.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست

الفصل السادس
العلامات الكونية للطّور المهدوي في القرآن

 

1. طرائق المنهج في البحث

يكشف المنهج اللفظي (الذي اعتمدناه للنظام القرآني) عن العلامات الكونية للطور المهدوي في القرآن لأول مرة في التاريخ الإسلامي.

فلم يذكر أحدٌ من قبل ان العلامات الأثنتي عشرة المارة آنفاً لها صلة بالقرآن أو أن القرآن قد أشار لها. بل ذكروا نزول آيات في هذا الوعد الإلهي المنتظر وحسب، وهي لا زالت موضع جدال بينهم.

ويستطيع المنهج اكتشاف هذهِ العلامات بطرائقه وقواعده المذكورة في (مقدمة المنهج اللفظي) بملاحظته للاقتران اللفظي.

وهُوَ يستخدم لذلك عدة وسائل:

أ. منها ان إلغاء الترادف يستلزم البحث عن الفوارق بين خصائص الأيام المذكورة في القرآن مثل يوم الدين - يوم القيامة. يوم تقوم الساعة ... الخ إذ يعتبر المنهج هذا التغيّر في التسميّات قصديّاً ويتضمّن وجود أكثر من طور في مستقبل العالم. ويجري الأمر نفسه على الجناتّ والعذاب وبقية الألفاظ.

ب. إنه يلاحظ الاقتران اللفظي بين الموارد.

فمثلاً إذ كان ثمة اقتران مستمر بين خصائص معينة بألفاظ معينة مع يوم ما مختلفة عن خصائص أخرى مقترنة باستمرار مع يوم آخر أمكنه التفريق بين الأيام والأطوار وإظهار الخلط المتعمدّ أو غير المتعمد بينها.

ج‍. ومنها إنه يقوم بإجراء تحليل للوقائع التي تأتي في سياق قرآني واحد. فمثلاً ان المنهج إذ ينكر التكرار ويؤمن بوحدة الموضوع في السياق فانه يٌنكر إن تعاد الوقائع نفسها بأسماء مختلفة جديدة لأن هذا من عمل المخلوق الضعيف وليس من صفة كلام الخالق تعالى.

مثال ذلك: ان الوقائع في سورة الانشقاق تبدأ بالسماء "إذا السماء انشقت" والأرض "وإذا الأرض مُدّت".. ثم في آخر السورة يأتي نفي القسم مع وقائع أخرى "فلا أقسم بالشفق. والليل وما وسق. والقمر إذا انسق لتركبّن طبقاً عن طبق" .. فالمنهج يعتبر الوقائع الجديدة مختلفة زمنياً عن الوقائع السابقة وتحدث في طور آخر. وتمكنه ملاحظة الاقتران اللفظي من الربط بين خصائص الوقائع في السوَّر حيث يتأكد من النتائج بصورة حاسمة.

ومثال ذلك ان سورة التكوير تبدأ أيضا بذكر وقائع بأداة الشرط "إذا الشمس كورّت... وإذا ..الخ" وتنتهي بنفي القسم مع وقائع جديدة "فلا اقسم بالخّنس الجوارِ الكنسّ والليل إذا عَسعس. والصّبح إذا تنفسّ..".

فيربط المنهج بين الوقائع المبدوءة بالشرط (إذا) في جميع السور ويربط كذلك بين الوقائع المبدوءة بنفي القسم في جميع السور ويفرق بين النوعين.

د. يستخدم المنهج طرائقه في التقديم والتأخير المذكورة في كتاب (الحل القصدي) لملاحظة تقديم الوقائع على غيرها خلافاً للاعتباط الذي يؤمن (بالرتبة).

فإنكاره المنهج للرتبة وتركها مفتوحة ومرتبطة بمراد المتكلمّ يجعّل الاقتران فعالاً في كشف مراد المتكلمّ من النص ما دام التقديم والتأخير خاضعاً لغاياته الآنية ومرتبطاً بترتيبه المقصود في كل عبارة وكل نص مستقلاً عن الآخر وهذهِ المسألة بالغة الخطورة أتمنى ان تلتفت لها المدارس النقدية للانتفاع بها في فهم النصوص بدلاً من التخبط الذي هم فيه.

ه‍. تعد ذلك يمكن فهم المأثور والتحقق من صحة النتائج فالمأثور أي (الحديث) يعمل في المنهج على مستويين: الأول إثارة منابع الاقتران وأخذ عناوين بحثية عن النص. الثاني وهُوَ (الارتداد) يقوم الباحث برّد ما حصل عليه من نتائج من النص الإلهي لتعديل رؤيته للحديث!

إن مثل هذا العمل أقول عنه بكل فخرّ انه عملٌ خلاق لم يستطيع الاعتباط اللغوي التوصل اليه بالرغم من مرور ألف وأربعمائة سنة من عمره المديد - قطع الله عمره.

2.  تسلسل العلامات في القرآن

رأينا في الفصل السابق تسلسل العلامات الكونية وارتباطها بالمذنب. لقد تضمن التسلسل المذكور  فكرة (التتابع) أو ما سمّاه النبي (ص) (بنظام الخرز).

وهذا النظام يشتمل على تتابع عليِّ أي ارتباط الظاهرة الكونية بما يسبقها فإذا وصَلَ المذنّب إلى مقربة من الأرض حَصلَ خسوف للقمر. في أول الشهر العربي ثم تغير في الليل والنهار بسبب التجاذب مع الأرض وتغير سرعة دورانها. وعند وصوله إلى منطقة التعامد مع خط الاستواء تحدث ظاهرة ركود الشمس، والصيحة بمعنى الدوّي أو (الصوت) الذي يُسقط الأبنية العالية ويخرج العواتك من خدورهن. ثم تدور الأرض بعد ليلة الثالثة والعشرين بصورة معكوسة لأنها واقعة تحت زاوية ميل معينة ينقلب فيها التجاذب مع المذنّب في تلك الليلة وتخرج من المغرب فيتغيرّ نظام الفلك الذي سُمّي (باستدارة النجوم أو استدارة القمر).

سيحصل يوم الخامس والعشرين أكبر تأثير على القمر لاقتراب المذنب منه ودورانه حول الأرض خلال هذهِ المدة ووصوله إلى مقربة من خط المذنّب .. ثم تنتهي الأحداث التي ابتدأت بظهور الحمرة في السماء أو النار عند هذا الحدّ وتكون الأرض قد تحولت إلى وضع جديد بمدار جديد وزاوية ميل أخرى.

إذن فالتسلسل هُوَ على نحو ما كالترتيب الآتي:

أننا نفترض ان السياق القرآني لا يذكر العلامات بهذا النحو فهناك ظاهرتان في القرآن يجب علينا الانتباه لهما:

الأولى: ان السياق القرآني سيأخذ ما يلائم الحديث في الموضع المقررّ من العلامات محافظاَ على الترتيب وهو مثل ما يحدث حينما يأخذ فقرات متباعدة من قصص ووقائع الأمم السالفة محافظاً على الترتيب الزمني من خلال الترابط الكلي العام للنظام القرآني.

الثانية: انه ربّما يتحدث عن الظواهر (من فوق) لا من تحت. بمعنى انه يتحدث عنها كونياً وعالمياً لا بالنسبة لأهل المشرق أو المغرب أو غيرهم وهذا يعني انه قد يُعبرّ عن الظاهرة بطريقته الخاصة ولعلّه  يجمع أكثر من حادثة وواقعة بلفظٍ معّين محافظاً على الترتيب ضمن النظام العام. إذا أخذنا هذهِ الظواهر في أسلوب القرآن بعين الاعتبار مع طرائق المنهج الآنفة فيمكننا إذن اكتشاف علامات الطور المهدوي في القرآن.

وسأذكر الآن جملة من هذهِ العلامات في قصار السور القرآنية علماً أن ما أذكره هُوَ جزء يسير من تلك الشبكة المحكمة من العلاقات اللفظية.

3.  العلامات الكونية في سورة الطارق

بسم الله الرحمن الرحيم:

" والسماء والطارق، وما أدراك ما الطارق. النجم الثاقب. إن كل نفس لمّا عليها حافظ. فلينظر الإنسان ممَّ خلق. خلق من ماء دافق يخرج من بين الصُلب والترائب. انه على رجعة لقادر يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر. والسماء ذات الرجع. والأرض ذات الصَدْع. انه لقول فصل. وما هُوَ بالهزل. أنهم يكيدون كيداً. وأكيد كيداً فمهلّ الكافرين. أمهلهم رويدا".

أجواء السورة وغاياتها

سوف نتحدث عن أجواء السورة وحَسب، فلا نتعرض لتطبيق لفظي للمنهج على جميع الألفاظ لأن هذا أمر يطول بيانه كما تعلم.

عن أي شيء تتحدث السورة؟ ما هو محورها الذي تدور عليه؟

إنها تتحدث عن خلق الإنسان من أي شيء وتلفت النظر إليه.. (فلينظر)، ثم تؤكد على رجوعه كما بدأ. عندئذٍ تنكشف السرائر وتبتلى فلا يجد ناصراً.

جاء ذلك بعد حِلفٍ أو يمين بالواو (والسماء والطارق) وحدث إلفات هام على صيغة السؤال هو:

"وما أدراك ما الطارق؟" ثم أجاب: " النجم الثاقب". فلما انتهى هذا المقطع، عاد إلى الحلف مرة أخرى بالسماء والأرض مؤكداً أن هذا القول هو فصل لا هزل. وإنهم يكيدون كيداً والله يكيد كيداً أيضا فمهّل الكافرين..

إن وحدة موضوع السورة تدعونا للنظر في العلاقة بين السماء والطارق وبين رجوع الإنسان إلى الحياة. وتدعونا أيضا إلى التساؤل عن جميع الألفاظ والأفكار.. لماذا هنا يسمّي السماء ذات الرجع ... لماذا الأرض ذات الصدع .. لماذا لا قوة له ولا ناصر .. لماذا هذا اللفظ بالذات (تُبلى) وأين يقع ذلك ومتى؟

وللإجابة على ذلك تذكر الملاحظات الآتية:

أ. ان السورة كلها تقع بين لفظين هما السماء والإمهال (رُويداً) ثمة إذن زمان للإمهال معلق على قضية في السماء وتحديداً مع الطارق.

ب. ويؤكد لنا هذا الترابط بين المُهلة وبين الطارق السؤال المحرضّ على ان نبحث عن العلاقة من خلال توجهيه السؤال إلى النبي (ص): (وما أدراك ما الطارق) ومن خلاله إلى كل سامع.

ثم يُجيب على السؤال: (النجم الثاقب). وكأنما النجم الثاقب معلوم أصلاً للمتلقي الذي هُوَ هنا النبي (ص).

