصلة بالنجم الموعود.

وهل هناك انطباقات أخرى بأبعاد أخرى؟ الجواب بالتأكيد لاننا قلنا ان المعنى التام للنص القرآني يستحيل الوصول اليه وإنما يتم كشف الحقائق من خلال الاقتران.

فمثلاً يمكن ان تنطبق المراحل المذكورة لليل على حياة الإنسان نفسه وأدوارها فالليل إذا سجى وهُوَ في الرحم في (ظلمات ثلاث) فهو في ليل ساج. والليل إذا يغشى عند الطفولة اذ لا يعي شيئاً مما حوله.

والليل إذا يغشاها يغشى شمس معرفة النفس عند أول الوعي بعد الطفولة فهنا يحاول الأبوان السيطرة على هذا الليل بتعليم الطفل ومصارعة جهالاته.

والليل إذا يَسرِ عند حصول الشباب حيث تتحرك الظلمات الموجودة في النفس حركة وئيدة ومفترقة عن قوى النور.

والليل إذا عسعسَ: في مرحلة الكهولة حيث يحاول ظلام الجهل الحركة وهو مكبّل بوهن قوى الجسد.

والليل إذا ادبر: عند موته حيث يذهب الليل ويحصل له كمال المعرفة وتظهر الحقيقة مسفرة كالصبح كما قال تعالى عند موت الإنسان:

"لقد كشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد".

وقال : "حتى إذا حضر احدهم الموت قال رب ارجعوني لعلي اعمل صالحاً فيما تركت".

لكنك تعلم ان هذا الانطباق الفردي الصورة هُوَ بالنتيجة عام للجنس الإنساني فالانطباق العام على مراحل تاريخ الانسان كنوع يتضمن اصلاً هذا الانطباق الفردي فهو الأصل في دلالة الألفاظ و معنى النص.

3.  التوافق العددي لاعداد الأيام واسماءها مع الأيام المنتظرة

ان النظام القرآني نظام دقيق وشديد التشابك فان لفظ (يوم) قد ذكر في القرآن عدداً كبيراً من المرات كما يلي:

يوم بالرفع = 349 مرة

يوم بالنصب = 16 مرة

يومكم ويومهم = 10 مرات

أيام بالرفع = 23 مرة

أياماً بالنصب = 4 مرات

يومئذٍ = 68 مرة

يومين = مرتان

المجموع = 472 مرة

لو جمعنا أرقام هذا العدد فالمجموع ثلاثة عشر، وهذا عدد هام.

وأهميته ذكرت في النصوص التاريخية والنبوية أكثر من مرة. فهو عدد الزيادة على الثلاثمائة (العدّة) وهُوَ عدد المشاركين في معركة بدر الكبرى.

وهُوَ عدد اتباع طالوت (ع) الذين لم يشربوا من نهر الابتلاء، فهم بنفس العدد ثلاثمائة وثلاثة عشر.

وأكدت اكثر من رواية على نفس العدد للقادة أتباع المهدي الموعود (ع) واللذين يبايعونه بين الركن والمقام كما سيأتيك في محله.

لكننا نلاحظ شيئاً آخر، فالموارد القرآنية متنوعة وكثيرة والأيام تتصف باوصاف شتى.

فبعض الموارد أضيف إلى أفعال مثل:

اليوم أكملت-يوم-يجمع الله-يوم يحشرهم-يوم يسمعون-الصيحة-يوم يبعثون-يوم ندعو كل أناس-يوم تشقق السماء... الخ وبعض الموارد أضيف إلى صفة مثل:

يوم عصيب-يوم عظيم-يوم محيط-يوم غليظ-يوماً عبوسا.. إلى آخر الآيات.

وبعض الموارد أضيف إلى ضمائر أو أسماء إشارة أو أسماء مثل:

يومهم هذا-يوم حنين-يوما على الكافرين-إلى آخرها. وبعضها أضيف إلى اسم معرفّ بال التعريف مثل:

يوم القيامة-يوم الفصل-يوم الفرقان...الخ.

وهذا النوع هُوَ الذي يهمّنا في هذا المبحث لانه يعرف اليوم باسم واحدٍ معرّف فهو ينطوي على (تسمية لهذا اليوم) محدَّدة بلفظ واحد.

فإذا أحصينا تلك الأسماء وجدناها ثمانية عشر اسماً كما يلي:

1. يوم الدين

2. اليوم الآخر

3. يوم القيامة

4. يوم الجمع

5. يوم التغابن

6. يوم التناد

7. يوم الفصل

8. يوم الحسرة

9. يوم الجمعة

10.     يوم الفرقان

11.     يوم الخروج

12.     يوم التلاق

13.     يوم الحساب

14.     يوم الآزفة

15.     يوم الوقت المعلوم

16.     يوم الاحزاب

17.     يوم البعث

18.     اليوم الموعود

فاذا اخرجنا من هذه القائمة الموارد التي لا تخص الوقائع المستقبلية وهي:

1.  يوم الجمعة: اذ يتحدث عن يوم الجمعة والصلاة فيه.

2.  يوم الفرقان يوم التقى الجمعان- لأنه يتحدث عن معركة بدر بصيغة الفعل الماضي.

3.  يوم الاحزاب: لانه يتحدث عن قوم نوح وعاد والذين من بعدهم على لسان مؤمن من آل فرعون في سورة غافر وبصيغة الماضي.

ولاحظنا كذلك ان يوم الجمع هُوَ يوم التغابن في قوله تعالى بنفس الآية: "يوم الجمع لا ريب فيه ذلك يوم التغابن".

كان المجموع الفعلي للأسماء هُوَ خمسة عشر اسماً تخص الوقائع المستقبلية.

ويظهر ان النظام القرآني يشير إلى الأيام الثلاثة المتبقية من عمر الكون أو النظام الحالي بالأسماء الثلاثة الأولى حسب ترتيب المصحف. اما الأسماء الأخرى فهي أسماء إضافية أخرى لنفس الأيام الثلاثة. إذا تتبعنا النظام اللفظي وجدنا هذا الترتيب فعلاً وهُوَ امرٌ لا يمكن إيضاح تفاصليه هنا فالأسماء وُزعّت على الأيام بالتساوي ولكن الموارد اختلفت في الأعداد فالتوزيع كما يلي:

1.  يوم الدّين= يوم الوقت المعلوم-يوم الفصل-يوم الخروج-يوم التناد.

2.  اليوم الآخر= اليوم الموعود-يوم الحسرة-يوم الحساب-يوم الآزفة.

3.  يوم القيامة = يوم الجمع-يوم البعث-يوم التلاق-يوم التغابن.

إذن فهناك اثني عشر اسماً وزعت توزيعاً متساوياً على الأيام الثلاثة في النسيج القرآني.

وهذا الترتيب للأيام الثلاثة ينطوي على ترتيبها الزمني أيضاً.

أي انّ يوم الدين هُوَ (طور الاستخلاف) كما سميناه في هذا الكتاب ففيه يتحقق الدين الإلهي في ارض الواقع وفيه الفصل وفيه النداء. واليوم الآخر: هُوَ المرحلة النهائية من هذا الطور وهُوَ آخر أيام النظام الكوني الحالي. وفيه يتم اخراج افواج الموتى فوجاً من بعد فوج ويتم الحساب ويكون حسرة على الكافرين ويأزف فيه الوعد. ويوم القيامة هُوَ يوم بعث الخلائق كلها بعدما ماتت بالصور في النفخة الاولى (الاّ ما شاء ربك) حيث يكون أهل الإيمان وأتباعهم في موضع ناءٍ من ملكوت الله وهُوَ اليوم الذي تفتح فيه أبواب جهنم وجنات الخلد. اما قبل ذلك فعذاب مختلف وجنات مختلفة لكل منها خصائصها وألفاظها.

وامّا في عدد الموارد فهناك اختلاف وتباين بحسب أهمية الأطوار ودوامها.

فمثلاً ان يوم القيامة ورد سبعين مرة. بينما اليوم الآخر ورد أربعين مرة.

ويبدو ان القرآن لم يدرس للآن اية دراسة جدّية فاّن تنظيم هذهِ الشبكة المعقدة من الألفاظ وموارد الأيام وتوزيع خصائصها على الأطوار الثلاثة يكشف عن أسرار لا حدود لها ولا انتهاء لتفاصيلها ولكن الاعتباط اللغوي والتفسيري وجد راحته في التفسير فاينما جاء لفظ منا تلك الألفاظ قال هُوَ في يوم القيامة وحجته في ذلك (الترادف) فأخفى بهذهِ الطريقة بديهيات الدين والف باء الرسالة والواقع ان ما يذكره الاعتباط لا علاقة له بالنص القرآني ومراد هذا النص لا من قريب ولا بعيد ان لم يكن قد تبنى في اكثر الوجوه مقولات الذين كفروا كما مرّ عليك من نماذج قليلة في كتاب (النظام القرآني).

ونحاول الآن التحرك وفق النظام القرآني والمنهج اللفظي لتحديد بعض خصائص اليوم الأول (يوم الدين) لانه هُوَ المتعلق بموضوع البحث.

4.  يوم الدين في القرآن

أ. التوافق العددي للموارد

من المعلوم ان الدين كلفظ ينطوي على ما نفهمه من الدين بصورة تامّة بمعنى ان الدين يتضمن كل ما نعرفه عنه-عقائد ووصايا-تنفيذ أو عصيان لتلك الوصايا وحساب يتضمن العقاب والثواب. وحينما يقال هناك (يوم للدين) لا يمكن ان نفهم منه الحساب فقط بل نفهم يوماً خاصاً بالدين كلهِّ وهذا يدعونا ابتداءً للاعتقاد بأن يوم الدين هُوَ يوم تحقق الدين ووقوعه بكل ما ينطوي عليه اللفظ.

وإذن فالزعم انه يوم القيامة انما هُوَ زعم تكذبّه اللغة قبل كل شئ. إذن يجب ان تكون موارد يوم الدين هي الأخرى متفقة على نحو ما عددياً أو لفظياً من خلال الاقتران بالطور المهدوي الذي يتحقق فيه الدين ويقود العالم فيه إثنا عشر خليفة على ما ذكره النبي (ص) وذكره الله تعالى بقوله واعداً الملائكة:

"واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة". وقد رأينا انهم علموا بوقوع الفساد وسفك الدماء من هذا الوعد لما يستلزمه الترقي والتطور من مرور حقب طويلة من الفساد وصولاً إلى هذه المرحلة.. اذ الكائن المخلوق من صلصال من حمأ مسنون لا يمكن ان يصل إلى خلافة الله الاّ بعد مروره بتجربة قاسية من الفساد وسفك الدماء.

لقد غفل الاعتباط عن هذهِ العلاقة لان الملائكة حينما قالوا ذلك في التعقيب:

"قالوا أتجعل فيها من يفسد ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لكَ؟"

حينما قالوا ذلك لا يقصدون بالطبع الخليفة المجهول وانما أفراد جنسِه السابقين الذين سينبثق منهم الخليفة.

أما الاعتباط فيجعل المعادلة معكوسة أي ذرية الخليفة هُم المفسدون وعنده ان الخليفة قد تحقق في خلق آدم! وذرية آدم هم المفسدون.

وازاء ذلك تظهر مشكلتان: الأولى ان المخلوق الاول إذا كان هُوَ المقصود بالخليفة فان ظهور الفساد بَعده يجعل خلقه عملية فيها من العبث ما لا مزيد عليه. اذ سيظهر هنا (ناموس) للتقهقر والانحدار نحو الحيوانية لا يجوز بحق الله تعالى بخلاف ما لو قلت ان الخليفة المقصود يظهر في آخر ادوار هذا الكائن حيث تكون العملية تطورية وجارية وفق السنن الإلهية.

والثانية هُوَ قول الملائكة (اتجعل فيها من يفسد فيها) فاذا كان الخليفة هُوَ اول كائن فمن اين يأتي الفساد؟ اذ المعلوم ان خليفة الله لا يُفسد في الأرض واذا قيل انه يأتي من قبل ذريته فمن اين لهم علم بتكوين الخليفة للذراري؟

أن مثل هذا السؤال ما كان ليظهر لولا فكرة تقدم الخليفة على ذريته لذلك أجاب الاعتباط على هذا السؤال بالقول: ان الملائكة علموا حصول الفساد من خلال تجربة سابقة في خلق الجان!