لكنهّ أعطى لهذا النجم الثاقب اسماً جديداً ... ومعنى ذلك انه أعطاه صفة جديدة. ففي الحل القصدي لاحظنا ان تعدد أسماء الشيء الواحد إنما هُي صفات لتعدّد مواصفات وخصائص ذلك الشيء. إنها ليست مترادفات متفقة في الدلالة كما زعَم الاعتباط.

ج‍. إذن فالعلاقة هي بين النجم الثاقب وبين خلق الإنسان وإرجاعه بعد الموت إلى الحياة. إن اقتران النجم أو الطارق بالسماء وبخلق الإنسان يؤكد على أمرَين: الأول: وحدة المنشأ والثاني: الترابط في المصير.

فكان هذا الإنسان إنما خُلَقَ لغاية وان السماء خلقت لنفس الغاية وكلاهما من منشأ واحد. لذلك نلاحظ ان الجنة عرضها السماء. إنها المساحة المؤهلة لاستغلالها من قبل الإنسان والكافر الذي يمهّله في آخر السورة يزعم انه لا ترابط بين الاثنين .. ولا غاية لهما:

"وما خلقنا السماءَ والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظنّ الذين كفروا" ص/ 27.

أما المؤمنون فأنهم:

"يتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك"آل عمران/191.

ولمّا كانت الغاية تظهر متأخرة في الزمان فاّن الكفرة يقولون نموت ولا نراها .. فحتى لو صحّتّ لا نراها فلنفعل ما يحلو لنا لا ما يُريد الذي يأمرنا.

ومن هنا أكّد على الرجوع "أنه على رجعةِ لقادر".

د. يقولون أيضا: حسناً لنفرض أننا نَرجع فإننا عندئذٍ سنفعل ما يفعل المؤمنون! سنقول ما يقولون ونعترف بما يعترفون به نقول "والله ربّنا ما كنا مشركين" ونطلب من الله الصفح ونعتذر ذلك لأننا لآن تدخل مع المؤمنين ونفعل مثل فعلهم .. فلا يّميزنا أحد. ها نحن الآن نأمر وننهي ونكون علماء في الدّين نفسهِ. فلا أحد يكذبّنا بل الجميع يقدسوننا وينظرون لنا على أننا ورثة الأنبياء وأننا أهل المعرفة!

وتجيب السورة على ذلك: ان كل نفس عليها حافظ يحفظ عليها ما فعلت! وفوق ذلك حينما يتحقق الوعد فالسرائر تُبلى لأن الطبيعة ستعمل على مفاتيح خارجة من السرائر!

بحيث ان المؤمنين يأمرون الأشياء فتذعن لهم: هم يتقدمّون في النعيم وانتم تتخلفوّن إلى العذاب والجحيم هُم يأمرون الأشياء والموجودات وانتم ستكونون جزءً من تلك الموجودات جلودكم تنطق بأمرهم .. وحينما تقولون لجلودكم

"لم شهدتم علينا قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء"، قوتكم تضعف ونصر بعضكم يزول فلا (قوة ولا ناصر) لأنكم ستكونون جزءً من الأشياء المستعبدة.

وإذا قالوا: إذن نموت ونرتاح من العناء يقال لهم كلاّ لن تموتوا لأنكم ستكونون مثل الأشياء ... أحياء بعمر الجماد!

ه‍. إذن فنحن نلاحظ ان السورة اعتمدت اسماءً معرفّة بال التعريف (السماء) - (الطارق) - (النجم الثاقب). فهذا التعريف يّدل على أنها معهودة أو معلومة عند المخاطب. النجم الثاقب نجمٌ معلوم له علاقة بهذا الوعد وله علاقة بالقول الفصل وله علاقة بيوم ابتلاء السرائر وله علاقة بأحياء الموتى وإرجاعهم .. لأن السور قد افتتحت به وأكدت عليه وتساءلت عنه!

"وما أدراك ما الطارق! النجم الثاقب"

و. نلاحظ ان هذهِ الوقائع لمجموعها تتحدث عن طور سابق على حوادث القيامة! فحينما يُلغى النظام الكوني (تطوي السماء كطيّ السجل للكتب)أو (ترك الأرض) دكاً دكاً وتسجّر البحار لا يبقى موضوع أو موضع للحديث عن:

السماء - الطارق - النجم الثاقب - الأرض ذات الصدع - السماء ذات الرجع .. يكيدون كيداً ... أكيد كيداً .. قوة .. ناصر! إذ ليسَ في القيامة موضع لهذهِ الألفاظ .. ليسَ هناك كيدُ يكاد ضدهم ولا حديث عن ناصر لهم ولا قوة لهم لأن كل ذلك تحصيل حاصل.

فإذا استعرضت الآيات التي تتحدث عن القيامة ودخول جهنم والتي يأتيك بعضها في المقارنات علمت ان هذهِ السورة بعيدة عن هذا الموضوع .. بيد أنها تتحدث عن نفس الفكرة!

لأن الأطوار كلها إنما هي على فكرة واحدة هي توحيد الله! فالفكرة واحدة والأطوار مختلفة والمراحل متباينة. فلنلاحظ الآن أين تكمن العلامة الكونية للطور المهدوي؟

المذنّب علامة العلامات في سورة الطارق

لقد ذكرت السورة علامة واحدة فقط من علامات هذا الطور وهذا هُوَ النظام القرآني العجيب في اختياره العلامة المناسبة. لأننا سنلاحظ عدداً اكبر من العلامات في سور أخرى. أما هنا فلان السورة على قصرها تضمنت الحديث عن رجوع الإنسان وابتلاء سريرته وكيد الكافرين - ولأنها ربطت السماء بالأرض في الغاية ولأنها ربطت المنشأ والمصير بين الإنسان وعالمهِ الكوني فقد اكتفت بذكر علامة واحدة فقط.

ولكن أيّ علامة اختيرت في السورة؟ أنها علامة العلامات اختيرت المذنب الموعود.

فلقد رأيت في الفصل السابق ان النجم المذنب سماّه المأثور (نجم الآيات) وعرفنا علاقته بالآيات وكونه المسبب لها والعلة في ظهور تتابعها بنظام محدّد (كنظام الخرز).

ويبقى ان تتأكد لغوياً وحديثاً من كون (النجم الثاقب) هُوَ المذنب الموعود:

اللغة:

النجم: هذا التعاقب الصوتي المؤلف من النون والجيم والميم مرتبط عند أهل اللغة ومن خلال الاستعمال بالظهور وتحديداً الظهور المباغت. هذا المعنى العام الأصلي الذي وقعت عليه المعاني المستعملة عندهم. وبالطبع فالمعاجم تستخدم الترادف اعتباطاً لأنها لا تفرق بين الألفاظ: قال:

نجمَ: ظهرَ وطلعَ. والنجم: الكوكب: وهذا ترادف خاطئ لأن لكل منهما استعماله الخاص في القرآن. والمنجمان: عظمان ناتئان من ناحيتي القدم. لاحظ دلالة الظهور والطلوع في هذا الأستعمال. ويقال:

(نزل القرآن نجوماً) - وادىّ المال تنجماً أو أنجمه اداه نجوماً أي دفعةً بعد دفعة. أقول تحديداً بدون سابق ميعاد. كما تنزل السورة أو الآية من غير ان يعلم النبي (ص) بالوقت.

لذلك أطلقوه على ما يطلع من النبات من غير زراعة فحسبَ المعجم انّه (ما نجم على غير ساق) بينما الساق لا علاقة لها بالموضوع إنما هُوَ النبات الذي يظهر بغتة ومن غير ان ينتبه له أحد. وفي القاموس المحيط:

والمنجَم: قال المعدن. ويستعمل الآن لموضع المعَدن لأنه غائر واستخراجه يتم على دفعات حيث ما وجدوا الخامات. إذن فالنجم في الأصل مرتبط (بالظهور المباغت) وهُوَ ما يوافق جميع الاستعمالات.

الثاقب:

نحن في الحل القصدي نقوم بجمع الاستعمالات على أصل واحد كما علمت وفي هذا اللفظ أكثر من مفهوم عند المعاجم:

الثقبُ: الحزق النافذ.

ثقبت النار: ثقوباً اتقدت.

ثقب الكوكب: أضاء.

والثقيب مثل أمير: الشديد الحُمرة.

أما زعَمه: (النجم الثاقب) هُوَ زحُلَ فمردود عليه لأنه موضوع بحثنا. وقال آخرون: النجم الثاقب المرتفع على النجوم (كما في المحيط) نلاحظ في هذا الاستعمال احتمالين: إما ان يكون الثاقب هُوَ المتقدّ ذاتياً والشديد (الاحمرار) بحيث يمكنه اختراق الأشياء فجاء منه الخرق النافذ. وإما ان يكون العكس ان الأصل هُوَ الخرق النافذ وأطلق على النار لقدرتها على النفاذ والخرق ومجازاً على الحُمرة.

على اننا نشكّ في دقة نقل المعاجم للاستعمالات. بل نتهمّهم أيضا باللامبالاة و  و   و....

لأنه إذا قال الثقيب: ( الشديد الحمرة ) ولم يدخلها في جملة مفيدة كما يفعل الأجانب في لغاتهم فقد تجنىّ على المفردة جناية عظيمة لأننيّ لا أعلم هل أسمي الوردة الحمراء (ثقيبة) لأنها شديدة الحمرة أم النسيج الحديدي المحُمي على النار لنفس السبب أم يجوز ذلك لكليهما!؟

الحمد لله الذي ألهمنا معاني الحُروف لنتخلص من هذا البلاء. تؤكد لنا معاني الحروف ان هذا التعاقب يفيد في أداء دلالة خاصة بالقدرة الذاتية على اختراق الحُجب الكثيفة.

ومعلوم ان اللون الأحمر لون صارخٌ يؤدي إلى هذهِ الفكرة. كذلك النار. أما النجم فهو علمياً كرة نارية بنواة. أنه في المفهوم العلمي شمس من الشموس وبهذا تجتمع الاستعمالات المادية والمعنوية. ان المذنب يختلف في كونه شمس ذات ذنب طويل من الغازات وكونه لا يطلع كبقية النجوم بموضع ثابت بل له مدارات خاصة يغيب ثم يظهر فيها.

إذن النجم الثاقب على المعنى اللغوي هُوَ: طلوع مباغت لكرة نارية ذاتية الاتقاد لها قدرة على اختراق الحجب هذا التعريف اللغوي يطابق خصائص المذنب بل هُوَ تعريف المذنب بالدقةِ المطلوبة على ما رأيته من صفات للمذنبات - وهُوَ بعد ذلك (نجم) ينجم بصورة مباغتة انه يظهر من غير توقع زمني. الطارق:

لقد ذكر القرآن الكريم (النجم الثاقب) كتعريف للطارق "وما أدراك ما الطارق. النجم الثاقب".

إذن فالطارق مفردة تعوض عن النجم الثاقب في الدلالة الا إنها دلالة أكثر غموضاً من حيث كونها اسم لشيء لم نسمع به من قبل!

فلنلاحظ اللغة، ففي المعاجم:

الطَرْقُ: الضرَبْ. ولكن هذا ترادفُ سيُّ فما معنى الضرَبْ؟ إذ الضرب هُوَ الآخر مفردة مجهولة بالنسبة لنا. لأن المعجم يجب ان يذكر الدلالة الفعلية لكل لفظ مستقلاً عن الآخر؟ أما هكذا فانه لا يقوم الاّ بمزيد الخلط والتمويه. يمكننا استخراج الدلالة من خلال ملاحظة جميع الاستعمالات وتعريفها بجملة طويلة. قال صاحب القاموس:

والطرق: نتف الصوف.

والطُرقة: الظُلمة والطمع والحجارة بعضها فوق بعض والعادة.

والطريق والطرائق: والطرق - المسلك. والطريق: شريف القوم. والمطاريق: المشاة. وأطرقَ سكتَ ولم يتكلمّ. والَطرقةُ: الصنعة. والَطْرقُ: الإتيان في الليل.

قال والطارق: كوكب الصُبح!!

وهذا صَحيح إذا لم يكن كلَّ صبح بل الصّبح المذكور في القرآن على ما يأتيك.

أقول يمكننا ان نجمع الاستعمالات الأساسية على معنى موحّد يمثل أصل اللفظ.

وهذا المعنى الأصلي للطرق هُوَ الذي ينطوي على طرف آخر إذ هُوَ اتخاذ مسلك معّين للظهور من خلال الطرف الآخر. فشريف القوم يظهر بقومهِ وفيهم. ولذلك كانت الطريقة هي المسلك الذي يتم فيه ظهور الحركة. والمُطرق (الساكت) كذلك يتخذ مسلكاً معيناً لظهور الإجابة هُوَ الصمت والسكوت فهو استخدام على الحركة من خلال التمثيل. والطارق إذن هُوَ فاعل الفعل الظاهر لذلك قالوا الطُرقة هي الصنعة وطارق الليل السالك فيه على هذهِ الطريقة. ويَصحّ بالطبع لإفادة المفاجئة والمباغتة لأن المسلك المخصوص من شؤون صاحبهِ إذن فالطارق على المعنى الأعم ذو الطريقة التي لا يحيد عنها والذي يعمل المفاجئات والذي يظهر على غير ميعاد سابق. وتلك صفة واضحة في المذنب.

أما المرويات:

ففي كتاب العلل وكتاب البرهان وكتاب الأنوار النعمانية بأسايندهم عن الإمام علي (ع) انه سئل عن الطارق الذي في القرآن فقال:

"هُوَ أحسن نجم في السماء وليسَ يعرفه الناس"(1) ومعلوم ان المذنب هُوَ أحسن النجوم وأكثرها جمالاً وما ولَعُ المئات من الهواة في رَصد المذنبات خصوصاً الاّ لحُسنها وجمالها.

وجاء في الحديث أيضا:

"وإنّما  سمي الطارق لأنه يطرق نوره سماءً سماءً إلى سبع سموات ثم يطرق راجعاً حتى يرجع إلى مكانه".

وفي نسخة العلل:

"ثم يطرق سماءً سماءً راجعاً حتى يرجع إلى مكانه". ويظهر لنا من تتبع السموات السبع في القرآن ان المقصود بها في بعض الموارد (النظام الشمسي). فالغلاف الغازي أو المدار لكل واحد منها وفضاءه هُوَ سماء مستقلة. ويؤكد ذلك الحديث المار في الفصول الأولى، بالرغم من ان النظام السباعي قد يكون نظاماً كونياً عاّماً.

وإذن فان الطارق يخترق هذهِ المدارات ويعود إلى موضعه وهذهِ صفة المذنب حسب العلم الحديث - (راجع المجلات المتخصصة في مدارات المذنب).

النتيجة:

أن الطارق النجم الثاقب. هُوَ نجم متقدّ ذاتياً شديد الحمرة له مدار خاص به يظهر بغتة وفق مسلكه في الحركة وهُوَ المذنب.

لكنه بالطبع ليس كل مذنب. لأنه معّرف بمفرده (الطارق) وعرف ثانياً بالنجم المعرف بال التعريف وعرف ثالثا بالنعت (الثاقب) وعرف رابعاً بالعطف على معرف بنفسه وبال التعريف (السماء)، وعرف خامساً مكرراً بالسؤال (وما أدراك ما الطارق).

فهذا التعريف المستمر له يدل لغوياً على انه نجمٌ واحد محددّ ومعلوم. وقد لاحظنا ان الأحاديث التي ذكرت العلامات ذكرته بأسماء مشابهة "إذا رأيتم نجمكم" - "ليس هذا نجم الآيات.." "فإذا جاء النجم ذو الذنب" .. "فكأني بالنجم ذي الذنب .." .. الخ إنما تشير إلى النص القرآني وتأكيده على هذا النجم الموعود الذي يحوّل واقع الأرض إلى واقع آخر مختلفٍ جذرياً.

مناقشات سريعة مع التفسير الاعتباطي لما في سورة الطارق

1. الطوسي: "بينّا القول فيه فالطارق هُوَ الذي يجيء ليلاً وقد فسره الله تعالى بأنه النجم الثاقب فالنجم هُوَ الكوكب وقال الحسن المراد جميع النجوم.

أقول لم يبين لنا أيَّ شيء لأنه إذا كان هُوَ الذي يجيء ليلاً فآلآف وملايين النجوم تجيء ليلاً بالتتابع حسب دوران الفلك (عندهم) - أو الأرض كما نفهم الآن.

وأما قوله هُوَ الكوكب فهو اعتباط محض! لأن الكوكب مستعمل في القرآن مع نكرة معرفة بالإضافة (زينة الكواكب) على الجمع بينما النجم الثاقب معرف خمس مرات في السورة على انه مفرد. وقول الحسن البصري المراد الجميع فما أدراه! ان الله يريد الجميع وهُوَ يذكر المفرد المعّرف خمس مرات!؟ ولماذا لم يجمعه كما جمعه في الواقعة فقال (فلا اقسم بمواقع النجوم)؟ ام يرى ان المفرد والجمع سواء؟ وان الله يأتي بالمفرد حيث يريد الجمع وبالعكس؟ سبحان الله عما يصفون.

2. ابن زيد: قال "النجم الثاقب" هُوَ زُحل. أقول وما الذي يدعوني لتصديق ابن زيد هذا؟

ترى لو أعجبه ان يقول (المشتري) أو (عطارد) فهل أصّدقه؟

(قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين).

3. عكرمة ومجاهد: "انه على رجعة لقادر".

قالا: أي ردّ الماء في الصلب قادر.

أقول: قد ذكرت ان إنكار الإعادة أو رجوع الأموات إلى الحياة (بالبعث أو النشور) هو من قول الذين كفروا كما نص القرآن.

فالله يقول فلينظر الإنسان مم خلق ثم يقول انه على رجعة لقادر يوم تُبلى السرائر. فإذا كان الضمير يعود على الماء فما علاقة ذلك بالسرائر أليس (يوم) مبني على الضرفية؟ أي قادر على رجعهِ في هذا اليوم فهل يكون انكشاف السرائر للماء دون الإنسان انظر ثم انظر أخي القارئ إلى تعسف الاعتباط ومحاولاته اليائسة لصرف الأنظار عن دلالة الآيات. الله يقول على رجعة لقادر مخاطباً الإنسان (فلينظر) وهم يقولون رد الماء في الصلب!!

4. الضحاك: (أنه على رجعةِ لقادر) أي انه على ردّ الإنسان ماءً كما كان قادر. والرجع هُوَ الماء.

ليتَه إذ فسرّ الرجّع بالماء قال هُوَ (على رجعهِ) أي ماءهِ قادر بمعنى يُعيده من الماء كما خلقه من الماء لأنه قال (خلق من ماء دافق).

فإذا كان الرجع هُوَ الماء أصبح قوله تعالى " على رجعهِ لقادر " أي على ماءهِ فالضمير يعود قطعاً على الإنسان فكيف يزعم انه يردّ الإنسان إلى ماء كما كان لأنه يتحدث عنه في الضمير المتصل بالرجع.

كل ذلك وكأنه مصر على إنكار البعث بأية وسيلة - ولم يحدث ذلك مطلقاً في آيات البعث الكلي يوم القيامة وإنما حدث في آيات البعث في الطور المهدوي خصوصاً.

تقاسمها عكرمةُ والضحاك:

واحد يقول ردُّ الماء إلى الصلبِ والآخر يقول ردُّ الإنسان إلى ماء!

أما ردّ الماء إلى إنسان فلا! لأنه هُوَ المتعين من النشور كما سيأتيك مفصلاً في موضعه.

"زعَم الذين كفروا ان لن يبعثوا! قل بلى وربّي لتبعثن ثم تنبئون بما عملتم وذلك على الله يسير" التغابن/ 7.

علاقات لفظية للسُورة مع الحديث الشريف

لمّا كان المذنب نجمٌ من النجوم وهُوَ شمس مستقلة بحركة ذات مدار خاص بها فقد ارتبط لفظ الشمس أو الكوكب أو المذنب في أحاديث كثيرة عن الطور المهدوي ارتبط بقائد هذا الطور كما في الأحاديث الآتية:

1. إكمال الدين بمسندهِ عن علي بن ابي طالب (ع) وبعد ان ذكر سلسلة من الوقائع قال:

"وذلك بعدَ طلوع الشمس مع مغربها". إكمال الدين نقلناه عن البشارة/ ب2 - 57.

ثم ان رجلاً اسمه النزالٍ ابن سبرة سأل صعصعة بن صَوحان عن هذهِ العبارة خصوصاً فقال صعصعة:

"يا بنَ سبرة ان الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم هُوَ الثاني عشر من عشرة رسول الله التاسع من ولد الحسن وهُوَ الشمس الطالعة من مغربها ...الخ".

ومن المحتمل ان صعصعة قد شرح الأمر كما يفهمه هُوَ وعلى طريقة (المجاز اللغوي) بينما طلوع الشمس من مغربها حدث كوني فعلي يقع في هذا الطور يتناغم لفظياً مع طلوع شمس المعرفة.

2. لاحظنا أيضا تشبيه النبي (ص) له بأنّ (وجَهه كالكوكب الدرّي) وفي مثل هذهِ النصوص نجد انتخاباً مقصوداً لألفاظ معينة تفيد في التنويه عن العلامات في ذات الوقت.

3. ونلاحظ ذلك أيضا في أحاديث عامة غير متعلقة بالعلامات، فحيث ما وجدت فرصة للتنويه عن علاقة قائد الطور بالفلك والنظام الطبيعي ذكر الحديث هذهِ العلاقة وخاصة مع الشمس.