وهذا (قياس) اعتبره الاعتباط باطلاً وتبرأ منه ولكنه نسى هنا انه قياس فاسد فنسَبه إلى الملائكة.

فاذا قلت ان القرآن الكريم ذكر ذلك في معرض قصة السجود لآدم! اقول واين التلازم بين الأمرين فانه لم يقل ان الخليفة المشار اليه هُوَ آدم (ع) هذا من جهة ومن الجهة الأخرى لم يقل اسجدوا للخليفة في مورد من الموارد ليتحقق الربط والتلازم بل فصل بين الواقعتين باداة ابتداء القصص، (وإذْ) لاحظ السياق في سورة البقرة:

"وإذْ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك نقدسّ لك قال اني اعلم ما لا تعلمون"   30/البقرة.

"وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين، قالوا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم. قال يا آدم انبئهم باسماءهم، فلما انبأهم باسماءهم قال الم اقل لكم اني اعلم غيب السموات والأرض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون" 31/32 ثم تبدأ قصة جديدة بالاداة (اذ):

"وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الاّ ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين" 34/البقرة.

فالأمر هُوَ عكس ما يقوله الاعتباط تماماً، وهو ان الاختبار حدث للملائكة اولاً ولآدم ثانياً بشأن الطرف الأول وهو الخليفة.

ولما كان ظهور الخليفة هُوَ من جملة الغيب وفي آخر ادوار هذا الكائن ومن ذرية آدم فان معرفة آدم باسماء الخلفاء من ذريته هُوَ جوهر ما انطوى عليه الاختبار لان تعليم الاسماء حصل فيها كلها "وعلم آدم الاسماء كلها" بينهما الاختبار حصل لمجموعة من الاسماء فقط بصيغة العاقل (اسماء هؤلاء).

إذن فالخليفة ظهرت دلالته في الاسماء وتحديداً في اسماء هؤلاء، بينما السجود لآدم (ع) كان قصة تابعة فقد استحق السجود لكونه حامل لهذه الاسماء كأسماء في عقله وكذرية في صُلبه.

فان قلت هذا يتوجب ان يكون قبل آدم خلق كثير جداً من هذا الجنس يمثل آدم آخر ما وصل اليه هذا الخلق من الترقي ثم يستمر الترقي حتى يبلغ مرحلة الخليفة في طور الاستخلاف!

أقول : نعم فالأمر هُوَ كذلك.

لأننا برهنا في كتاب آخر هذا الأمر بالتفصيل فلم يكن آدم اولّ هذا الجنس انما هو اوّل فرد من هذا الجنس يجتبيه الله ويسجد له الملائكة.

وأسباب ذلك كثيرة جداً ذكرناها في كتاب (أصل الخلق) لذلك اذكر هنا نقاطاً منها مركزة جداً:

الأول:  ان النظام اللفظي للقرآن يأبى أي ترتيب آخر، فان نشوء النسل والذّرية سبق وجود آدم (ع) وسبق قصة السجود وهذا يدّل على انه كائن ترقّى من افراد من جنسه سبقوه في الخلق ومن ذلك قوله تعالى:

"الذي أحسن كلّ شئٍ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماءٍ مهين، ثم سواهّ ونفخ فيه من روحِه"     الجدة/7, 18

إذن فالنسل والسلالة ومادة التناسل كانت موجودة كلها قبل التسوية وقبل النفخ، اذ فصلت اداة التراخي (ثم) بين تلك المراحل في الآية اما مزاعم الاعتباط ان آدم كان تمثالاً من طين جامداً فلما نفخ فيه الروح قام حّياً على رجليه وأصبح كائناً فهو هُراءّ وفهم قاصر جداً للمرويات وللقرآن تكذبّه جميع التفاصيل الأخرى. فماذا يفعل الاعتباط في مثل هذه الآية؟

طبعاً يقدم التسوية والنفخ على الذريّة ويقدرّ الجملة تقديراً جديداً حسب اساليبه الملتوية ويفعل ذلك بالرغم من:

-     وجود المراحل موزعّة في آيتين لا آية واحدة.

-     وجود اداة التراخي (ثم) مرتين مع واو العطف مرتين. فيضرب الاعتباط قواعده وادوات اللغة والظهور العرفي للدلالة والنظام القرآني والمرويات كل ذلك يضربه عرض الحائط ويقدرّ الجملة ويغيّر ترتيب الألفاظ خلافاً لترتيب المتكلم جل وعز.

الثانية: اثبتنا كذلك أنه لا تلازم بين نفخ الروح وبين مظاهر الكائن الحَيّ وذلك لتعددّ الارواح فما ادراهم ان الروح المنفوخ في آدم (ع) هُوَ روح الكائن الحيّ؟ اذ يمكن ان يكون حيّاً قبل النفخ والروح الجديدة هي روح الايمان أو روح القدس على ما جاء في تقسيم الامام علي (ع) للارواح.

ولذلك لا نجد اية علاقة بين الروح والحياة في القرآن فالموت أو التوفي يحدث للنفس في جميع الموارد القرآنية ولم يرد هناك أي ذكر للروح. فاذا قيل: ان في قوله تعالى "فلولا ان كنتم غير مدينين، ترجعونها ان كنتم صادقين" في سورة الواقعة يدّل على العلاقة لاجماع المفسرين ان الضمير في ترجعونها يعود إلى الروح فيتم رجوع الحياة إلى الإنسان من خلال رجوع الروح.

اقول: ان الضمير لا يعود إلى الروح مطلقاً لأنه ضمير مؤنث (ترجعونها) أي (هي) فهو يعود إلى النفس لانها مؤنثة في القرآن:

"ونفس وما سواها فالهمها فجورها وتقواها"

بينما الروح مذكر في الموارد القرآنية مثل:

"فارسلنا اليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً"

ولو كان مؤنثا لقال (تمثلت)

الثالثة:  فكرة الاصطفاء فان الله تعالى قال:

"ان الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم" والاصطفاء لا يكون إلاّ من مجموعة من نفس الجنس فَيدّل ذلك على تقدم خلق الإنسان الذي تطور عنه آدم (ع).

الرابعة:        تقدم خلق الإنسان على خلق الكائن الذي أمر الملائكة ان يسجدوا له في مورد الحجر حيث قال:

"ولقد خلقنا الإنسان من صلصالٍ من حمأٍ مسنون"   الحجر/26 ثم قال بعد ذلك:

"وإذ قال ربك للملائكة اني خالق بشراً من صلصال من حمأٍ مسنون فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين"   الحجر/27/28

وإذن فالإنسان مختلف كلياً عن البشر.

وانما عمل هذا التخبط عند المفسرين ترادف الألفاظ وايمانهم يتساوى دلالة الألفاظ (انسان وبشر) وكما تلاحظ فالسياق واضح جداً: الإنسان تقدم في الخلق ثم تطور إلى بشر فاستحق نفخ الروح فيه وهي روح لا علاقة لها بمظاهر الكائن الحي من تنفس وتغذي وتكاثر.

لذلك نجد النظام القرآني دقيق الاستعمال من هذه الجهة فهو يفرق بين لفظ الإنسان ولفظ البشر ومن اجل ذلك تجد موارد الذم المستمر للانسان والثناء على البشر مثال ذلك:

"ان الإنسان لكفور" الحج/66

"ان الإنسان لظلوم مبين" الزخرف/15

"ان الإنسان لظلوم كفارّ" ابراهيم/34

بينما لم يذكر البشر الاّ للاشارة إلى الأولياء أو الانبياء، حتى لو كان الكلام على لسان الكفارّ:

"ما انت الا بشر مثلنا فأتِ بآيةٍ ان كنت من الصادقين"    الشعراء/154

وبصفة عامة فان تفاصيل هذا المبحث والادلة المساقة على اسبقية وجود الإنسان على آدم (ع) تجدها في كتابنا المخصص لذلك أعني كتاب "أصل الخلق".

إذن فطور الاستخلاف أو طور الخليفة هو مرحلة متقدمة من البشرية يقود العالم فيها خلفاء لله حدّدهم النبي (ص) بعددٍ مساوٍ لما في النظام الطبيعي.

ولمّا كان (يوم الدين) هو يوم تحقيق الدين في الواقع فاننا نتوقع وجود توافق عددي بين موارد هذا اليوم مع عدد الخلفاء.

فإذا أخذنا مفهوم الخليفة كما هو في القرآن فأن أول خليفة لهذا الطور هو النبي (ص)، ولكل خليفة منهم جزء من هذا اليوم. وهكذا نلاحظ ان النظام القرآني لم يغفل لهذا الترابط فذكر (يوم الدين). في موارد يساوي عددها عدد قادة هذا الطور بدءً بالنبي (ص) وانتهاءً بآخر الخلفاء الأثنى عشر الذين نذكرهم فالمجموع هو ثلاثة عشر مورداً.

ولكننا نلاحظ أمراً آخر وهو ان هذه الموارد لم تتوزع على ثلاثة عشرة سورة من السور. فقد تكررت ثلاثة منها في سورة واحدة ومجموع السور هو احدى عشرة سورة.

وهذا يشير إلى ان الظهور الفعلي للخلفاء بهذا العدد حتى إذا تقصينا موارد جنات عدن نلاحظ نفس العدد ونفس النظام المتقابل.

بمعنى أن هؤلاء الخلفاء لن تكون لهم فرصة متاحة لتحقيق يوم الدين إلى احد عشر خليفة منهم وتتاح الفرصة لآخرهم فقط لأنه وعد الهي لا بد ان يتحقق (ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يلي  رجل من ذريتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً) - حسب النص النبوي الذي مرت عليك نماذج منه والذي يشير إلى هذه الحتمية.

فاذا ما تحقق ذلك على يد الأخير ظهر التمايز وظهرت جنان النعيم المرتبطة بطور الاستخلاف في عددٍ مساوٍ لعدد الذين لم يتمكنوا من تحقيق يوم الدين.

وبمعنى آخر ان الخليفة الأخير سيكون حدّاً وسطيّاً فهو الأخير في الترتيب الزمني ولكنه سيكون الأول في تحقيق الوعد لجهل الخلق وبطئهم الشديد في فهم الرسالة. نلاحظ الآن قائمة الموارد والتي ستجد انها مرتبطة عددياً بلفظ (الوعد) مرة أخرى كما سيأتيك في موضعه:

1.    الفاتحة: "مالك يوم الدين" الفاتحة/4

2.    الحجر: "وان عليك اللعنة إلى يوم الدين" الحجر/35

3.    الشعراء: "والذي اطمع ان يغفر لي خطيئتي يوم الدين" الشعراء/82

4.    الصافات: "وقالوا يا وَيلنا ان هذا يوم الدين" الصافات/20

5.    صاد: "وان عليك لعنتي إلى يوم الدين" ص/78

6.    الذاريات: "يسئلون أيّانَ يوم الدين" الذايات/12

7.    الواقعة: "هذا نزلهم يوم الدين" الواقعة/57

8.    المعارج: "والذين يصدقون بيوم الدين" المعارج/26

9.    المدثر: "وكنا نكذب بيوم الدين" المدثر/46

10.  الانفطار: "ان الفجارّ لفي جحيم. يصلونها يوم الدين" الانفطار/15

11.  الانفطار: "وما أدراكَ ما يوم الدين" الانفطار/17

12.  الانفطار: "ثم ما أدراكَ ما يوم الدين" الانفطار/18

13.  المطففين: "الذين يكذبون بيوم الدين" المطففين/11

ب:   الاقترانات العامة لموارد يوم الدين مع خصائص الطور المهدوي:

نلاحظ مثل هذه الاقترانات عند التحرك بالمنهج اللفظي فهي كثيرة جداً وتشكل شبكة محكمة من الألفاظ.

اذكر الآن بعضها بصورة سريعة وبشكل عام قبل الدخول بتفصيل الموارد الثلاثة عشرة منها مثلاً:

الأول:  ان موردي اللعنة (الثاني والخامس) ذكرا في معرض الحديث عن الترقي من الخلق الأول والسجود لآدم.

فموارد السجود لآدم خمسة موارد في القرآن ولكن (يوم الدين) لم يذكر إلا في الموارد التي تتحدث عن الترقي ونفخ الروح والسجود وهي موارد الحجر وسورة صاد.

فمن هذين الموردين بالتحديد اكتشفنا مراحل الخلق والترقي من خلال البحث المقارن والمذكور في كتاب (اصل الخلق).