ففي حديث طويل ذكر فيه الإمام الصادق (ع) الفتن فبكى السامعَ قال (فبكيت فقال لي ما يبكيك  يا أبا عبد الله فقلت فكيف لا أبكي وأنت تقول اثنتي عشر راية مشبهة لا تدري أي من أي فكيف نصنع فقال (وقد) نظر إلى شمس داخله في الصفة فقال يا أبا عبد الله ترى هذهِ الشمس؟ قلت نعم. قال والله لأمرنا أبين من هذهِ الشمس.

4. في حديث آخر للإمام علي (ع) ورد فيه تفصيل للعلامات العامّة للطور المهدوي وهُوَ الحديث الوحيد الذي يجعل المذنب أولّ علامة في تسلسل العلامات.

هذا الحديث هُوَ جزء من خطبة للإمام (ع) تُسمى (اللؤلؤة) نأخذ منها موضع الاستشهاد:

".. وتعمل القبة الغبراء ذات القلادة الحمراء وفي عقبها قائم الحق يُسفر عن وجههِ بين الأقاليم كالقمر المضيء بين الكواكب الدرّية. ألا وانّ لخروجه علامات عشرة أولها طلوع الكوكب ذي الذنب.." البشارة /87.

ومن هنا ندرك جزءً من سبب تخصيص سورة لهذا النجم الموعود المتقد ذاتياً وتسميتها باسمه (سورة الطارق)، لأن هذا النجم هُوَ أول العلامات الكونية المحتومة وهُوَ المسبب لتتابع بقية العلامات في نظام كنظام الخرز حسب النص (النبوي). وهُوَ الذي يقوم بنقل واقع الأرض إلى واقع جديد يلائم هذا الطور والذي هُوَ الهدف الأساسي من الخلق.

4.  العلامات الكونية في سورة التكوير

تبدأ السورة بذكر عدد من الوقائع المستقبلية بأداة الشرط إذا ولا يأتي جواب الشرط الاّ بعد اكتمال اثنتي عشرة واقعة وهذهِ الوقائع هي على الترتيب التالي:

1.    إذا الشمس كورت.

2.    وإذا النجوم انكدرت.

3.    وإذا الجبال سيّرت.

4.    وإذا العشار عطلت.

5.    وإذا الوحوش حشرت.

6.    وإذا البحار سجّرت.

7.    وإذا النفوس زوجت.

8.    وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت.

9.    وإذا الصحف نشرت.

10.  وإذا السماء كشطت.

11.  وإذا الجحيم سُعرت.

12.  وإذا الجنة أزلفت.

وحينما تنتهي الوقائع الاثنتي عشرة يأتي جواب الشروط كلها جواباً واحداً هُوَ "علمت نفس ما أحضرت". وحينما ينتهي ذلك يأتي نفي للقسم (فلا اقسم بالخنسّ...) حيث تعاد صيغ شرطية أخرى مع جواب جديد كما سنرى وموضوعنا يتعلق بهذهِ الصيغ الشرطية وجوابها ولكن قبل ذلك نذكر بعض الملاحظات عن الوقائع الآنفة:

الأولى: ان جواب الشرط متعلق بكل واقعة على انفراد ومعنى ذلك ان الشمس إذا كورت علمت نفس ما أحضرت وإذا النجوم انكدرت علمت نفس ما أحضرت وهكذا إلى قوله وإذا الجنة أزلفت.

لماذا؟ لأن هناك إعادة للشرط (إذا) فلو كان السياق مقتصراً على العطف فقط لكان الجواب لا يقع الاّ عند وقوع الحوادث كلها وهذا الفارق الهام أهملهَ الاعتباط اللغوي فلو قلت لابنّك: إذا درست وعملتّ معي في الحانوت وأطعتني بنيت لك داراً لك...".

يفهم السامع انك لا تبني الدار الاّ عند وقوع الثلاثة سوية الدراسة والعمل والطاعة. ولكن لو قلت له "إذا درست وإذا عملت معي وإذا أطعتني بنيت لك داراً".

فأنه يفهم انك تبني له الدار إذا عمل أية واحدة من الثلاثة. وهذا ما أتفق العوام عليه بالسليقة اللغوية يقول القائل "يا أخي إذا سلمتني المال وإذا أودعته عند أحد وإذا أعطيتني مكانه كذا فاني راضٍ فالمهم ان توفيني مالي".

يفهم السامع ان الرضا متعلق بتحقيق أي واحد من الشروط لا جميع الشروط.

الثانية: ان الترتيب هنا زماني. فالوقائع المستقبلية تترتب زمانياً ولكنه ليس كما نتصور أي ان الأول من الوقائع هُوَ الأخير بالنسبة لنا.

فالسامع إنما يُثيره اقتراب الوقائع لا ابتعادها. ألا ترى المحقق مع المتهم يبدأ بالسجن الذي هُوَ نهاية قصة المتهم ثم يفاجئه كل مرة بما يؤدي إلى السجن ويذكر له التفاصيل مقترباً من واقع الحدث وزمانه؟ هذا الترتيب هُوَ ما تؤكده الآيات التي مرت علينا في سورة هود.

فالجنة إذا أزلفت هُوَ أولّ الوقائع المنتظرة. وتستمر ما دامت السموات والأرض فإذا كورت الشمس بعد انكدار النجوم الغي هذا النظام الكوني وانتهت المراحل ومعلوم ان هذهِ الوقائع على هذا الترتيب واقعة زمانياً بين أول الطور المهدوي ويوم القيامة.

بمعنى أنها تمثل حقب ومراحل هذا الطور.

الثالثة: ان عدد هذهِ الوقائع مترابط مع النظام الكوني. لقد لاحظنا ان السبعة نظام بنائي: سبعة سموات - سبعة الوان ..الخ والثلاثة نظام زماني والاثنان نظام توليدي يمثل الزوجية العامة أو التقابل الضروري للوجود مثل شمالي جنوبي في المغناطيسية وسالب وموجب في البناء الذري.

ومجموع هذهِ الأنظمة هُوَ اثني عشر.

وأيضاً لاحظنا ان هذا العدد مساوٍ لعدد خلفاء الطور المهدوي في الحديث الشريف:

"كنّا جلوساً إلى ابن مسعود بعد المغرب وهُوَ يعلّم القرآن فسأله رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن أسألت النبي (ص) كم تملك هذهِ الأمّة من خليفة فقال: ما سألني عنها أحد قبلك نعم خلفاؤكم اثنتي عشر عدة نقباء بني إسرائيل".

مصادر الحديث بألفاظه المختلفة وأسانيده المختلفة:

1.    مسند احمد بن حنبل: أربعة وثلاثون طريقاً هي في الجزء الخامس بالصفحات من 86-108.

2.    المستدرك / ج3/ 618-617.

3.    الخلافة والأمارة ب1/ ف 1/ 34.

4.    كنز العمال / ج 5 - 312 المطبوع في هامش مسند أحمد.

5.    تاريخ بغداد / ج 14/ 353 ح 7673.

6.    تاريخ الخلفاء/ 7.

7.    الصواعق المحرقة / ف 3 ب 1/ 11.

8.    صحيح البخاري/ ج 4/ كتاب الأحكام باب أخراج الخصوم.

9.    الترمذي في الصحيح / ج 2 ص 45.

10.  صحيح مسلم / باب الأمارة.

11.  صحيح ابي داود م ج 2 / كتاب المهدي.

12.  في كتب الشيعة المختلفة / 614 حديثاً عن الخلفاء الاثنى عشر. مجموع النصوص في الأثنتي عشر خليفة يربو على تسعمائة نص.

الرابعة: ان المقصود بلفظ (خليفة) أو (خُلفاء) في النص النبوي هُوَ عين المقصود به في النص القرآني، لأنه (ص) يحاكي القرآن في ألفاظه. فالخليفة والخلفاء في النص القرآني شخوص محددّين بأسمائهم قبل خلقهم على ما جاءت به البشائر المختلفة في القرآن. والخلافة في القرآن مركز إلهي.

أما هَؤلاء الذين يسميّهم الناس (خلفاء) فلا علاقة للنص القرآني والنبوي بهم. الخليفة تسجد له الملائكة كما سجدت للخليفة الأول آدم إذا اعتبرناه هُوَ المقصود بقوله تعالى (إني جاعل في الأرض حليفة). وقد يقول البعض وخاصة تلامذة المستشرقين: ان هذا هُوَ نفسه (الحق الإلهي) الذي حكمت الكنيسة به الناس قرون طويلة.

والجواب نعم انه الحق الإلهي نفسه الذي حكت به الكنيسة قرون طويلة لكنه مسروق من أصحابه الفعليين. فالكنيسة لا تمتلك في الأصل هذا الحق، وهذا هُوَ الفارق بين المالك الفعلي والسارق. إنما هذا الحق هُوَ خاص بالمسيح (ع) وحَدة ومن هُوَ مثله عند الله. الا ترى النص النبوي يذكر المهدي (ع) باسم خليفة بطرائق كثيرة مثل "من خليفة الله فاتبعوّه" أو (لابّد من خليفة) وكذلك ورد في النبوي المجمع على صحتهِ ان المسيح (ع) يصلي خلفه.

إذن فقوله (ص) (الخلفاء من أمتي اثنا عشر عدة نقباء بني اسرائيل) المراد به رجال من هذهِ المرتبة.

فهنا يتم ابتلاء الخلق كما ابتلى الملائكة بالسجود لآدم، وامّا الحرية في الاختيار فأنها تظهر هنا فقط. لأن العبودية للموجودات هي العبودية والعبودية لله هي التحرر من عبودّية الموجودات. ولكن العبودية الحقهّ لله يجب ان تفرز فرزاً صحيحاً ولا يتم هذا الفرز الاّ بالتحرر من الذاتية وعبادة (الأنا) فالتحرر يتم من خلال طاعة الله في طاعة من أمرّ بطاعتهِ من الخلق. فالأمر الإلهي واحد لا يمكن تجزئته وحينما يريد الله استخراج الصالح من الطالح أو الطائع من العصي فأنه يأمر بطاعة بعض الخلق دون البعض خلافاً للظواهر وبهذا الطريق وحده يتم الفرز.

واغرب ما قرأت لأحد كتاب مصر المتحذلقين زعمه ان تحديد اثنا عشر اماماً أو خليفة للنبي (ص) يتعارض مع الحرية.

فهذا الزعم لا يّدل إلاّ على جهل مُطبق بالحريّة. لأن تحديد هذا العدَد لا يُلغى الاختيار بل يُحددّه. وهُوَ مثل الأمر ان تكون صلاة الظهر أربع ركعات والمغرب ثلاثة والفجر ركعتين.

إذ يتوجب على هذا الكاتب الغبي رغم شهرته ان يدعيّ ان التشريع مخالف للحرّية في كل واحدةِ من التفاصيل. وعلى ذلك فالتشريع الوضعي يؤدي إلى نفس النتيجة وعليه ان يقترح على (مجلس الأمة) المصري إلغاء كافة القوانين.

القانون موضوع للالتزام به لمن أراد سواء كان إلهياً أو وَضعياً والحرية باقية إذ لا أحد له قدرة على سلب حرية الاختيار منّ أي كائن. ولذلك تجد من يخالف القانون ويخرج عليه دوماً فإذا طاله القانون عاقبه وإذا لم يطله بقي خافياً فالقانون يطلب من الأفراد ان يختاروا كذا ولا يختاروا ما هو عكسه لكن هذا الرجل يبدو أنه يحمل ضغينة على الله خُصوصاً فظهرت في تحديد اثنا عشر خليفة لأنه لو قال ذلك بشأن الصلاة كفرّه

(الأزهر الشريف) وحدثت مشكلة.

ولكنه يستطيع قول ذلك مع (اثنا عشر خليفة) لأن الاعتباط يرتاح نفسياً لأبطال هذا الجزء من التشريع واختيار جزء آخر - مع ان النصوص التي تؤكد هذا العدد هي أضعاف النصوص الخاصة بعدد الركعات.

ان طاعة الله لا تتحقق ابداً الاّ عند طاعة أوامره كافة واعتبارها امراً واحداً.

قلنا ان الوقائع الاثنتي عشرة في السورة الكريمة مرتبة تنازلياً من الأبعد إلى الأقرب. وإذن فاؤّل الوقائع الزمنية المنتظرة هوَ (إذا الجنة أزلقت) إذ هو أول الوقائع المنتظره السابقة للقيامة.

هذا يعني انها آخر وقائع الطور المهدوي. فيتسعّر الجحيم وتزلف الجنة .. وبعكس الترتيب فتنتهي بتكوير الشمس وانتهاء النظام الطبيعي المعهود.

وهذا يعني ان الجنة ستكون بعيدة في الملكوت السماوي حيث نبرهن في فصول لاحقة ان الجنة تنطلق من الأرض وتغزو السماء فالكفرة الفجرة لا يستطيعون الارتقاء في الأسباب (وتتقطع بهم الأسباب)(1) ولا يقدرون على الفرار(2) من الأرض فتجري عليهم اهوال التغيرات الكونية لأنهم إذ عنوا للمادة وعصوا خالقها فتنغلق عليهم مفاتيح الوجود (ولا تفتح لهم أبواب السماء حتى يلج الجملُ في سم الخياط)(3)

لذلك قال النبي (ص) "لا تقوم الساعة إلاّ على شرار الخلق"(4). ونحن هنا نفرق لفظياً بين الساعة ومرساها وقيامها.

وعلى هذا الترتيب فعندما يتم جواب الشرط (علمت نفس ما أحضرت) ويعود إلى نفي القسم " فلا اقسم بالخنسّ الجوار الكنس..." فان هذا السياق مع شروطه الجديدة (والليل إذ عسعس والصبح إذا تنفس) وجواب هذهِ الشروط سيكون خاصاً بالطور المهدوي وعلاماته، بينما كان القسم الأول من السورة مختصاً بمرحلة ما بعَد المهدوية. لذلك سنحاول ملاحظة هذهِ الشروط والإجابة وارتباطها اللغوي بالعلامات الكونية:

المذنّب الموعود في سورة التكوير

" فلا أقُسمُ بالخنسّ. الجوار الكنسّ. والليل إذا عسعس والصُبح إذا تنفسّ. انه لقول رسول كريم. ذي قوةٍ عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين. وما صاحبكم بمجنون. ولقد رآه بالأفق المبين. وما هُوَ على الغيب بضنين. وما هُوَ بقول شيطان رجيم. فأين تذهبون. ان هُوَ الاّ ذكر للعالمين. لمن شاء منكم ان يستقيم وما تشاءون الاّ ان يشاء الله ربّ العالمين".

يبدأ النص القرآني في مرحلته الثانية بذكر الوقائع التي تسبق الطور المهدوي ويرتبها هذهِ المرة ترتيباً جديداً من الأقرب إلى الأبعد ذلك لأن هذا الطور هُوَ مفتاح ما يقع من الحوادث المذكورة في أول السورة.

ويبدأ ذلك بنفي القسم: "فلا اقسم بالخنسّ"، والذي يُسمّيه الاعتباط اللغوي بالقسم. ونحن سمّيناه نفي القسم لأن الله تعالى لا يجوز بحقه ان يقسم بشيء من خلقهِ لأن القسم (براءة) من الأشياء واعتماد على المقسم به بينما (الحلف) الذي يتحقق بالواو هُوَ ارتباط مع المحلوف به فيجوز بحقهِ تعالى.

أما المخلوق فيجوز الحلف ولا يجوز القسم بغير الله لأنه لا يمكن ان يعتمد على غيره تعالى، وهو تفريق نفيس ذكرناه في كتاب (اللغة الموحّدة) وكتاب (النظام القرآني).

وتسمّي الواو عند الاعتباط بواو القسم بينما هي واو الحلف لأنها تخلو من لفظ (اقسم).

لذلك لم يرد في القرآن إلاّ نفي القسم من قبلهِ تعالى وهو اثنا عشر مورداً نفي فيها القسم جميعاً.

واليوم ونحن نكتب هذهِ السطور وجدنا من المأثور ما يؤيد ذلك في حديث عن الإمام علي (ع) هذا نصّه:

"محمد بن العباس قال حدثنا عبد الله بن العلا عن محمد بن الحسن بن شمون عن عثمان بن ابي شيبه عن الحسن بن عبد الله الارجاني عن سعد بن ظريف عن الأصبغ بن نباتة عن علي عليه السلام قال سأل ابن الكواء عن قوله عز وجل فلا أقسم بالخنسّ الجوار الكنسّ قال (ع): ان الله لا يُقسم بشيء من خلقه..."(1) أقول ذهل المؤلف لغلبة الاعتباط عليه فقال قبل الوصول إلى الحديث: (فلا أقسم أي أقسم) - تم ذكر الحديث بعد ذلك ولم يصحح ما ذكره آنفاً.

وقد تقول لماذا ينفي القسم؟ وما الغاية من ذلك؟

والجواب انه تعالى حينما يقول لا أقسم فأنه يريد منا أن نعلم انه لا يقسم بهذا الشيء ومعنى ذلك انه لو  كان يجوز بحقه أن يقسم شيء لأقسَم به لعظمته عنده لذلك قال في الواقعة:

(فلا أقسم بمواقع النجوم. وانه لقسَمٌ لو تعلمون عظيم).

فإذا قلت: إذا كان القسم لا يجوز بحقه تعالى ولا يجوز للعبد أن يُقسم بغير الله فلمن هو قسَمٌ عظيم إذن؟

والجواب: ان تعظيم القسم لا علاقة له بوقوعه وجوازه أو عدمه؟

فهذا القسم لو كان يجوز فهو عظيم.. بيد انه لا يجوز. ألا ترى كيف تظهر هنا معادلة عجيبة غاية العجب فانه يعظم القسم بالشيء فمن جهة يظهر لك عظمة عند الله ومن جهة أخرى ان هذه العظمة لا قيمة لها أمام المطلق مهما بلغت! وإذن فتعظيمك للقسم والمقسم به على الفرض هو لتعظيم الله له فقط.

فانه بهذا النفي وبهذا الاستعمال اللغوي حافظ على تعظيم الشيء مع عدم المساس بعظمة المطلق. أو حافظ على التعظيم المطلق لله مع تعظيم الشيء.

فانظر اذن إلى عظمة (الخنسّ الجوار الكُنّس) عند الله.

فما هي الخنسّ الجوار الكُنّسّ؟

الخُنّس الجوار الكُنّس:

قال ابن مسعود (رض) وجماعة هي: الضُباء، جمع ضَبي وهو الغزال.

وقال سالطوسي: وقيل هي بهرام وزحل والمشتري وعطارد والزهرة.

وقال أهل اللغة: الخانس الغائب عن الطلوع.

وقال آخرون: روي عن أمير المؤمنين علي (ع) أنها النجوم - لانها تخنس بالنهار وتبدو بالليل.

ويظهر ان العبارة الأخيرة من شروحهم وإضافاتهم وليست من قول الإمام (ع) إذ من المحتمل انه قال (النجوم) على التعميم.

وخالف البيضاوي في كتابه أنوار التنزيل فقال بوجه واحد هو:

"الخنس الكواكب الرواجع من خنس إذا تأخر وهي ما سوى النيرين من السيارات".

وهذا يعني ان الخنس عنده هي الكواكب السيارة. وقال "لانها تختفي في ضوء الشمس".

أقول ان تأخر الطلوع مساوٍ للطلوع لتساوي الليل والنهار في المعدل ولذلك فان الخنس يفقد دلالته مع السيارات لطلوع بعضها بصورة دائمة والمطابق لمعنى اللفظ هو المتأخر في الظهور تأخراً بيناً وواضحاً - بينما السيارات تتناوب الظهور والخفاء.

ما علاقة (الضباء) بالأمر في تفسير ابن مسعود (رض)؟

العلاقة هي إن الضبي يتخذ من جذع الشجرة بيتاً في أسفله ليسكن فيه.

وتسمى الضبية الوحشية في هذه الحالة بالكناس. وقيل ان البيت وحده هو الكناس - فربطوا بين لفظ خنس وكنس فقالوا الضباء. وفي القاموس:

الكناس بيت الوحشية تتخذه في جذع الشجرة.

قال: والجواري الكنس هي الخنس أو هي كل النجوم أو الملائكة أو بقى الوحش وضباؤه والكناسة هي القمامة.

أقول: لابد من معرفة الكنس لتحديد دلالة الخنس لأنه تعالى أوضح الخنس بها فقال: الخنس الجوار الكنس.

والجوار واضحة من الجري وهي الحركة السريعة.

وهذا يعني استبعاد جميع التفاسير أعلاه لانها مناقضة لها في الحركة فالوحشية إذا اختفت لم تتحرك والسيارات بطيئة الحركة جداً فالمشتري يكمل دورته حول الشمس بأكثر من أحد عشر عاما من سني الأرض وكلما ابتعد المدار ازداد البطء في الحركة المنظورة من الأرض.

قال في القاموس: الكناسة موضع بالكوفة وأشياء أخرى هي:

المرأة الحسناء.. والكنيسة السوداء! (لاحظ التناقض)، وسبعة مواضع بمصر وتكنَّس دخل الخيمة والمرأة دخلت الهودج. وهذه المعاني وضعت بصورة مستعجلة وبغير تمحيص.