الثاني:  ان موارد التساؤل "وما أدراك ما يوم الدين" والاعادة "ثم ما أدراك ما يوم الدين" في سورة الانفطار مرتبط لفظياً. بجميع الموارد التي ذكرت هذه العبارة لأنها واحدة منها في قوله تعالى "وما أدراك ما الطارق"، فكذلك أينما جاءت عبارة (وما أدراك) فانها بصدد الحديث ن هذا الطور.

الثالث: ان موارد يوم الدين اقترنت بالتصديق والتكذيب كما في المعارج والمدثر والمطففين.

وهذا اقتران هام جداً لأن المقتران بالقيامة واليوم الآخر هوَ الايمان والكفر لا التصديق والتكذيب.

لماذا؟ لأن هذه الوقائع تحدث في نظام كوني مختلف فهي من الغيب المطلق الذي يحتاج إلى ايمان. بينما الطور المهدوي هوَ وعد الهي يقع في عالم الشهادة فالتعامل معه يتم بلفظ التصديق أو التكذيب.

مثال ذلك اني لو قلت لك ان هناك كائنات عجيبة في الفضاء ستقوم بغزو الأرض على ما يقولون!

فانت تجيب: انا لا أومن بوجود كائنات من هذا النوع. ولكن لو قلت لك: هناك شخص وعدني انه سينظم لك رحلة إلى القمر مع رواد الفضاء!

فانك ستستبعد ذلك بالرغم من انه ممكن عملياً فتقول: انا لا أصدّق انك تفعل مثل هذا الوعد ولا اصدق صاحبك فيما وعدك.

لذلك ارتبط اليوم الآخر بالايمان والكفر ولم يأت معه لفظ التصديق أو التكذيب:

"لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر" المجادله/22

"ذلكم يوعظ به من يؤمن بالله واليوم الآخر" الطلاق/2

"من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم" البقرة/62

"ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر" النساء/38

"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر" التوبه/29

"ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر" النساء/136

وبصورة عامة لم يرد التكذيب والتصديق مع اليوم الآخر وورد معه الايمان والكفر بينما لم يرد الايمان والكفر بيوم الدين وانما ورد معه التصديق والتكذيب لان يوم الدين يوم تحقق الدين وهوَ وعد أو خبر سماوي يؤيده العقل والوجدان وممكن في عالم الامكان ولذلك تخيلّ الفلاسفة مثل هذا المجتمع المثالي العادل في جمهورياتهم لأنه أمر ممكن وقوعه كما مرّ عليك في أول الكتاب.

إن تحويل الاعتباط لوجهة الآيات الخاصة بالوعد المنتظر واعتبارها آيات تتحدث عن القيامة واليوم الآخر عن طريق الترادف له دلالته الهامة هنا.

فالاعتباط  شديد الذكاء فيما يتعلق بالتخريب والتحريف. لانك إذا أفرغت حركة التاريخ من تطورها الحتمي لتحقيق هذا الوعد فلا خطورة بعد ذلك إذا آمن الخلق بعالم الغيب فليؤمنوا به جميعاً وليقيموا الصلاة جميعاً فلا خطورة في ذلك على الاعتباط ولا خطورة في الدين.

لماذا؟ لانه إذا تمَّ فصل الدنيا عن ذلك العالم المثالي لا تجد من يسلك أي سلوك لتقريب هذا الوعد أو لتحقيق يوم الدين فالجميع سوف يسير في حركة الاعتباط شاء أم أبى آمن أم كفر بل سيكون أهل الدين انفسهم أول من يخدم الاعتباط الفكري لأنهم سيدعون أي دين لا علاقة له باية محاولة لتغيير الواقع.

فاذا ما صحا أهل الدين واعتقدوا انه يصلح لتغيير الواقع فانهم سيقومون بتشكيل مجموعات أو فئات تحاول تحقيق الدين وبنفسها وفي معزل عن القيادة أو الخلافة الالهية المقررة.

ومعلوم ان هؤلاء أسوأ وأضرّ على الخلق من أية فئة أخرى حتى لو كانت باتجاهات الحادية أو رأسمالية أو برجوازية أو غير ذلك. لماذا؟ لأن لهؤلاء صفات سيئة جداً لا تجدها عند أي حزب آخر مهما كانت طبيعية معتقداته منها مثلاً:

أولاً: ان هؤلاء سيقومون بتكفير من يخالفهم ولديهم من شدة البطش والانتقام ما يفوق أي عقيدة أخرى في التعامل مع مناوئيها فالعلمانية مثلاً لا تتحدث. عن كفر وايمان أو هكذا يفترض فيها بل تتحدث عن معارضة ومعارضين.

ثانياً:   انها اعتباط ديني فهو يخلق المزيد من التناحر والاختلاف شاء ام أبى أراد أم لم يرد لأنه يتعامل معَ نص الهي لم يفوض بالتعامل معه ومثل هذه الصفة مفقودة في الاتجاهات الأخرى إذ ستحرص إذا كانت وطنية على الوحدة الوطنية والمصالح الاقتصادية بصورة عامة.

ثالثاً: انها تحكم باسم الدين وهي ليست منه في شيء فتسيء بذلك إلى الدين مرتين بينما تكون الاساءة واحدة من قبل بقية الاتجاهات.

رابعاً:  من الخصائص الذاتية لهذه الفئات انها سريعة الانقسام والتشرذم فهي لا تفتأ تنقسم على نفسها الى تيارات وقيادات بسرعة مذهلة وبمقدورها ان تفعل ذلك لمجرد الاختلاف في مسألة واحدة فالحلال والحرام والحدود في الشرع الالهي يمنح هذه الفئات حُججاً ظاهرية للاختلاف وللتأويل وللتزمت لجهلها بحقائق الدين واعتمادها على جانب واحد في كل مسألة ونظرتها ذات البعد الواحد للأمور - فالدين سلاح ذو حدين فهو مع الذين يتخذونه هزواً ولعباً ولأجل مصالحهم يعاقبهم بأن يوصلهم إلى أبعد نقطة من الطغيان من غير أن يشعروا.

ومعلوم ان هذه الفئات (الدينية) في ظاهرها قد وقعت ضحية مؤامرة الاعتباط اللغوي والفكري فهي من جهة حُرمت حرماناً كاملاً من جميع السلطات وأصبحت مغضوباً عليها من جانب الحكام والساسة ومن جهة أخرى لم تقع على الخط الحقيقي للدين الالهي واصبحت من جملة المغضوب عليهم عند الله أو من الظالين فكانت في خسارة فادحة من الجهتين:

"قل هل نُنبئكم بالاخسرين اعمالا. الذين ظل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يُحسنون صنعاً". 1-3-104/الكهف. لقد بلغنا بالحديث الآن الى نقطة الخطورة التي تحتاج إلى مزيد من التوضيح فقد تسألني قائلاً وهل تتحدث هذه الآيات عن هذه الفئة أم عن الكفار؟

انها في الواقع تتحدث عن هذه الفئة الذين هم كفار لأنك أخي القارئ لا تختلف عني بشيء حينما كنت واقعاً تحت ظلمات الاعتباط فاني كنت مثلك تماماً اتصور الكافر هو ذلك الذي يعلن محاربته لَلديّن ويشكك بالنبوة والمعجزات ويعلم الجميع عنه هذا السلوك الذي لا يخفيه.

كلا ان مثل هذا الإنسان لن تكون له أعمال خير مكتوبة حتى تتحدث الآيات اللاحقة عن احباطها.

فقد عرّفت الآيات اللاحقة هذه المجموعة مجموعة (الاخسرين أعمالا) تعريفا آخر فقالت:

"أولئك الذين كفروا بآيات ربّهم ولقاءه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً" الكهف/105

ألم يمر عليك الحديث النبوي في العلامات حيث أكدت النصوص كلها إسْماً للعلامات هوَ (الآيات)؟

ألم يمر عليك فيما سبق من ابحاث ان النجم الموعود اسمه (نجم الآيات)؟

أليس طور الاستخلاف هوَ طور اللقاء بالرب حيث تتحقق صفات الرب للمربوب؟

فلا تحسب ان هذه المجموعة تحارب الدين علناً. كلا انها متمسكة به كأشد ما يكون التمسك ولها أعمال عظيمة وجليلة في نظر الناس عملتها لأجل الدين بما في ذلك ان بعض أفرادها يقاتلون في (سبيل الله) حسب تصورها.

لكن أعمالها كلها تحبط في النهاية و لا يقيم لهم الله يوم القيامة وزناً بخلاف ما اعتقدوا أو أعتقد فيهم الناس لأنها كفرت بآيات الله. لماذا؟ إذ قد تقول إنها إذن فئة غافلة عن حالتها فهي لا تعلم انها في ضلال وعملت ما عملت بنوايا صالحة وحسنة فلماذا لا تحاسب عن نواياها اليست القاعدة: "انما الأعمال بالنيات وانما لكل امرئٍ ما نوى؟

والجواب: نعم هذا بالضبط هوَ ما أوقعها وجعلها من الأخسرين أعمالاً، فهي إذ آمنت بالدين لم يكن إيمانها إلا لإظهار ذاتها وتحقيق مأربها فأخذت منه ما أرادت وتركت منه ما لا يلائم انتفاخ (الانا) في داخلها فاعتقدت انها تقّيم الدين بمفردها بمعزل عن الارادة الالهية.

فهي لا تؤمن ان الله قد حَتَّمَ تحقيق هذا الدين حتماً بطريق معين بل ترى ان تحقيقاً منوط بها ومن هنا كفرت بآيات الله.

ان الخط الفاصل بين الكفر والإيمان هوَ خط دقيق جداً، وما الصراط والحديث عن كونه (ادق من الشعرة وأحد من السيف) إلا تعبيراً دقيقاً آخر لضيق هذا الخط بحيث ان الميل عنه قَيَّدَ شعره يهوي به في قعر جهنم.

ليس في هذا التحديد حرج كما تتصور. لان هذا التحديد لا يخص الاعمال مطلقاً فان الله يرضى بالقليل من العمل ويجازي عليه ما لا يخطر على بال ويغفر الكثير من الذنوب ولو كانت مثل زبد البحر وسلاسل الجبال!

انما هذا التحديد يخص الذات ونواياها انه يخص الانا الذي هوَ داخل الإنسان يريد الظهور مقابل الله فيأخذ من الدين ما يلائمه ويهجر ما يلائمه فهنا يقع الانا في الفخ.

إذ ليس ثمة ظهور للذات مع الله. كل من يحاول الظهور مع الله في شيء من التشريع أو الأحكام يدخل في حيز الفناء حيث العذاب الابدي فلا أحد مع المطلق يمكنه الظهور إلا ويكون ضمن حدود الفناء الابدي - لأن الوجود كله هوَ وجود المطلق بمعنى انه لا شيء غير المطلق سوى الفناء.

وهكذا ذهبت عبادة ابليس الماضية وحبط عمله الذي عمله مدة ستة آلاف سنة وفي نص ستين الف سنة هباءً حينما قال:

"أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"

فحينما تحدث عن ذاته مقابل أمر الله بقوله (انا) كفر بهذا القول وحبط عمله.

وهل من الممكن الدفاع عن ابليس بحجة انه يعتقد فعلاً انه أفضل من آدم؟ وبالتالي فنواياه حسنة؟

بالطبع هنا مربط الفرس أو بيت القصيد إذ لو لم يعتقد فعلا بالأفضلية لما كان يؤاخذ بما قال، فاعتقاده هذا هُوَ الكفر.

لو كان لا يعتقد ذلك لكان ما في لسانه غير ما قلبه انما كان ابليس في هذه صادقاً كان الصدق ولذلك حقت عليه اللعنة.

لماذا؟ لانك تتوهم إذا حسبت الموضوع مثل ما يحدث في الاعمال فالاعتقاد شيء مختلف عن الاعمال.

لا يؤاخذ الله رجلاً شربَ مائعاً وهو يعتقد فعلاً انه غير مسكر وعمل جهده للتأكد. في التشريع هذا الرجل لا يؤاخذ لانه لم يكن ناوياً شربَ المسكر أصلاً. فهنا تظهر حقيقة ان الأعمال وليس الاعتقادات بالنيّات إذ يجب عليك التأكد من كل لفظ في النص النبوي.