فالكناسة ليست موضعا بالكوفة إنما هي مقبرة الكوفة.

والقبر هو كناس لأنه يخفي جسد صاحبه مثلما تخفي الخيمة والهودج والشجرة من يدخل فيها.

إذن الكنس هي ذوات حركة سريعة بيد إنها مختفية في بيت فهي من جهة تغيب غيبة طويلة ومن جهة أخرى فإنها تجري بسرعة ومن جهة ثالثة فإنها مختفية في بيت ورابعا إنها من النجوم قطعا لأنه الوجه الذي ذكره الجميع والملائم لسائر موارد نفي القسم والحلف في القرآن:

(فلا أقسم بمواقع النجوم)

(والنجم إذا هوى)

(والسماء والطارق)

(كلا والقمر....) ... إلى آخر الآيات. 

فما هي الأجسام الكونية المتصفة بهذه الصفات الأربعة؟

إنها المذنبات وهي الوحيدة التي تتصف بهذه الخصائص مجتمعة، لأنها:

أولاً: من النجوم لانها شموس متقدة ذاتياً.

ثانياً: لها نواة محاطة بهالة من الغازات عند الرأس وصورتها مع الذنب هي صورة الوحشية مع شجرتها.

ثالثاً: إن سرعتها مهولة فهي أسرع النجوم حركة.

رابعاً: إن ظهورها يتم بعد اختفاء طويل الأمد وغيبة أطول من فترة الظهور يصل بعضها إلى آلاف السنين كما رأيت من قبل.

إن دقة التشبيه القرآني والتسمية هي إلى درجة ان التسمية وقعت على أحد الألفاظ القرآنية في العالم الصناعي حيث سميت أنواع من المذنبات (بالمكنسة) لأن لها ذيول تشبه المكنسة.

الواقع ان هذا جزء مما سميناه بالحماية الذاتية للتعاقب الصوتي.

إذن فالتفاسير المذكورة تحمل دلالة التشبيه والمطابق للنص القرآني هو الوجه الذي يقول إنها نجوم من غير تحديد.

- علاقات أخرى -

ان لهذه التسمية علاقات هامة بالمهدوية مثلاً:

أ. إن فيها إشارة إلى تأخر الوعد كما تتأخر المذنبات.

ب. إن فيها إشارة إلى غيبة (النجم) الموعود في علاقة مع غيبة طويلة (للنجم) الذي يهدي الخلق أي المهدي الموعود (ع).

ج. إن فيها إشارة إلى علاقة ذلك بنزول المسيح (ع) من السماء.

د. إن فيها دلالة إلى عنصر المفاجأة والمباغتة في الظهور.

هـ. إن فيها إشارة إلى وصول النور الذي يبدد الليل ويجعل الصبح متنفساً بعد طول اختناق وبعد ظلام طويل.

(والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس):

في هذين المقطعين عطف على نفي القسم أي لا اقسم بالخنس الجوار الكنس ولا اقسم بالليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس.

قال ابن عباس (رض) ومجاهد والضحاك وابن زيد عسعس: أدبَر بظلامه

وقال مجاهد والحسن: أقبل بظلامه.

وقال الطوسي: عسعس إذا أدبر.

وقال الفيروز آبادي: عسعس أقبل أو أدبر.

وقال البيضاوي: أقبل وأدبر لأنه من الأضداد.

أقول: لابد من الرجوع إلى (عس) لان اللفظ هو مكرر له.

عس: طاف بالليل. وعَسّ خبرُه: أبطأ. وعست الناقة: رعت وحدها. والعسعاس: السراب.

قال: وعسعس السحاب دنا من الأرض.

أقول: ان ما يجمع هذه المعاني هو حركة عس. إذ تنطوي الحركة على ثقل مع تردد. فالسراب مثلا يتردد في الحرمة. ولذلك قالوا أبطأ. والثقل والتردد يظهر في السحاب الثقيل إذ يرتفع وينخفض بحسب قوة الرياح.

ان الألفاظ المكررة هي ذات حركة ترددية دوما مثل: تعتع، عتعت، زحزح... الخ فهي تتصف بالتردد بين جهتين لذلك قالوا أدبر وأقبل وقال البعض أدبر وقال آخرون أقبل.

هل تحدث حركة مثل هذه في الليل؟

أبداً لم تحدث حركة كهذه في الليل فالليل يتحرك كما هو بهذا النظام المعهود وبالحركة الدورانية للأرض والتي هي حركة لطيفة لا يشعر بها أحد.

إذن فهذا الليل الذي لا يقسم به الله ويظهر عظمته هو ليل مخصوص لا كل ليل.

فقد ورد ذكر الليل في القرآن بنحو من (66) مرة.

وأكثر تلك الموارد ذكرت جريان الشمس والقمر وحركة الليل والنهار الطبيعية وتكويرهما على بعضهما وولوج أحدهما في الآخر.

هذه بعض الموارد:

"وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار"        33/14

"وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر"                         12/16

"وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر"                     33/21

"ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل"             29/31

"يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل"                     5/39

"يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار"              44/24

يزعم الاعتباط أن (عسعس) هو ما يحدث في كل ليل من إقبال وإدبار. لكننا نلاحظ ان وحدة السورة تستلزم اعتبار هذه الوقائع المشروطة بأداة الشرط إذا مشابهة في وقوعها للحوادث المارة في أول السورة فهذا الثقل في الحركة والعسعسة لا تحدث في الليل الطبيعي فالقسم مشروط بأداة الشرط (إذا عسعس).

قالوا أيضا: امتلأ بظلامه ومنه عس اللبن إذا امتلأ.

هذا صحيح ولكن متى يملئ بظلامه فقد قال الحسن إذا أظلم ومعلوم أن الليل ينطوي على الظلمة فهو مثل قول القائل إذا السواد أسوّد.

إذا كان المقصود تكاثف الظلام فلابد أن هذا ليل مخصوص يتكاثف فيه الظلام لأسباب كونية متجددة على النظام الطبيعي وحجب للنجوم.

فإذا رجعت إلى العلامات الكونية فان (ركود الشمس) معناه توقف الحركة المحورية للأرض بسبب المذنب كما رأيناه من قبل.

وبعد ذلك التوقف تدور الأرض بصورة معكوسة حينما تزحزح من وضع السكون عند ابتعاد المذنب إلى الجهة الأخرى. \

وسوف يحجب الذنب النجوم وقد رأينا أيضا ان ذلك سوف يؤدي إلى حصول ليل طويل جدا لان الجزء المظلم من الأرض يتضاعف فيه الليل لحين اكتمال الدوران العكسي.

فإذا صادف وقوعه على الجزء المسكون أو النصف المسكون من الأرض فهو ليل كثيف الظلام وطويل وخانق وهو اكثر الليالي رعباً بالنسبة لسكان المعمورة.

وهنا تلاحظ حركة القلقلة من الوضع السابق إلى اللاحق مروراً بوضع السكون بصورة جلية. فالعسعسة حركة بطيئة وثقيلة غاية الثقل لامتلاء الأرض بالظلام الدامس ومعلوم أن ذلك تصاحبه زحزحة واهتزاز عنيف لإخراج الأرض من وضع الركود إلى الوضع الجديد الذي تطلع فيه الشمس من مغربها.

وعند طلوع الشمس يتنفس الصبح المختنق وتتنفس الخلائق بعد ليلة طويلة ومرعبة تعادل ثلاثة أيام في بعض المرويات.

"أنه لقول رسول كريم":

جواب الأقسام المنفية المذكورة:

قالوا: الضمير في أنه يعود إلى القرآن.

ولما كان معنى ذلك انه القرآن من قول الرسول وهو ما ادّعاه الذين كفروا فقد اضطروا إلى جعل الرسول الكريم هو جبريل (ع) لإبعاد فكرة التقول.

بينما لا فرق بين الأمرين لأنهم زعموا أيضا ان القرآن يملى عليه بكرة وأصيلاً وجبريل (ع) هو الآخر مخلوق. ويبدو ان المفسرين لهذا السبب وحده أضافوا عبارات تنوه عن هذا الالتباس لتخريجه بأية صورة.

قال البيضاوي: (أي جبريل (ع) فانه قاله عن الله).

يريد بهذه العبارة التأكيد على أن جبريل (ع) لا يمكن ان يتقوله بينما النبي (ص) يمكن أن يتقوله!

وهذا واضح البطلان لأن النبي (ص) عندهم أعلى مقاماً من جبريل (ع).

وقال الطوسي عبارة مماثلة: "معنى انه سمعه من جبرائيل ولم يقله من قبل نفسه".

وكأن جبريل (ع) عند الكفار لا يتقول بخلاف النبي (ص).

أقول وهنا مناقشتان غير ما مر:

الأولى: في قوله تعالى "ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين" - الإجماع أن المقصود هو النبي (ص) ومعلوم أن الأقاويل لا علاقة لها بالقرآن إذ لا يمكن إثبات القرآن من خلال تأكيده على أنه من الله لا من النبي (ص) - فالمقصود أقاويل أخرى.

الثانية: فاتهم أن المعجز معجز بنفسه فالآية هي برهان لنفسها ولصاحبها ولا يمكن أن تعتمد على غيرها في البرهنة عندئذ لن تكون آية. لذلك لم يناقش القرآن من زعم أنه تقوله لأن هذا الكلام قائم بنفسه لا يمكن أن يتقوله مخلوق.

إذن لا يمكن ان يحتج القرآن لنفسه بهذه الطريقة فيقول:

(أنه لقول رسول كريم) - فالكافر قد يجيب قائلا: ومن أين أعلم أنه رسول كريم؟

إنما يعلم انه رسول كريم من خلال القرآن لكونه معجز وآيات بينات وكونه قائم بنفسه.

إذن فالضمير لا يمكن أن يعود على القرآن لان المحاججة تصبح لا منطقية وفيها مصادرة واضحة.

الضمير يعود على تفاصيل ما ذكره آنفا من الوعد الإلهي.

والمعنى ان ما يخبركم به من تفاصيل هذا الوعد المنتظر هو قول رسول كريم ثبتت رسالته وصدقه بالمعجز الذي هو هذا الكلام أي القرآن فالسورة جاءت لتصديق كلامه (ص) عن الوعد لا لتصدّق نفسها من خلال النبي (ص) أو جبريل فانظر إلى غفلة الاعتباط اللغوي وانظر إلى غاياته في إخفاء الوعد المنتظر.

لذلك قال: "ذي قوة عند ذي العرش مكين".

أي ان قيادته العامة لهذا الطور وظهور حفيده للقيادة المؤقتة ممكن عملياً لان لديه قوة عند ذي العرش مكّين من تحقيق ما وعد من ظهور رسالته وغزوه للسموات وفتحه لأبواب الجنة وأبواب النار وقدرته في إلقاء من شاء في أتون جهنم وإنقاذ من يشاء عند تحقق الوعد وانكشاف السرائر.

ثم قال "مطاع ثم أمين".

فهو مطاع من قبل القوى الكونية والملائكة والموجودات وأمين على مشيئة الله ورسالته وشرائعه.

فالسياق كله لا علاقة له بجبريل (ع) لأن جبريل هو أحد جنوده.

بل أن جبريل (ع) في المرويات هو منادي المهدي الموعود (ع) ووزيره الأيمن، هذه بعضها:

الأولى: في كشف الأستار وعقد الدرر عن حذيفة عن النبي (ص) في قصة ظهور المهدي (ع) قال:

".....ثم يخرج متوجهاً إلى الشام وجبريل على مقدمته وميكائيل على ساقته يفرح به أهل السماء وأهل الأرض والطير والوحوش والحيتان في البحر..."(1).

الثانية:  في الارشاد قال:

"إذا أذن الله تعالى للقائم في الخروج صعد المنبر فدعا الناس إلى نفسه وناشدهم بالله ودعاهم إلى حقه وان يسير فيهم بسنة رسول الله (ص) ويعمل فيهم بعمله فيبعث الله جل جلاله جبريل (ع) حتى يأتيه فينزل على الحطيم يقول: إلى أي شيء تدعو؟ فيخبره القائم فيقول جبريل: أنا أول من يبايعك أبسط يدك فيمسح على يده"(1)

الثالثة: أخرج ابو نعيم في مناقب المهدي (ع) عن ابن عمر قال "يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة فيها ملك ينادي هذا خليفة الله فاتبعوّه"(2).

وقد فسر جميع الحفاظ (الملك) على انه جبريل (ع) اعتمادا على القرائن الأخرى.

الرابعة: "في كتاب البيان يسنده عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله (ص):

"يخرج المهدي على رأسه غمامة فيها منادي ينادي هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه"(3).

الخامسة: في عقد الدرر عن محمد بن علي (رض) قال:

"الصوت في شهر رمضان في ليلة الجمعة فأسمعوا وأطيعوا ثم قال فإذا سمعتم ذلك الصوت فلا تشكوا انه صوت جبريل (ع) وعلامة ذلك انه ينادي باسم المهدي واسم أبيه"(4).

السادسة: في كتاب الغيبة عن الباقر (ع) قال:

"الصيحة لا تكون إلا في شهر رمضان لأنه شهر الله وهي صيحة جبرائيل (ع) إلى هذا الخلق ثم قال ينادي مناد من السماء باسم القائم بالأمر فيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب لا يبقى راقد إلا استيقظ ولا قائم إلا قعد ولا قاعد إلا قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت فرحم الله عبداً اعتبر بذلك الصوت فأجاب فأنه صوت جبريل الروح الأمين"(5).

السابعة: ابو نعيم في الفتن عن شهر بن حوشب قال: بلغني ان رسول الله (ص) قال:

"يكون في رمضان مهمهة وفي ذي القعدة تتحارب القبائل وفي ذي الحجة ينتهب الحاج وفي المحرم ينادي مناد من السماء: إلا ان صفوة الله من خلقه فلان فاسمعوا له وأطيعوا"(6).

نعود إلى السورة الكريمة:

قوله تعالى: "وما صاحبكم بمجنون. ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين".

في هذه الآيات الثلاثة يختلف الحل القصدي للغة مع الحل الاعتباطي من وجوه عديدة.

أولاً: أن الاعتباط يعمم الأفكار فمثلا يقول: أي أن صاحبكم الذي يدعوكم إلى عبادة الله ليس بمجنون بل هو عاقل.

فمثل هذا التعميم لا فائدة منه للقارئ. إذ لم يوضح له الاعتباط لماذا جاء هنا بلفظ صاحبكم ولماذا جاء بلفظ مجنون وما علاقته بمجمل السورة؟ فهناك موارد قالوا فيها انه ساحر وأخرى شاعر فالاعتباط لا يربط الألفاظ المستعملة مع الموضوع وكلامهم هو إنشاء وتعميه على الدلالات القرآنية.

ثانياً:  قالوا ولقد رآه بالأفق المبين أي رأى جبريل (ع).

ومرة أخرى يقع التفسير الاعتباطي في المصادرة.

لان جبريل (ع) ينقل كلام الله فلا يمكن الاحتجاج للنبي (ص) والبرهنة على صدقه من خلال هذا التخريج لان ما ينقله يفترض أن يكون هو الحجة على صدق الرسول أي أن السورة جزء من الحجة فلا تتضمن الاحتجاج برؤية النبي لجبريل (ع).

فالذي لا يريد أن يؤمن بالقرآن لن ينفعه القرآن ومن جملته قوله ان النبي (ص) يرى جبريل.

ان مصادرات المفسرين هي من اغرب المصادرات.

إذن فالضمير في (رآه) يعود على موضع السورة المبحوث فيه. ولما كان متعلقاً بالخنس الجوار الكنس وبالأفق المبين فالذي رآه النبي (ص) هو النجم الموعود الجاري في الأفق المبين والمرتبط بموضوع السورة والوعد الإلهي.

فالقرآن هنا يصدق النبي (ص) فيما ذكره من تفاصيل عن الوعد والتي أخفى الاعتباط أكثرها لأن القرآن هو دليله:

"قام فينا رسول الله (ص) مقاماً ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام لساعة إلا حدّث به حفظه من حفظه (أو) وعاه من وعاه ونسيه من نسيه..."(1).

وهنا يأتي النص القرآني لإحباط محاولات التحريف وإخفاء خصائص الوعد المنتظر وعلاماته لقدرة النص القرآني الفائقة في استيعاب محاولات التحريف التي لا تنتبه إلى التناقضات ولا تدرك صرامة النظام القرآني - فتبقى المعلومات محفوظة في النص مهما بالغوا في صرف معانيها وإبعادها عن دلالاتها.

هل تصدق أخي القارئ أن الأمة تنسى تفاصيل الفتن التي يذكرها بإسهاب صاحب الرسالة وخاتم الأنبياء (ص) وهي من هي في حفظ الأيام والأساطير والأشعار؟

وهل تصدق أن خطبة تستمر بحدود عشر ساعات لم يرد لنا منها إلا ما تفيه خمس دقائق من القراءة؟ والخطبة تتحدث عن نبوءات آتية وفتن يحدد فهيا صاحب الرسالة الموقف من كل واحدة بالتفصيل؟ نعم إن إحدى خطبة استمرت بحدود عشر ساعات!! وهذا هو أقل تقدير:

عن عمر بن أخطب (رض) قال: صلى بنا رسول الله (ص) الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس فأخبرنا بما كان وبما هو كائن.."(1)

إذن فالتفاصيل التي يذكرها النبي (ص) لهم عن الوقائع المستقبلية تتضمن تحقيق الوعد الإلهي المنتظر وتطبق شريعته على الأرض كلها وتحقيق الخلافة الإلهية وهي أمور غيبية لذلك ارتبطت بالعبارة القرآنية "وما هو على الغيب بضنين" - فالذي يخبر به هو من مشاهدة حقيقية لأنه رأى النجم الموعود في الأفق المبين، ولذلك أيضا قال "وما صاحبكم بمجنون".

وقد أشرنا باقتضاب في كتاب النظام القرآني إلى ان تهمة الجنون تختلف عن بقية الاتهامات الموجهة للنبي (ص). فأن لكل اتهام قضية وسبب مختلف وان هذه التهمة إنما يطلقونها في حالة معينة هي إخبارهم بأنه سيستولي على الملكوت ويقيم دولة الحق ويفتح أبواب السماء ويملك مفاتيح الجنة والنار وانهم يبعثون أو ينشرون أو يخرجون فيكونوا من جملة ذلك الخلق.

لنلاحظ مواضيع الاتهامات العديدة الموجهة للنبي (ص) فقد كانت الاتهامات هي: شاعر، كاهن، كذاب، ساحر، مجنون. وقد اتهم رسل (ع) سابقون ببعض تلكم الاتهامات:

الشاعر: كانوا يطلقون هذه التهمة عليه (ص) حينما يطالبون بتفسير أو يريدون إعطاء تفسير للنص القرآني.

لذلك ارتبطت لفظياً مع القرآن.

"بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر" 5/الأنبياء.

"وما علمناه الشعر وما ينبغي له أن هو الا ذكر وقرآن مبين" 69/يس.

الساحر: وكانوا يقولون هو ساحر إذا رأوا منه آية مادية ظاهرة مثل انفلاق القمر أو تكليم الجبل أو انشقاق الشجرة أو تكليم الجمادات أو ما يحصل من تفاصيل يومية وخلال الغزوات والمعارك من شفاء للمرضى وتكليم للموتى.

فارتبطت التهمة بهذه المعاجز المادية ومع جميع من امتلك منها من الرسل السابقين:

"اقتربت الساعة وانشق القمر وأن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر" 1/2-القمر.

"وقالوا مهما تأتنا بآية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين" 132/الأعراف.

قال ذلك آل فرعون عن الآيات المادية لموسى وهي تسع آيات.

وقالوا الشيء نفسه عن معجزات المسيح (ع):

"وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمة والأبرص بأذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين" 110/المائدة.

وهكذا ترتبط تهمة السحر دوماً بالمعاجر المادية.

الكاهن: ويذكرون هذه التهمة لتفسير وقائع قريبة يخبرهم بها النبي (ص) وتتحقق فيقولون هو كاهن لأن ذلك من أعمال الكهان على رأيهم. ولما كانت (نعمة الله) ظاهرة وباطنة:

"وهو الذي أسبغ عليكم نعمة ظاهره وباطنه"

فحينما يخبرهم بما هو ظاهر يقولون كاهن وإذا أخبرهم بما هو باطن لم يصدقوا فيقولون مجنون!

لذلك ارتبط اللفظان (كاهن - ومجنون) سوية مع النعمة:

"فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهنٍ ولا مجنون" 29/الطور.

الكذاب: كانوا يطلقون هذه التهمة إذا اخبرهم بوقائع الماضي فهي تهمة مرتبطة بتاريخ الكون أو العالم.

فمثلا أنهم يزعمون أن الآلهة كثرة خلق بعضها من بعض وهذا تاريخ نشوء الكون والقوى الفاعلة فيه.

فإذا رد الدعوة بالإله الواحد وقال بانفعال جميع القوى له مستدلا على ذلك بآيات تنفعل فيها المادة له فقد اظهر حجة بالغة لأنه قادر على أن يفعل في الموجودات ما شاء خلافاً للآلهة المزعومة وهذا الفاعل يقر أنه وجميع ما فعل منفعل للإله الواحد فهذه حجة كاملة من الناحية المنطقية.