ولكن إذا اعتقد الرجل المذكور أن شرب المسكر كان يجب على الله ان يحله ولا يحرمه فان الأمر سينقلب فكلما ترسخ اعتقاده هذا كلما ترسخ في مزيد من الكفر وان لم يشرب من المسكر قطرة واحدة لماذا. لأنه في الحالة الأولى لم يكن يرغب في معاندة الله أو العمل بخلاف ما اراد وفي الحالة الجديدة تكمن رغبته في معاندة الله والعمل بخلاف ما اراد. وانت لا تعلم نوايا الخلق ولا تستطيع تحديد ما في قلوبهم فكم من تشريع وكم من حكم في الدين وكم من تفصيل. ولذلك فمن المحتمل ان يكون هناك شرّاح ومفسرين للدين وهم يعاندون الله من خلال تخريج احكامه بخلاف ما اراد فلا يظهر ذلك لك بصورة جلية دائماً.

فكما قال ابليس (انا خير منه خلقني) فكفر كفرت مجموعة الأخَرين أعمالاً حينما قالت في انفسها نحن خير من المهدي الموعود في اقامة الدين!

إذ لا فرق هنا مطلقاً فكما وعد الله الملائكة بكائن ينفخ فيه الروح قائلاً "فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين"، وعدَ الله رسوله (ص) برجل من ذريته يملأ الأرض قسطاً وعدلاً فكل عمل تعمله هذه المجموعة خارج نطاق قيادة هذا الرجل سيكون مُحبطاً يوم القيامة.

إذ كيف تسعى انت للقيادة وتحقيق الدين من خلالك والقيادة الالهية موجودة؟ لأنك في هذه الحالة تختار الدين بطريقتك لا بطريقة الله.

وما الفرق بين هذا وبين قول ابليس (انا خير منه)؟

فإذا قيل: فأينَ هوَ ذا الرجل الموعود فان بعض الفئات والمذاهب يؤمن بهذا الوعد ولكنه يرى انه رجل يولد في آخر الزمان!

اقول لا فرق يذكر هنا فانك لا تعلم ربما يكون الآن مولوداً وبعمر الرجال فاي عمل يعمله المرء خارج قيادته عملٌ محبطٌ، لأن الله عين قائداً لهذا الطور وانت اتخذت قيادة غير ما اختاره الله. فإذا قلت: فكيف اعمل تحت قيادته وانا لا أدري أين هوَ ولا أعرفه. أقول ليسَ المقصود بالعمل تحت قيادته ان تراه أو تدري أين هُوَ انما المقصود ان تدعو الخلق إلى استقبال قيادته وان يعملوا لأجل هذا الطور لا أن تطالب بدولة تقودها أنت وأصحابك تسميها دولة دينية أو إسلامية وهي منخورة من داخلها نخراً وتعتمد فيها على ما يتصدق به الصندوق الدولي وتسلحها بالأسلحة الصدأه العتيقة التي تتصدق بها عليك الدول الصناعية بعد طول مغازلة معها وتنازلات كثيرة عن (توجهاتك الدينية) المزعومة تفعلها مضطراً وتضطر لان تكذب على الجماهير وتخطب الخطب الحماسية الجوفاء للتعويض عن التنازلات السرية المعلنة!

عن أية دولة دينية تتحدث هذه الفئات الجاهلة الغارقة في وحل الشبهات والاعتباط؟

وهل توحدت يوماً منذ أربعة عشر قرناً بشأن اعراب أو معنى آية واحدة من كتاب الله حتى تدعي القدرة على بناء دولة دينية توحد العالم؟

ان الدولة الدينية تتميز بكونها تنفّذ شريعة الله ومعلوم ان الحاكم في هذه الدولة يجب أن يكون حاكماً بقانون من نفس الشريعة، فانت لا تجد في الدولة الوضعية قاضياً يحكم بالقانون والقاضي نفسه لم يعين بالقانون ولا تجد جماعة من الناس تطلب مثل هذا المطلب فالناس يزَوّرون الكثير من المناصب ولكن هل سمعت في حياتك بوجود محكمة مزوَّرة فيها قاضي مزوَّر لم يعيَّن بنفس القانون؟ وانما جاء به الناس واختاروه بمحض ارادتهم ولم يكن قد اجتاز مراحل دراسة القانون والتفقه فيه بحيث انه حصل على وثيقة قانونية بالتعيين؟ كلا لن تجد مثل هذهِ الحالة في أسوأ دول العالم.

فكيف يمكن تصوّر دولة التشريع الالهي يحكمها رجل لم يُعَيَّنْ بنفس التشريع الالهي؟

ذلك لأننا إذا فعلنا ذلك فليس له أي معنى سوى أننا نريد دولة مزورة ومزيفة لا ينطبق عليها مفهوم دولة التشريع الالهي إلا بالاسم فقط.

وانظر القرآن الكريم هل تجد فيه أحداً حكم الناس إلا بأمر الهي مباشر؟ فلنلاحظ مفردة (حكم) في القرآن في بعض الموارد:

المورد الأول

"وإن حكمتَ فاحكم بينهم بالقسطِ ان الله يحب المقسطين"  المائدة/42

فالمخاطب هنا النبي (ص).

المورد الثاني

"انا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله" النساء/105

إذن فانزال الكتاب هو لغاية واضحة وهي (لتحكم بين الناس) والمخاطب هوَ النبي (ص) - إذ لو جازَ لأي أحد غيره ان يحكم لقال (لتحكموا) أو (ليحكموا) بين الناس.

المورد الثالث

"انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيّون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون بما استُحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء" المائدة/44

فالذين يحكمون بالتوراة هم (النبيون)، ثم عطف الربانيون والاحبار بشرط وهو (بما أستُحفظوا) لأن هذه الباء تقوم مقام الشرط في المفهوم كما في المورد الأول "بما اراك الله" فاصبح مشروطاً بهذه الواسطة.

كما لو قلت لك "انما ارسلت لك لتأتيني بالكتب التي لديك" فانت تفهم أن مجيئك وَحدهُ ليس هو الغاية إنما الغاية ان تجيء ومعك الكتب. كذلك لو قلت "لتأتيني بسيارتك" فأنك تفهم اني اريد مجيئك بهذا الشرط.

إذن فالربانيون والاحبار يحكمون (بما استُحفظوا من كتاب الله) وبينما النبيّون يحكمون (بها) أي التوراة فالضمير يعود على التوراة.

فما هو الذي إستحفظ الربانيين والاحبار لان الفعل بني على المجهول، (بما أستُحفظوا)؟

استحفظهم النبيون، ولم يستحفظوا من تلقاء انفسهم، وذلك لأن حكم النبيين بالتوراة فهم يحكمون بما أنزل الله واذ استحفظوا أحداً كان ذلك حكماً لله لأنه أحد أحكامهم.

من هنا نفهم المورد الأول:

"انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله" إذ يبرز هنا سؤال وجيه وهو ان الكتاب باق ولكن النبي (ص) راحل فاذا حكم مدة حياته بين الناس بما أراه الله فمن يحكم من بعده بنفس هذهِ الصورة؟

أقول الجواب واضح: فاذا قال يحكم من بعدي فلان فهو حكم من أحكام الله.

وقد تقول فالذي يقول لا يجب عليه ان يقول يحكم من بعدي فلان؟

أقول إذن فقد كفر هذا القائل لأن النبي (ص) لا بد أن يقول يحكم من بعدي فلان وإلا فلا فائدة من كل ما فعل لان الخلق يعودون إلى الضلال مجدداً.

فإذا قلت: فلماذا لا يكون في فعله وفي الكتاب ما يغني عن هذا القول؟

أقول أن من يقول ذلك يكفر لا شك في ذلك لأنه ينسب إلى الله الجهل والنقص إذ يزعم أن مبلِّغاً واحداً يكفي الخلق فارسل الله الرسل مبشرين ومنذرين وجمع الأنبياء في الحكم وكذلك الاحبار والربانيون في آية واحدة:

"يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله".

فمن يقول ذلك فأنه يزعم ان هذه الجموع زائدة عن حاجة المجتمع، بل سيكون إرسال الرسل من بعد آدم (ع) كله عبث في عبث. لكن المعترض يدرك جيداً انه يوصي أولاده إذا خرج من الدار ويعود فيجدهم عملوا بغير ما أوصى وقام بعضهم بتأويل كلامه على غير ما اراد ويلق بعضهم على بعض اللوم وسوء تأويل امر الوالد وان ذلك ليحدث في كل يوم في كل مكان فيه عمل.

ويتمنى بالطبع هذا المعترض ان يكون له ولد بالغ الذكاء يقوم باعماله كما يجب ويفهم كلامه كما هو ويعلَم مراده.

لكن المعترض اناني إلى حد مقرف! فهو يستكثر على ربه ما يتمناه هو دائماً خينما يزعم ان الله غني عمن يفهم مراد كلامه ليوضحه إلى خلقه!

بلى ان الله لغني عن الخلق كلِهِ وانما يفعل ذلك لطفاً بالعباد ونشراً لآثار رحمته.

غير ان هناك تناقضاً فاضحاً آخر في قول المعترض إذْ أرجع الحكم إلى الكتاب وهو في عين الوقت يقول ان الكتاب لا يعلم تأويله إلا الله. فهذا اقرار منه ان لا أحد يقدر على الحكم بالكتاب!

وبصفة عامة فالغربيون محقّون حينما يقول بعضهم "لا يمكن استخلاص عقيدة متجانسة ومنطقية من الدين الاسلامي"!

لأن الدين الاسلامي الذي عرفوه هو من مثل هذه الاقوال المتهافته والمتناقضه التي رسخها الاعتباط الفكري واللغوي والتي لا تمت بأية صلة لما جاء به رسول الله (ص). 

المورد الرابع

"إن الحكمُ إلا الله" يوسف/67

إنْ نافية وإلا اداة حصر والآية تحصر الحكم في الملكية لله وحده فهو غاية هذا الحكم.

وهذه الآية بمفردها تسقط كل ما قاله الاعتباط. وسبب ذلك ان المنطق الصحيح يحتاج إلى تسلسل مترابط فإذا انفصمت في السلسلة المنطقية مقولتان سقط الاعتبار عن جميع النتائج. وهذه القاعدة هي التي بنيت عليها التقنيات المتطورة في العصر الحديث بما في ذلك العقل الالكتروني.

ومعنى ذلك ان أي قرار يتخذ إذا لم يرتبط بحكم الله بتسلسل منطقي يخلو من الثغرات فهو حكم خارج عن التشريع الالهي. وما الفقه والفقاهة وعلم الأصول وعلم الكلام إلا محاولة للربط المنطقي بسلسلة الحكم بحيث ان الفتوى يُعتقد انها صادرة عن الله بربطها بتسلسل منطقي إلى الكتاب أو السُنَّة.

ولكن مع الاعتباط في الاصول واعتباطية الدلالة اللغوية لم يحصل الفقه والفقاهة على نتائج حاسمة كما أراد.

وانى له بالحصول على ذلك وهو يحطّم التسلسل المنطقي في هذه الآية المرتبطة بمجموع الأحكام؟

فالآية تقرر ان كل حكم صغير أو كبير هو للهِ فمن يقدر على اصدار حكم متصل منطقياً بحكم الله فهو حكم الله ومَنْ لم يستطع فذلك حكمه لا حكم الله.

واخطر حكم هو ما يتعلق بالحكم نفسه أي بمن يحكم فذلك أول شيء يجب ان يكون فيه الحكم لله.

فمن قال: ان الله اصدر احكاماً وفوض الينا اختيار من ينفّذ تلك الأحكام فنحن نختار الحاكم فقد كفر منذ تلك اللحظة إذ يتوجب عليه إثبات ان الحكم بأمر الله ليس من جملة أحكام الله! وهذا منتهى الغاية من الكفر والتحدي لله.

فإذا قلت الحكم بأمر الله من جملة الأحكام ولكن الحاكم منوط بالاختيار قلت: والاختيار باق كما قلنا فتحديد الحاكم لا يلغي الاختيار شأنه شأن أي حكم آخر ومحال ان يشار إلى كل حكم باستثناء شروط الحاكم فكأن القائل يزعم أن شروط الحاكم خارج عن تحديد الشرع.

فالآن يضطر القائل للزعم: ان الشروط من جملة الشرع ونحن قد فوض الينا الله تنفيذ تلك الشروط.

أقول أهلاً وسهلاً فاننا نريد حاكماً كما اشترط الله عالماً بكلامهِ لا يسال أحداً من الخلق لأنه إذا سأل أحداً عن حكم سقطت جميع الشروط فكأن الحاكم الفعلي اصبح غيره وبالتالي أخطأ السائل في تحديده إذ كان يتوجب عليه اختيار ذلك الرجل الذي أجاب لانه أعلم.

فانظر معي اليستْ نظرية الاختيار من أفكار ابليس إذ لا فرق هنا فكما قال الله أسجدوا لآدم فقال ابليس (أنا خير منه) فحدّدَ الافضل فكذلك نظرية الاختيار تزعم انها تحدد الأفضل وكأن الله يقدر على اصدار كل الأحكام باستثناء الحكم المتعلق بالحاكم! إنما غاية النظرية أصلاً الخروج عن اختيار الله.

فإذا قلت فما العمل إذا لم يفعل الخلق كما أمر الله أنبقى بغير حاكم؟

الجواب: وما شأنك أنت بالحاكم إذا لم ترد أن تكون ذلك الحاكم فيحل عليك غضب من ربكَ ونقمة؟

دع الخلقَ يختاروا حاكمهم واعتزلهم وما يعبدون من دون الله فما جعلك الله عليهم وكيلاً ولا حفيظاً.

إذا كنت تخاف الله فليس عليك سوى أن تكون صحيح الاعتقاد فإذا ساء الاعتقاد لم ينفع العمل وإذا حسن الاعتقاد قبل منك ما تقدر عليه من الاعمال.

أم أنك تظن أن بمقدورك أن تخدع الله تقول يا ربّ لم ينفذ الخلق أمرك وسأرحمهم بدلاً عنك وأكون حاكماً عليهم!

أم تقول سأرشح فلاناً فأنه رجل تقوى وعبادة وأتوسم فيه الخير والصلاح وكأن الله لا يعلم من هو فلان الذي اتخذته خليلاً من دون الله.

تريد أن تكون وكيلاً عن الخلق وحفيظاً عليهم و (محمد) رسول الله نفسه لم يكن كذلك فما أشد غرورك إذن وعتوك عن أمر ربك فلعل الله ياخذهم بغتة بعذاب واصب فما شأنك انت ايها الزاعم انك ترغب في رضا الربّ بل يقع هذا العذاب حتماً كجزءٍ من الوعدِ المنتظر ويطولكَ العذاب كما طالهم:

"إن يشأ يرحمكم وأن يشأ يعذبكم وما ارسلناك عليهم وكيلا" الاسراء/54

"وكذبَّ به قومك وهُوَ الحق قل لست عليكم بوكيل" الانعام/66

"وما جعلناك عليهم حفيظاً وما انت عليهم بوكيل"  الانعام/107

"قل يا ايها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها وما انا عليكم بوكيل" يونس/108

"ومن يطع الرسول فقد اطاع الله ومن تولىّ فما ارسلناك عليهم حفيظا"      النساء/80

فهل تحسن ربط هذهِ الألفاظ مع بعضها البعض وعلاقتها بالاختيار وبالوعد الإلهي المنتظر؟

إذا كنت لا تقدر على هذا الربط فانظر هذه الآية التي تعد بالعذاب:

"استجيبوا لربكم من قبل ان يأتي يوم لا مرّدَ له من الله مالكم من ملجأ يومئذٍ ومالكم من نكير. فان عرضوا فما ارسلناك عليهم حفيظاً ان عليك الاّ البلاغ.."      الشورى47/48.

فالرسول (ص) ليس عليه الاّ البلاغ أماّ انتم فاعطاكم الله مالم يُعط لرسوله: هو عليه البلاغ فقط وانتم لكم الحكم!

هُوَ لا يكون وكيلاً عن الخلق وانتم تكونون!

هُوَ لا يكون حفيظاً على الخلق وانتم تكونون!

هُوَ لا يختار احداً يحكم بكتاب الله ولو على سبيل الوصية التي يبقى معها الاختيار مفتوحاً اما انتم فتحملون السيوف على الرؤوس وتأمرون الناس ان يبايعوا!

هو لم يوص لاحدٍ من الخلق وانتم تتوارثون الملك!

"ألكم الذكر وله الانثى؟ تلك إذن قسمة ضيزى"     النجم/21-22

فإذا قلت يتوجب من كل ذلك القول: ان كل من شارك في الحكم على غير ما اختاره الله فقد كفر!

أقول وهل نتج شئ غير ذلك؟ فربك يريد ان يملأ جهنّم من الجنة والناس اجمعين فما شأنك أنت؟

ام تزعم ان الناجين من النار وهم (ثلة من الاولين وثلة من الآخرين) حسب النص القرآني هم اولئك الحكام فقط واتباعهم؟ إذن فستكون الجماهير كلها من أهل النار! فهل ترضى بمثل هذه النتيجة؟

انت تريد ان تنقذ نفسك من عذاب الله إذن عليك اعادة النظر بكل المسلماّت التي ورثتها من آباءك! يجب ان تمررّ كل ما ورثته في غربال فتختار مجدداً لانّ الله يحاسب العباد واحداً واحداً ولا يقبل عذراً من قبيل: وجدت آبائي يفعلون كذا ويعتقدون كذا فانت تعلم انه رفض هذا العذر.

وانت تعلم أيضاً انه ماكر بل هُوَ (خير الماكرين) فهل تأمن مكر الله؟ "فلا يأمن مكر اللهِ الاّ القومُ الفاسقون" وانت لا تعلم أين رضاه واين غضبه فلعل رضاه في ما انكرت وغضبه في ما اعتقدت وباختصار عليك ان تخلع كل لبوس البسته القرون الماضية لك وتختار مجدداً...

فما ادراك ان ما انكرته هُوَ الحق؟ بلى كان الامام علي (ع) يقول على المنبر مراراً:

"ايها الناس ان اكثر الحق في ما تنكرون".

فلاحظ ملياً هذه العبارة فانه مصيرك، فالحكم لله دوماً وابداً وذلك ما قاله جماعة من الأئمة (ع) قالوا:

"لا تخلو الأرض منذ آدم من حجة لله على خلقه يعرفه الخلق باسمه ونسبه كي لا يكون للناس حجة على الله" واذا دار في خلدك انك تعتذر قائلاً:

بلى يا رب سمعت بذلك ولكني وجدت اكثر الأمة على خلاف هذا القول فتابعتهم خصَمكَ الله واخرسك لانه سيقول عبدي وهل رأيتني ذكرت مرة أكثرية الخلق الاّ وذممتهم في كتابي؟

فلماذا عاندتني وتابعت الأكثرية وانت تعلم أنيّ أمقتها؟

الم تسمع اني قلت:

"لتنذر قوماً ما انذر آباؤهم فهم غافلون، لقد حق القول على اكثرهم فهم لا يؤمنون"

وقلت في سورة واحدة ثماني مرات:

"ان في ذلك لآية وما كان اكثرهم مؤمنين"

الشعراء/8-67-103-121-139-158-174-190 وقلت:

"لقد حق القول على اكثرهم فهم لايؤمنون انا جعلنا في اعناقهم اغلالاً فهي إلى الاذقان فهم مقتحمون. وجعلنا من بين ايديهم سدّاً ومن خلفهم سدّاً فاغشيناهم فهم لا يبصرون"  يس/7-9.

وقلت:

"وما يؤمن اكثرهم بالله الاّ وهم مشركون"  يوسف/106

وقلت:

"لقد جئناكم بالحق ولكن اكثركم للحق كارهون"       الزخرف/87

وقلت:

"ولكن اكثر الناس لا يشكرون"       البقرة/243

"ولكن اكثر الناس لا يعلمون"         يوسف/21-68-38

وقلت: "وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين"       يوسف/103

"ولكن اكثر الناس لا يؤمنون"         الرعد/1  غافر/57

وقلت: "يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها واكثرهم الكافرون"  النحل/83

وقلت:

"حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون. بشيراً ونذيراً فاعرض اكثرهم فهم لا يسمعون"           فصلت/1-4

فهل رأيتني أحببتُ اكثرهم لتعتذر بهذا العذر؟ عذرك أسوأ من فعلك وعذرك موبقة جديدة اعترفت بها فما راك تنجو وانت بعقل يميز الخبيث من الطيب مع قاضٍ يعلم الخفايا وما تكن الصدور.

المورد الخامس

"قل الله اعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حُكمِه احداً"    الكهف/26

اوّد ان تفهم معي بصورة جدية هذا المقطع من الآية: "ولا يشرك في حُكمه أحداً" اذ ليس المقصود انه لا يستشير أحداً في الحكم أو يستعين بأحد في اتخاذ القرار لان هذا أمرٌ مفروغٌ منه المقصود ان أي كائن في الوجود لا يمكن ان يكون له حكم ذاتي المنشأ ويكون في عين الوقت حكماً لله، أي ان هذا لا يحدث حتى مصادفة رغم ان احتمالاته غير متناهية.

فكل قرار يتخذ من أي مخلوق في الوجود هو احد ضربين اماّ ان يكون من الله فهو حكم الله جرى على لسان ويد ذلك المخلوق وأما ان يكون من أحكام ذلك المخلوق فهو دوماً خارج عن حكم الله - لذلك فلا احد يسبقه في حكم فيكون شريكاً.

وأي كائن في العالم لا يمكن أن يتصف بهذه الصفة مطلقاً إذ يسبقهُ مخلوق آخر في حكم فيرضاه ويكون حكماً لهما في آن واحد للأول البدء والابتكار وللثاني الفهم والموافقة.

ومعنى هذه العبارة انه لا وجود لكائن يقول افعل كذا وأعمل كذا ويرضى الربّ!

بل يقول يريد الرب كذا ويرضى بكذا فأفعل.

فإذا غربلت الخلق كلهم بهذا الغربال وجدت أكثرهم يقولون نفعل كذا ونقول كذا فالرب يرضى وسوف يخرج أكثرهم من الغربال.

لأنهم  يريدون أن يعملوا على مقتضى ذواتهم وأهواءهم فيزعمون أن ذلك يرضي الرب ويقومون بتأويل كلامه ليطابق أفعالهم:

"أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون"       العنكبوت/4

لاحظ ارتباط سوء الحكم بمحاولة سبق الله باتخاذ القرار.

وإذا كان من المحال ان يسبقه تعالى أحدٌ من الخلق في الحكم فمن المحال أيضاً أن يُدخل أحدٌ من الخلق حكمه في تفاصيل حكمهِ تعالى مُعَقِباً على حكمه فالتعقيب هوَ الآخر محال:

"والله يحكم لا مُعَقِبَ لِحُكمِهِ وهوَ سريع الحساب" الرعد/41

إذن فالسبق بالحكم محال على الخلق واللحاق بحكمه تعقيباً محال على الخلق وغير مقدور لسرعة القيام بالحساب فحكمه تعالى مستقل بذاتِهِ كذاتِهِ.

فهنا يتهافت الخلق إذ يدعون أشياء كثيرة وينكرون ما شاءوا ويقررون ما شاءوا زاعمين إلى ذلك كله من حكم الله أو جارياً في مجراه.

موارد اتياء الحكم: نلاحظ موارد اتياء الحكم في القرآن فنجد أيضاً ان الحكم بتفويض من الله تعالى بسبب استقلالية حكمه عن حكم العباد.

ومعنى ذلك أنه لما كان من غير المقدور سبقه بالحكم أو تعقب حكمه أصبح من غير المقدور أن يحكم أي مخلوق إلا بإذن الله وأمره وتفويض منه حيث يعلّمه هوَ حكمه المستقل.

فكل حاكم لم يفوضه تعالى تفويضاً بصريح العبارة معلناً للخلق كافة فهو جبار عنيد يريد مشاركة الله في الحكم ولا يقدر ابداً أن يشاركه في أي تفصيل من الأحكام ولو مصادفةً لافتراق حكمِهِ عن حكم الخلق.