فكانوا يردون على الوحدانية باعتبارها تاريخاً بالتكذيب ويفسرون انفعال القوى له (ص) بالسحر:

"وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب"

"أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب" 3-4/صاد

وهكذا ترتبط تهمة الكذاب بالخبر الماضي:

"ألقيَ الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر" 25/القمر.

مجنون: وهي التهمة موضوع البحث. فهذه التهمة كانوا يذكرونها حينما يريدون تسفيه أخبار عن مستقبل العالم - فيما يخص نزول العذاب أو ظهور الدين في الطور المهدوي.

فهذا الظهور يستلزم نزول العذاب المرتبط بنزول الملائكة وظهور البركات لأن الاستخلاف هو عملية فرز للفريقين وتمكين للصالحين في الأرض يقابله عذاب للمنافقين والمعاندين فإذا اخبرهم بوقائع من هذا النوع قالوا هو مجنون.

كذلك ارتبط هذا اللفظ مع بشائر جميع الرسل (ع).

فمن ذلك قولهم لنوح (ع) انه مجنون عندما اخبرهم بنزول العذاب واستخلاف المؤمنين:

"كذبت قبلهم قوم نوحٍ"

"فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وأزدجر. فدعا ربه أنه مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيوناً" 9-11/القمر.

وقد اتهم موسى (ع) بتهمة السحر باستمرار. ولكن في مرة واحدة فقط اتهمه فرعون بالجنون؛ وهذه التهمة الجديدة كانت قد حصلت خلال محاوره طويلة بينهما يتساءل فيها فرعون عن (رب العالمين) وهي مختلفة عن الواقعة التي سأل فيها موسى وهارون قائلاً:

"فمن ربكما يا موسى:.

ونلاحظ ان الجمع (رب العالمين) - مرتبط بالاستخلاف كما سيأتيك في موضعه.

كذلك اتهموا هوداً (ع) بنفس التهمة في واقعة معينة. ومع ان لفظ (مجنون) لم يرد مع هود إلا أن المفهوم هو الجنون وذلك في قولهم:

"إن نقولُ إلا إعتراك بعِضُ آلهتنا بسوء" 54/هود.

لان الروابط اللفظية تخبرنا عن سبب التهمة، ففي سورة الأعراف ذكرهم هود بأنهم مستخلفين من بعد نوح ودعاهم إلى تقوى الله فلم يقولوا مثل هذه التهمة.

لكن قالوها في مورد هود لماذا؟ لأنه هنا ذكرهم بما سيؤول إليه أمرهم وأشار إلى نزول العذاب واحتمال هلاكهم واستخلاف المؤمنين من غيرهم بعد ان يئس من طاعتهم:

"فان تولوا فقد أبلغتم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوماً غيركم ولا تضرونه شيئاً".

وأما مع النبي (ص) فقد ذكروا هذه التهمة عند تذكيرهم بمستقبل العالم ونزول العذاب:

"قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة أن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد" 46/سبأ.

التوافق العددي لموارد (الجنون) مع مراحل الطور المهدوي

رأينا أن النص النبوي حدد اثنا عشر خليفة للطور المهدوي. وقد لاحظنا ان هذا الرقم رقم كوني طبيعي متناغم مع النظام العام للكون ولعدد دورات القمر على الأرض.

لاحظناه أيضا بالجمع بين الأنظمة الثلاثة في سورة الكهف: السباعي وهو نظام بنائي عام والثلاثي وهو نظام الزمان وثنائي وهو نظام الاستمرارية.

فالجمع بين أعداد الأنظمة الثلاثة ينتج من اثنا عشر (7+3+2=12). ولاحظنا كذلك التوافق العددي هذا مع العلامات الكونية الاثنتي عشرة في مجموع المأثور الديني في الفصل السابق.

كما رأينا نفس العدد في الوقائع المتقدمة من سورة التكوير على (الخنس الجوار الكنس) التي هي علامة العلامات وأول الآيات. وإذا كان النبي (ص) يخبرهم عن كل مرحلة من المراحل الأثنتي عشرة للطور المهدوي بتفاصيل معينة ويجيبون في كل مرة أنه مجنون فلابد أن يتوافق عدد المرات التي ورد فيها الجنون مع عدد مراحل الطور المهدوي.

وهذا توقع مجردٌ توقعناه فأظهر الإحصاء صحة ما توقعناه: فقد وجدنا ان عدد موارد الجنون كتهمة موجهة للرسل (ع) هي سبعة عشر مورداً.

منها اثنان عن نوح (ع) هما 25/23 و 9/54.

وموردان عن موسى (ع) هما 27/26 و 39/51

ومورد واحد عام عن الرسل (ع) هو قوله تعالى:

"كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون"         52/الذاريات.

فهذه خمسة موارد والباقي من المجموع اثنا عشر مورداً وهي جميعاً في رسول الله (ص) وهذه نصوصها حسب ترتيب المصحف:

1. "أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة أن هو إلا نذير مبين"        184/الأعراف.

2. "أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون"     70/المؤمنون

3. "افترى على الله كذباً أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد" 8/سبأ

4. "ما بصاحبكم من جنة أن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد" 46/سبأ

5. "وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ولقد علمت الجنة انهم لمحضرون" 158/الصافات

6. "وقالوا ياأيها الذي نزل عليه الذكر أنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين"     6/الحجر

7. "ويقولون أننا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون"  36/الصافات

8.  "ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون"        14/الدخان

9. "فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون" 29/الطور

10. "ما أنت بنعمة ربك بمجنون وأن لك لأجراً غير ممنون وأنك لعلى خلق عظيم. فستبصر ويبصرون" 2-5/القلم

11. "ويقولون أنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعالمين" 51-52/القلم

12. "وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين" 22-23/التكوير

وهي الآية موضوع البحث.

تلاحظ أن الآية الثانية عشرة حسب ترتيب المصحف خاصة بالخليفة الثاني عشر.

وهذا غريب جداً إذ كيف ترتبط بالعلامة الأولى التي يبدأ بها الطور؟ يفترض أن ترتبط العلامة بالمورد الأول لا المورد الأخير.

أن هذا يدل على أن خلفاء الطور المهدوي يوجدون أو يخلقون قبل تحقق الطور بأمد بعيد.

ويدل أيضا على انهم يبلغون العمر المؤجل لهم ويتوفاهم الله تعالى وأن الأخير منهم فقط هو الذي يبدأ هذا الطور به.

عندئذ سيكون بعثهم أو نشرهم هو الذي يعيدهم إلى التسلسل المذكور آنفاً.

ونجد في فصول آتية أن هذا النشر هو نشر مرحلي موزع على مراحل الطور المهدوي يتم فيه حشر المكذبين من الأمم فوجاً من بعد فوج لاحظ هذه الآية التي تتعلق بالحشر المهدوي:

"فتوكل على الله أنك على الحق المبين. أنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين. وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم أن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون. وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس بآياتنا لا يؤمنون.

ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون".          79-83/النمل

والملاحظات السريعة هنا:

الأولى: إن خروج الدابة (دابة الأرض) مقترن بنزول المسيح (ع) والمقارن لظهور المهدي (ع).

الثانية: إن قوله (يوزعون) يشير إلى توزيع هذا الحشر على مراحل ذلك اليوم.

بينما يكون حشر القيامة حشراً جماعياً.

"وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً"     47/الكهف

و"يوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن"   128/الأنعام

الثالثة: أن هذا الحشر مرتبط بالمكذبين بالوعد وبالآيات في حين يرتبط الحشر الكلي بالإيمان والكفر.

وهو تفريق هام سترى تفصيله عند البحث في ألفاظ (يوم الدين).

نعود إلى السورة الكريمة:

قوله تعالى "وما صاحبكم بمجنون. ولقد رآه بالأفق المبين".

قد تسأل لماذا قال تعالى (صاحبكم) ولماذا تكرر ذكر هذا اللفظ في موارد المخاطبة معهم وهي ثلاثة موارد مقترنة بلفظ (المجنون) واشتقاقاته؟

والجواب: أن هذا اللفظ هو الملائم لتحديد نوع العلاقة بينه (ص) وبين أعداءه من المكذّبين.

فإننا نجد القرآن الكريم يستعمل اللفظ على دلالته الأصلية ولا شأن له بالدلالة الاصطلاحية.

وهكذا ورد اللفظ في تسمية العلاقة بين المؤمن والكافر لأن المصاحبة (مرافقة) لا تستلزم طاعة ولا إتباعاً من قبل المرافق لرفيقه إن لم نقل إنها تستلزم المخالفة كما سنرى.

قال في الوسيط: صاحبه مصاحبة رافعة. اصطحب القوم - صحب بعضهم بعضاً. فاللفظ على أصله ينبئ عن مفارقة آجلة بين الصاحب وصاحبه أو عاجله.

وإذا كان في الاصطلاح يجوز اعتبار الصاحب متابعاً أو مخالفاً بحسب الأحوال ففي القرآن لا نجد مثل هذا الاستعمال العام. بل نجده لا يستعمله إلا في المخالفين والمشككين فهو مخصوص في العلاقة بين المختلفين في الرأي.

ولم يصف القرآن المتبعين للأنبياء بالصحبة مطلقاً بل وصفهم بألفاظ أخرى مثل (الذين أتبعوه):

"أن أولى الناس بإبراهيم لهذا النبي والذين اتبعوه" 68/آل عمران

فلم يقل وأصحابه لأن الأصحاب يختلفون ويخالفون في الرأي.

لذلك أمر بمصاحبة الوالدين إذا آثرا الشرك:

"فإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً"  15/لقمان.

وحينما ذكر موسى (ع) لم يذكر الفتى الذي معه باسم صاحبه بل قال (فتاه) للتنويه على تفانيه في طاعة موسى (ع):

"إذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين" 60/الكهف

ولكنه حينما أراد وصف علاقته بالمشككين من بني إسرائيل والذين يرجفون بموسى ويخوفونه من عدوه - أي المنافقين منهم تحديداً سماهم (أصحاب موسى) فقال:

"قال أصحاب موسى إنا لمدركون. قال كلا إن معي ربي سيهدين..." 161/الشعراء.

وحينما أراد وصف علاقة بين رجلين أحدهما مؤمن والآخر كافر للمثل المضروب في سورة الكهف سماهما صاحبين فقال:

"قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم سواك رجلاً" 37/الكهف

وكذلك فعل حينما نقل لنا محاورة موسى (ع) مع العبد الصالح فأنه إذا لم يقدر أن يكون تابعاً فانه يرفض أن يكون صاحباً

"فإن سألتك بعدها عن شيء فلا تصاحبني" 76/الكهف

كذلك فعل حينما أراد وصف علاقة بين رجل ضال وجماعة مهتدين حيث سّماهم أصحاباً:

"حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى أئتنا" 71/الأنعام