لذلك فالذين رضي حكمهم هم الذين آتاهم هوَ هذا الحكم فهم وحدهم الخلفاء بحق:

"ولوطاً آتيناه حكماً وعلماً" الأنبياء/74

"ولمّا بلغ اشده واستوى آتيناه حكماً وعلماً" القصص/14

"ففهمناها سليمان وكلاً آتيناه حكماً وعلماً"  الانبياء/79

"يا داود انا جعلناكَ خليفةً في الأرض فاحكم

 بين الناسِ بالحقِ"             صاد/26

ثم جمع الذين آتاهم الحكم في سياق مستمر واحد فقال:

"وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه نرفع درجات من تشاء ان ربك حكيم عليم. ووهبنا له اسحق ويعقوب كلاً هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وايوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين. وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كلٌ من الصالحين. واسماعيل واليسَعَ ويونسَ وكلاً فضلنا على العالمين. ومن آباءهم وذريتهم واخوانهم واجتبيانهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون. أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة..". الانعام/83-89

وبامكانك ملاحظة الألفاظ في الآيات للتأكد من المواضيع السابقة فلاحظ احباط العمل ولاحظ الروابط في الذريّة والانساب ولا حظ ان هؤلاء هم الذين آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة.. فالزعم ان الكتاب يتصدى له أي فرد بعلمه الخاص من غير تفويض الهي والزعم ان الحكم يتصدى له المخلوق بغير أمرٍ صريح هوَ شرك يفضي إلى الكفر فلاحظ تكملة الآيات:

"... اولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فان يكفر بها هؤلاء فقد وكَّلنا بها قوماً ليسوا بها كافرين..".

إذن فالسنة الالهية جارية ومستمرة فالقرآن له حملة وقد خصص الله له من يوضّح اسراره للخلق ووكَّلَ للحكم والكتاب قوماً لم يكفروا بهذه السنة الجارية ولأنها حجة الله على خلقه فلاحظ ابتداء الآيات بالحجة: "وتلكَ حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه..".

وبصفة عامة فأن موارد الحكم في القرآن تؤكد هذه الحقيقة لأنها في الواقع جوهر ما انطوى عليه التوحيد إذ لو كان للانسان اختيار كهذا أنتفى الفرق بين الخالق والمخلوق انما اختيار الإنسان في الفرع لا في الاصل.. بمعنى ان للانسان قدرة على اختيار ما اختاره الله او اختيار سواه فهو حرّ من هذه الجهة فقط ولكن لا يمكن ان تتجاوز حريته الحد الذي يمكنه فيه تغيير اختيار الله أو اعتباره ما يُعجبه من الخيارات هُوَ خيار الله وهذا تفريق هام جداً تغافله المتشتدقون بالحرية والذين هم الدّ اعداءها. فمثل هذا التفريق معلوم ومنفذّ بالسليقة بين الناس اذ لو ادعى الابن ان ما يفعله دوماً سيرضي الوالد وان ما يشتكي منه الوالد من  معصية الابن لا يخصّه انما يخصّ اخوته الآخرين زاعماً ان الوالد موافق دائماً على ما يفعل لخرج العقلاء باحدى نتيجتين ام سقوط الوالد عن الاعتبار لانه لا رأي له ولا استقلال واماَّ كذب الابن وافتراءه.

إذن فالقائلون نحن نحكم الناس بالعدل وما نفعله خدمة للمجتمع ترضي الله ويؤجرنا عليها انما يريدون املاء شروطهم على الله فيفعلون ما شاءوا ويحكمون في الاشياء بحكمهم ويريدون من الله ان يوافق عليها فاولئك عنده يوصف احدهم بتسعة صفات وردت في سياق قرآني متصل بألفاظ مفردة مع ثلاثة صفات أخرى عامة بجمل وعبارات إحداها بصيغة الجمع فالمجموع اثنتا عشرة صفة في نفس السياق من سورة القلم:

1.  فلا تطع المكذبين

2.  ودّوا لو تدهن فيدهنون

3.  ولا تطع كل حلافٍ

4.  مهين

5.  همازّ

6.  مشاءٍ بنميم

6.  مناع للخير

7.  معتدٍ

8.  أثيم

9.  عُتل

10.   بعد ذلك زنيم

11.   أن كان ذا مال وبنين. إذا تتلى عليه آياتنا قال اساطير الأولين. القلم/آيات/8-15

فالارتباط اللفظي في هذا السياق متشابك مع جميع الآيات التي تتحدث عن هذه الفئة وخصائصها فعلى سبيل المثال:

1.  فلا تطع المكذبين: مرتبط بالوعد الإلهي أي بيوم الدين لأنّ هؤلاء اول المكذبين بالوعد فالوعد يستلزم سقوط جميع انظمة الحكم والبدء بطور جديد في حياة الخلق ونظام طبيعي جديد فالتكذيب به مرتبط بقوله تعالى "يكذبون بيوم الدين".

فلفظ المكذبين يختلف كلياً عن لفظ (الكاذبين) الوارد في آيات أخرى فانتبه لذلك فالمجموعة واحدة والصفات مختلفة.

2.  ودوّا لو تدهن فيدهنون: تلاحظ ارتباطه بقوله تعالى "افبهذا الحديث انتم مدهنون" الواقعة/81 وهُوَ كما تعلم في سياق نفي القسم (بمواقع النجوم) فالحديث المكذب به والذي يدهنون به هُوَ حديث الوعد المنتظر.

ومعلوم ان هؤلاء يرغبون اشد الرغبة في الحصول على مخالفات للنبي (ص) ومداهنات لكي يبرروا المداهنة في الدّين واحداث التغيير الملائم لاهواءكم. ولذلك كثرت الدعاوى عن: اخطاءه (ص)، ونسيانه، ومخالفته الوحي، وعبوسه بوجه الاعمى، وحيرته في الأوامر والنواهي مما سطرّه الاعتباط التفسيري واللغوي خدمة للذين ودّوا ان يدهن فيدهنون.

3.  ولا تطع كل حلاّف: مقترن لفظياً بجميع مواضع حلفهم بالايمان المغلظة (انهم لمنكم وماهم منكم ولكنهم قومٌ يفرقون) وبجميع موارد حلفهم الستة في سورة التوبة فهي كلها فيهم وذلك لانهم من جماعة (المسلمين) فظاهرهم الاسلام وحقيقتهم الكفر كما في المورد الرابع منها وهذه الموارد هي:

أ.     (وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون انفسهم والله يعلم انهم لكاذبون) /42.

ب.    (ويحلفون بالله انهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون)       /56.

ج.    (يحلفون بالله ليرضوكم والله ورسوله احق ان يرضوه ان كانوا مؤمنين)   /62.

د.     (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهمّوا بما لم ينالوا...)/74.

هـ.  (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم اليهم لتعرضوا عنهم فاعرضوا عنهم انهم رجس ومأواهم جهنم بما كانوا يكسبون)  /95.

و.     (يحلفون لكم لترضوا عنهم فان ترضوا عنهم فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين)        /96.

ولكن يبدو ان هذه التحذيرات لم تنفع واختلطت الاوراق على المؤمنين فصاروا لغفلتهم وهجرانهم لكتاب الله راضين كل الرضا عن اولئك الذين حكموا او يريدون ان يحكموهم باسم الدين. فهذا يناقض الايمان لان من اساسيات الايمان بالله الايمان بالوعد الالهي واليوم الآخر الذي يستلزم كشرط لا بد منه الايمان بوجود القيادة الالهية فالتصديق بهؤلاء يستلزم حتماً التكذيب الفعلي بيوم الدين وان لهج اللسان بالتصديق فان ذلك لا ينفع شيئاً اذ المعول عليه هو التوجه القلبي والعملي لتقريب يوم الدين.

وكذلك فان صفة (الحلاَّف) مرتبط بالموارد الستة الأخرى المتفرقة في القرآن بخصوص هذه الجماعات فالعدد الكلي للاقتران اللفظي مع مورد الحلاف أثنا عشر فهنا توافق عددي آخر يسري في النظام القرآني بأدق التفاصيل.

والموارد الستة الأخرى هي:

ز.    (والذين اتخذوا مسجداً ضِراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلّفن ان اردنا الاّ الحسنى والله يشهد انهم لكاذبون) التوبة/107

فكذلك تبني هذه الفئات المساجد للاهداف المذكورة في الآية فهي مساجد مذهبية وطائفية غايتها التفريق والارصاد والكفر لتكريس الاهواء المختلفة وتأسيس (مبادئ) للتحريف.

ح.    مورد سورة النساء وفيه اقترانات لفظية أخرى مع (الحكم) و (الطاغوت) وغيرها.

(الم تر إلى الذين يزعمون انهم آمنوا بما انزل اليك وما انزل من قبلك يريدون ان يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ان يكفروا به ويريد الشيطان ان يضلهم ضلالاً بعيدا)

ثم قال:

(واذا قيل لهم تعالوا إلى ما انزل الله رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا. فكيف إذا اصابتهم مصيبة بما قدمت ايديهم ثم جاءوك يحلفون بالله ان اردنا الا إحساناً وتوفيقا) النساء/60-62.

ط.    موارد سورة المجادلة

(الم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون) المجادلة/15

المجموعات هنا ثلاثة: المخاطب وهو النبي (ص) ومجموعته المؤمنون والذين تولوا قوماً-مجموعة ولقوم المغضوب عليهم مجموعة فهذا النظام يذكرنا بالمجموعات الثلاثة في سورة الفاتحة فالمغضوب عليهم بنفس الاسم والمجموعة التابعة التي تولتهم هي بالنتيحة مجموعة الضالين.

ي.    (يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كمل يحلفون لكم ويحسبون انهم على شتى الا انهم هم الكاذبون) المجادلة/18

لاحظ هنا الاقتران اللفظي مع اول آية بدأنا الحديث بها:

"ويحسبون انهم يحسنون صنعاً"

ك:    المورد الثاني عشر: ولا تطع كل حلافّ مهين-موضوع البحث.

4.  مَهين: مقترن بالعذاب المهين في جميع الموارد ومع ان عددها أربعة عشر مورداً فان اخراج الموارد المتعلقة بوقائع الماضي وملاحظة اقترانها بموارد الوعد المستقبلي فقط يعيد لنا التوافق العددي مرة أخرى وبطبقة ثالثة من الاقتران. فالموارد الماضية هي موردان الأول في بني اسرائيل:

(ولقد نجينّا اسرائيل من العذاب المهين)-والآخر في الجان الذين مع سليمان "ان لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين".

فالموارد الأخرى وعددها اثنا عشر أيضاً مقترنة لفظياً بهذه المجموعة لأنها ارتبطت بصفاتها وخصائصها مثل: الكفر-الاستكبار غضب الله عليها-عصيان الرسول (ص)، تعدي الحدود-التكذيب...الخ.

لكنه في سورة القلم وصفه بانه (مهين) في الدنّيا لان تلك حقيقته الا تراهم كيف تظهر عليهم تلك المهانة حينما يفقدون السلطان والمال؟

5.  هماز: مقترن بالهَمزْ وهُوَ اللفظ الوارد في سورة الهُمزَةّ، فالسورة مخصصة لافراد هذه الفئة أيضاً:

"ويل لكل همزةٍ لمُزة، الذي جمع مالاً وعَددّه، يحسب ان ماله اخلده، كلا لينبُذّن في الحُطمة. وَما ادراك ما الحطمة نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة انها عليهم مؤصدة في عَمدٍ ممددّة".

فإذا رغبت في السير قدما بهذه العلامات وسبر غور الاقتران وجدت في كل لفظ من السورة دليلاً يعيدك إلى المواضع الاولى أو يفتح لك ابواب المواضع الجديدة التي تتحدث عن هذه المجموعة. مثال ذلك: اقتران تلاحظه واضحاً بين الهمزة واللمزَة. فاذا تحركت وفق لفظ (اللمز) اعادك إلى خصائص عن تلك المجموعة ذاتها في سورة التوبة كقوله تعالى:

"ومنهم من يلزمك في الصدقات" التوبة/58

     وقوله تعالى:

"الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين" التوبة/79

ومثال ذلك أيضاً: ان الذي جمع مالاً وعددّه: يذكرك بسياق سورة القلم الصفة الثانية عشرة "ان كان ذا مال وبنين". فنأمل من هذا الاسهاب والتفريع ان تدرك ما نرمي اليه من اصطلاحنا في هذا المنهج اعني (النظام القرآني). اما من ناحية المفهوم فمن المعلوم ان هذه الفئة المتسلطة فئة لا اخلاقية ولا حياء لها ولا قواعد ثابتة فلذلك تسخر فتلمز اذ لا شئ لديها تقوله بوجه الحق سوى تحويل الأمر إلى هزء ولعب.

6.  مشاءٍ بنميم: وهذه صفة هامة من صفات هذه الفئات المكذبة بيوم الدين اذ لمّا كانت تريد الاستحواذ على السلطان وتكذب بالوعد الالهي فهي تريد الحفاظ على الوضع الذي هي فيه وتكمن قوتها في ضعف الرعية واختلافها فهي تزرع بذور الاختلاف في الرعية وتزعجها وحدة الشعب وتوحده ولو على الباطل ولذلك تكره الاحزاب السياسية-خلافاً لما هو ظاهر عنها-تكره دخول الشعب كله في الحزب الحاكم لان ذلك معناه ان تحقق العدل مقهورة مجبرة اذ اصبح الشعب هو الحزب والحزب هو الشعب، فكأنها لم تفعل شيئاً وكأنما خطتها فشلت فشلاً ذريعاً في هذه المرحلة تقوم بمهادنة الشعب وتستخدم جميع اساليبها لزرع فئات وتيارات مناوئة لها فهذه الفئة تكمن حياتها في الاختلاف والتناحر بشرط ان لا يفضي إلى سقوطها، فلا التوحد والاستقرار يخدمها ولا وجود المعارضة الشديدة يخدمها انما الحال الذي هو بين بين. ومثل هذا الحال لا يتم (الاّ بتمشية النميمة في عروق الجمهور، فالاشاعة في السياسة الحديثة ركن هام من اركانها تستخدمه العناصر مع بعضها البعض مع الجمهور-مثلما تستعمله الفئات المرتبطة بهم مصيرياً وان كانت بعيدة ظاهرياً عن السلطان والضحية هي الجماهير الجاهلة.

7.  مناع للخير:

هذه الصفة هامة جداً، فالخير كلفظ ورد بثلاثة اشتقاقات لغوية (خَيرٌ) بالرفع في (139) مورداً، وخيراَ بالنصب في (37) مورداً والاخيار كصفة للمؤمنين موردان والخيرات على الجميع في عشرة موارد فالمجموع (179) مورداً. ولكني توقعت ان يكون لفظ (الخير) المعرفّ بال التعريف في موارد متفقة عددياً مع عدد حجج الله في الطور المهدوي أي الخلفاء الاثنى عشر مع رسول الله (ص) اذ هم المقصود بهذا الخير المعّرف والذي يختلف عن بقية الموارد التي قد يفيد بعضها جزئية الخير في تطبيق بعض التفاصيل لانه لفظ غير معرف مثل:

"فان يتوبوا يك خيراً لهم" أو "فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيراً"..الخ. فلفظ خيراً هنا نكرة غير معرفة فهو عام. فظهرت عند الاحصاء حقيقة هذا التوافق العددي فكانت موارد (الخير) ثلاثة عشر مورداً من مجموع الموارد كلها.

ترتبط صفة هذه الفئة بجميع موارد الخير ولكنها تقترن اقتراناً مباشراً بالموارد الثلاثة عشر ولذلك تجد مركبات متشابهة مثل (مناع للخير) كما في سورة قاف: "مناع للخير معتدٍ مريب". والموارد الثلاث عشرة هي في السُوَر:

فإذا رغبت في السير قدماً في البحث اللفظي واكتشاف المزيد من الأسرار فعليك بالدراسة اللفظية المقارنة معتمداً على هذه القائمة.

وبصفة عامة فان أي مورد منها يؤكد لك ارتباطها بطور الاستخلاف فهذا مثال واحد:

"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير" آل عمران/104. فالدعوة هي لتحقيق دولة الحق الإلهية فهي الخير وهو مرتبط بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والاعتباط يفهم المسألة بصورة معكوسة اذ يفهم منها سقوط وجوب هذه الدعوة عن الباقين إذا تصدى للدعوة العلماء وامثالهم حيث الخير عندهم هو تلك الدعوات المنفصلة عن الارادة الإلهية بينما اللام هنا لام الغاية فقوله (ولتكن)-أي الغاية من الأمر بالتمسك بحبل الله هو تكوين امة مثل تلك فمن كان خارجها فليس منها ولذلك قال (جميعاً) في الآية السابقة وعطف عليها الآية اللاحقة بقوله (ولتكن) الذي يفيد الوجوب: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم..."/103 ثم جاءت الآية (ولتكن...).

ثم عقب بالآية الأخرى بعدها مؤكداً على عدم التفرق فقال:

"ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم"/105

وانما زعم الاعتباط ان (ولتكن) واجب كفائي ليضرب عصفورين بحجر واحد الأول: زرع بذور الاختلاف والتناحر وتثبيط عزيمة الناس برفع التكليف الشرعي عنهم. والآخر الاستحواذ على الأمر والنهي وتفسير آيات الكتاب على هواهم وتقديمها للجمهور.

وكل هذا كما تعلم (منع للخير) وتطويل لأمد الحياة الدنيا على حساب فترة الاستخلاف.

8. معتد: الاعتداء هوَ سلب حق الغير ومن الواضح ان المستحوذ على السلطان أو على الكتب المنزلة يفسرها كيف شاء لم يسلب حق القيادة الالهية وحدها بل حق الخلق المرتبط بها وهم جميع افراد العالم.

فهؤلاء معتدون على كل فرد في العالم وكل فرد سيولد إلى يوم الدين لأنهم مشاركون في تأخير الوعد الالهي. ولذلك يبوئون بالإثم العظيم الذي تذكره الصفة اللاحقة (أثيم).

فهذا اللفظ مرتبط بذكرهم بالاعتداء في جميع الموارد القرآنية لأنهم نفس المجموعة حسب النظام القرآني.

بل هوَ مقترن عموماً مع أصل اللفظ (عدا) ومشتقاته الكثيرة، كالعدو والأعداء والعدوان والعداوة.. الخ.

وسوف تجد هنا شبكة محكمة من الألفاظ تؤكد لك حقيقة هذه الفئات ويعود لفظ (الاثم) ليقترن بالعدوان في بعض الموارد مشيراً إلى تلك الفئة التي تَدَّعي التديّن:

"أ لم ترَ إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالاثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاءوك حيّوكَ بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير"   المجادلة/8

9. اثيم: اقترن هذا اللفظ بجميع الموارد التي ذكرته بمختلف الصيغ ونهت النبي (ص) بعض الموارد أن يطيعهم كما في قوله تعالى:

"ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً"      الإنسان/24

وهذا المورد مقترن بالحكم لأنه يبدأ بقوله:

"فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفورا".

وارتبطت بالاثم مجموعة من الأفعال التي تفعلها هذه المجموعة وحذر الله المؤمنين منها كي لا تختلط اعمالهم بأعمال أولئك المعتدين الذين يفترون الكذب ويؤولون الدين على اهوائهم ويعقدون الاجتماعات السرية ويفشون الاشاعات ويلمزون بالالقاب مجموع الموارد (48) مورداً. فمن تلك الموارد وصفهم بالظلم وكتمان الشهادة والافتراء ومنع الخير والافك وتبديل الوصيّة واشاعة الفواحش وهي جميعها من خصائص اصحاب السلطان واتباعهم-ومنها اكل أموال الناس بالباطل والزنا والربا والاخذ على الظن واتباع الشهوات والقتل المتعمد وعموم ما سمّاهُ البعض بالكبائر - فكان هؤلاء (حزب الشيطان) المستقل تماماً عن المؤمنين بقدرته على ارتكاب هذه الآثام:

"ولا يحسبنَّ الذين كفروا إنما نملي خيرٌ لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذابٌ مهين"      178/آل عمران.

10. عُتّلٌ: مورد منفرد في القرآن لم يذكر منه إلا اشتقاق واحد آخر بصيغة الأمر: (فاعتلوه).

وذلك في قوله تعالى:

"خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم"   الدخان/47

الفيروز آبادي في المحيط:

العُتُلُ: بضمتين مشددة اللام: الاكول المنيع الجافي الغليظ.

أقول هو وجميع مشتقاته على أصل واحد ومنه العَتَلةُ: حجر ضخم ينقلع من الأرض، أو عصا غليظة من حديد تستعمل لقلع الحجر. وبامكانك تصوره منحوتاً من لفظي (عَتّ - وتلَّ) فهو تجزئة الشيء أو الأمر بقسوة خلافاً لطبيعته باستعمال القوة.

والعُتُلُ على هذا هو الطاغية الذي يضع الاشياء في غير موضعها مستخدماً القوة.

فكان جزاءه أن استخدم معه صيغة الأمر للجماعة المنفذة للأوامر يقومون بتحريكه بنفس الحركة التي كان يقوم بها مع الخلق:

"خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم" لانه يريد التحرك نحو النعيم بعدما شارك في تأخير حصوله مشاركة فعالة.

فالسياق الكامل فيه اقترانات لفظية مرتبطة بمورد سورة القلم كالاثم والعذاب وغيرها.

وعذاب الجحيم من عذابات الطور المهدوي يأتيك في موضعه عند ملاحظة الألفاظ في سورة الدخان.

11. بعد ذلك زنيم: مورد منفرد لا يتكرر في أي موضع آخر.

أقول إذا كان عبارة بعد ذلك اشارة إلى كل ما مرَّ من صفات فالمعنى انه بعد كل ما فعل فهو زنيم.

وذلك لأن الفعل (زنمَ) هو لصق شيء على شيء لا يلائمه وليس منه وإلحاق شيء بآخر بينهما تنافر ظاهر.

والزنيم على ذلك هو الدعّي والذي ألحق نفسه بقوم ليس منهم والمراد من ذلك التأكيد على مرضٍ نفسي فيه ولؤم متأصل بحيث انه لا يعتني باية قيمة اخلاقية بما في ذلك تلك التي تخص سُمْعَتُهُ ومكانته الاجتماعية.

والزنيم: شتيمة لا زالت مستعملة في انحاء العراق وترمي من طرف خفي إلى سقوط اخلاقي للمَوصُوف.

لذلك فقوله تعالى بعد ذلك - أي بعد عشرة صفات يفعلها في محاربة الله ورسوله يدعي الانتماء لهما ويزعم الدفاع عنهما بعد ذلك كله زنيم.

12. إن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين. مرتبط بالتكذيب فكأن المورد الاخير اشار إلى المورد الأول. والمورد مقترن بجميع المواقع القرآنية التي ذكرت فيها عباراتهم (اساطير الاولين).

وهي جميعاً مرتبطة بتكذيب الوعد الالهي ورجوعهم بعد الموت وهي تسعة موارد منها:

"وقال الذين كفروا إذا كنّا تراباً وآباؤنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبلُ إنْ هذا إلا اساطير الاولين"   النمل/67

وهذا هو النشور المتفرق لأفواج من الامم وهوَ يختلف عن البعث الكلي في القيامة. فإذا تحركت مع الألفاظ بهذا الطريق مثلاً ملاحظاً الاقترانات اللفظية استوعبت العلاقات جميع موارد الكفر بمشتقاته مثل: الذين كفروا، الكفر، الكفّار، الكافرون، الكافرين.. الكفرة..الخ.

بمعنى ان شبكة الألفاظ تشتمل موارد الكفر كلها وهي كثيرة فالذين كفروا جاء في (194) مورداً. والكافرين جاء في (93) مورداً والكافرون جاء في (36) مورداً عدا بقية الاشتقاقات.

ويتحدد مفهوم الكفر من هذه الموارد إذ هوَ ظهور الاختيار الذاتي مقابل الاختيار الالهي فيما يستلزم التكذيب بيوم الدين الذي هوَ الوعد الالهي وهو نفس الموضوع الذي كفر فيه ابليس إذ كفر بشأن الوعد الالهي في ظهور الخليفة كما قلنا وإذن فعليك ان تصحّح مفهومك عن الكفر إذ ليس هو انكار الخالق إنما ذلك وسيلة من وسائل الكفر وهوَ كاذب فيها ولذلك لم يجادل القرآن مثل هؤلاء إنما جادل في موضوع الشرك.

إذن فالكفر المتعلق بالتكذيب بالاختيار الالهي بالخليفة وما يترتب عليه من وعدٍ مستقبلي وتغيير للنظام الطبيعي.

وهذا ما نلاحظه بعد قليل عند استعراض موارد يوم الدين الاثنى عشر وعلاقاتها اللفظية.

ج.    موارد يوم الدين في السور القرآنية

الأول والثاني: موردا سورتي الحجر وصاد.

تناقش هذين الموردين سويةً لأنهما:

أولاً: ارتبطا معاً بواقعة خلق آدم والسجود له واعراض ابليس عن السجود، ومعلوم ان هذه الواقعة مرتبطة بقوله تعالى (اني جاعل في الأرض خليفة).. فهما بصدد التخطيط للخلافة العامة.

وثانياً:  ان كل مورد منهما يمثل طوراً من اطوار الخلق الأول متشابهاً في بعض الألفاظ والعبارات واختلفا في البعض الآخر وقد اكتشفنا من هذين الموردين عملية الترقيّ وصولاً إلى مرحلة الآدمية وبالمقارنة مع موارد السجود الأخرى.

وكما مرَّ عليك فان هذين الموردين فقط تضمنا جعل (يوم الدين) موعداً نهائياً لاستمرار اللعنة على ابليس من بين جميع الموارد التي ذكرت فيها القصة.

لقد اشرنا إلى هذه المراحل باقتضاب في الفصول الاولى وأمّا التفاصيل فأنّا ذكرناها في كتابنا (أصل الخلق).

لذلك نشير هنا إلى فكرة الترقي فقط، تلك الفكرة التي استفدناها من البحث اللفظي المقارن للموارد والمخالفة للمشهور عند الناس.

لذلك أرجو منك الانتباه ومراجعة ذلك الكتاب فاني سأختصر الفكرة إلى نقاط مركزة:

الأولى: ان خلق آدم (ع) تمّ بمراحل عديدة ذكر القرآن منها ثلاثة مراحل فقد خلق الله اولاً الإنسان من (صلصال من حمأ مسنون). ثم اخبر الملائكة انه عازم على خلق (بشر) من حمأ مسنون.

فالأصل المشترك يدلّ على وحدة المنشأ وبالتالي فالبشر كائن متطورٌ عن الإنسان.

ويدل على ذلك تقدم خلق الإنسان على البشر في مورد سورة الحجر كالآتي:

"ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأٍ مسنون. وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمأٍ مسنون" إذن فالإنسان كان مخلوقاً قبل قوله للملائكة اني خالق بشراً. من جهة أخرى يثبت البحث المقارن بين الإنسان والبشر هذا الاختلاف، فالإنسان مذموم عموماً في القرآن والبشر ممدوح دوماً في القرآن. والمعنى ان الإنسان إذا بلغ مرحلة البشرية فهو ممدوح وإذا بقي في عقليته الأولى فهو انسان وهوَ مذموم.

ولذلك أطلق القرآن لفظ (البشر) على الانبياء والرسل ومن هو بمقامهم فقط.

بينما ذمَّ الإنسان: "ان الإنسان لظلوم كفّار"  ابراهيم/34

"ان الإنسان لكفور" الحج/66

"ان الإنسان لكفور مبين"   الزخرف/15... الخ

بينما اطلق البشر على الاولياء:

"قل انما انا بشر مثلكم يوحى إلىّ انما الهكم اله واحد"      الكهف/110

فكذلك ورد اللفظ مع الانبياء في (36) مورداً.

وهنا يسقط مرة أخرى الاعتباط اللغوي ومرادفاته ومجازاته.

الثانية: ان السجود كان للبشر فقط ولم يكن للانسان وقد ظهر ذلك في الجزء المتطابق في العبارة بين موردي الحجر وصاد كالآتي:

الحجر:  "وإذ قال ربك للملائكة اني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون. فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقطعوا له ساجدين".

صاد:  "وإذ قال ربك للملائكة أني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين".

وهذا الترتيب يفيد في وقوع مرحلتين قال في كل منهما (فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" فليس هنا من تكرار بل الوقائع مكررة لأنها مختلفة في الزمان.

الثالثة:  وجدنا ان الروح لا علاقة لها بالحياة من حيث هي تنفسّ وحركة وتكاثر.

فالإنسان كان حياً بهذا المعنى وانما انتخب منه فرداً واصطفاه واسكنه جنته بعد ان نفخ فيه روح الايمان فاستحق السجود لهذا السبب ويدل عليه قوله تعالى:

"ان الله اصطفى آدم ونوحاً..."

فالاصطفاء لا يكون إلا من مجموعة متشابهة وإذن فقد اختار الله آدم من مجموعة من بني الإنسان.

تدل على هذه الحقيقة آيات كثيرة وروايات أيضاً بشرط ان نفهمها وفق الحل القصدي للغة.

من ذلك مثلاً ان هذا الكائن (الإنسان) لم يكن شيئاً مذكوراً قبل نفخ الروح. وهذا ما أكدته أوائل سورة الدهر:

"هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا" ومنها أيضاً ان ترتيب الآية في سورة السجدة هو يعكس ما ذكره الاعتباط تماماً.

فالفهم السابق يزعم ان آدم قد خلق من طين على هيئة تمثال ثم نفخ فيه الروح فصار كائناً حيّاً.

بينما آدم هو انسان حيّ متطور عن جنس سابق وحينما نفخ فيه الروح أصبح بذلك أحد الأصفياء وإلا فهو حيّ قبل ذلك.

إذ لا تلازم بين الروح والحياة فالموارد القرآنية ذكرت النفس وعلاقتها بالموت والحياة ولم تذكر الروح.

ولا يوجد سوى مورد واحد استعمل فيه الضمير من غير اسم في سورة الواقعة هو قوله تعالى:

"فلولا ان كنتم غير مدينين ترجعونها ان كنتم صادقين" إذ قال الاعتباط: ترجعون الروح.

وقد أبطلناه لان الروح في القرآن مذكر والمورد مؤنث فهو يعود إلى النفس التي انثت في القرآن في جميع الموارد.

من جهة أخرى استفدنا من حديث الامام علي (ع) في تقسيم الارواح فهي في الحديث خمسة ارواح ثلاثة عامة لكل الخلق وهي روح البدن وروح القوة وروح الشهوة.

وروح للمؤمنين خاصة وهي (روح الايمان). والخامس للرسل والاولياء وهوَ (روح القدس).

إذن فالروح عبارة عن قوى من عالم الأمر "ويسألونك من الروح قل الروح من أمر ربّي". فبعضها أرضي المنشأ مادي الصورة وان كنّا لا نراه فهو مصدر حياة الكائن الحي من تنفس وتغذي وحركة لارتباطها (بالبدن والقوة والشهوة).

وبعضها سماوي المنشأ وهما روح الايمان وروح القدس فهذا يسقط الاعتراض أو الاشكال المتعلق بعذاب الكافرين إذ سأل الاعتباط عن كيفية تعذيب الكافر وفيه روح الله؟ فالكافر ليس له روح من الله انما روح مادي الطبيعة فقط.

اما الترتيب في سورة السجدة فهو يؤكد هذه المراحل: قال تعالى:

"الذي احسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسلهُ من سلالة من ماءٍ مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه.."7-9/السجدة.

إذن فالترتيب هوَ على النحو الآتي:

 

هذا الترتيب هو المستخرج من الجمع بين الموارد التي ذكرت مراحل الخلق فآية السجدة واضحة إذ تقدمت فيها مادة التناسل (الماء المهين) والسلالة والنسل على نفخ الروح وهذا يعني ان الكائن الحي ومتكاثر وله افراد وذرية قبل نفخ الروح.

وبعد أن اختصرنا الامر نعود إلى موردي الحجر وصاد ولنرى ما هو سبب ربط لعنة ابليس (بيوم الدين)؟

من المعلوم ان كل آية في القرآن تتضمن افعالاً مختلفة الصيغ تتضمن التفافاً وانتقالاً في الازمان وهو أمر اكدنا عليه في حلنا القصدي للغة حيث لاحظ هذا الحل ان أي تقدير للازمنة هو تحريف للآية فيجب ملاحظة الازمنة المختلفة واعتبارها من مقاصد المتكلم. "انظر قواعد المنهج اللفظي من كتاب النظام القرآني". وبناءً على ذلك فلا تكرار في الموارد القرآنية لأنها مختلفة في الغايات وان تشابهت في أكثر الألفاظ لوجود اختلافات في الصيغ وفي الترتيب.

ومن هنا يمكن القول ان مورد سورة الحجر يروي لنا واقعة السجود للبشر ابّان مرحلة الصلصال.

بينما يروي لنا مورد سورة صاد عرضاً آخر على الملائكة لان يسجدوا للبشر المخلوق من طين ابان مرحلة الطين.ولما كانت مرحلة الطين اكثر تقدماً وتطوراً من الصلصال فاننا نتوقع ان تكون الاجابة على عدم السجود (من قبل ابليس) اكثر شدة وصرامةً من المرحلة السابقة.

لأنه خلال تلك الفترة الطويلة لا بد وان يكون الملائكة قد لاحظوا التطور والترقي لهذا الكائن - وبالتالي فان المعرض عن السجود يستحق المزيد من التعنيف والوصف المشين.

وهكذا تميّز مورد صاد عن مورد الحجر:

مورد الحجر: "إلا إبليس ابى ان يكون مَعَ الساجدين"       الحجر/31

مورد صاد: "إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين" صاد/74

ففي المورد الاول أي في مرحلة الصلصال اكتفى بان ذكر آباءه وإعراضه عن السجود فاكتفى بهذا في مورد الحجر.

بينما في مرحلة الطين وصفه بالاستكبار والكفر.

وبناءً على ذلك نتوقع ان الوصف سيكون اشد في مرحلة الآدمية وبعد نفخ الروح.

ونلاحظ ذلك في مرحلة (الخليفة) حيث أشار على الملائكة قائلاً "إني جاعل في الأرض خليفة" وهو مورد منفرد في سورة البقرة. وبعد المناقشة التي جرت حول الخليفة وانتهت بفوز آدم في اختبار الأسماء صدر الأمر الفوري بالسجود لآدم فلم يكن مشروطاً كما في الحجر معاد بصيغة "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي" بل بصيغة "اسجدوا لآدم". في هذا المورد اشتد وصف إبليس لاعراضه عن السجود فجمع له ثلاثة أوصاف هي مجموع ما في الحجر وصاد: "إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين" البقرة/34 وقد اخذ هذا المورد رقم آية موزع على الموردين الآنفين فالرقم (4) من صاد والرقم (3) من الحجر. وكأن هذا المورد يعطيك عنواناً يدلك على الموردين السابقين اللذين يمثلان مرحلتين سابقتين من الخلق إذ يمكنك استخراج الرقم الآخر للآية في صاد باعتبارها تمثل مجموع مرحلتين من مجموع الرقمين (3+4) = 7 بينما يمكنك استخراج الرقم الآخر للمرحلة الاولى من حاصل الفرق بينهما باعتبارها مرحلة اولى أي (4-3) =1 والناتج ان آية صاد يجب ان تكون برقم 74 وآية الحجر برقم 31- كما يمكنك ان تفعل العكس تستخرج آية البقرة من ملاحظة الآيتين.

 

.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست
ang="AR-SA" style="font-size: 20pt; font-family: Traditional Arabic"> ونلاحظ ذلك في مرحلة (الخليفة) حيث أشار على الملائكة قائلاً "إني جاعل في الأرض خليفة" وهو مورد منفرد في سورة البقرة. وبعد المناقشة التي جرت حول الخليفة وانتهت بفوز آدم في اختبار الأسماء صدر الأمر الفوري بالسجود لآدم فلم يكن مشروطاً كما في الحجر معاد بصيغة "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي" بل بصيغة "اسجدوا لآدم". في هذا المورد اشتد وصف إبليس لاعراضه عن السجود فجمع له ثلاثة أوصاف هي مجموع ما في الحجر وصاد: "إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين" البقرة/34 وقد اخذ هذا المورد رقم آية موزع على الموردين الآنفين فالرقم (4) من صاد والرقم (3) من الحجر. وكأن هذا المورد يعطيك عنواناً يدلك على الموردين السابقين اللذين يمثلان مرحلتين سابقتين من الخلق إذ يمكنك استخراج الرقم الآخر للآية في صاد باعتبارها تمثل مجموع مرحلتين من مجموع الرقمين (3+4) = 7 بينما يمكنك استخراج الرقم الآخر للمرحلة الاولى من حاصل الفرق بينهما باعتبارها مرحلة اولى أي (4-3) =1 والناتج ان آية صاد يجب ان تكون برقم 74 وآية الحجر برقم 31- كما يمكنك ان تفعل العكس تستخرج آية البقرة من ملاحظة الآيتين.

 

.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست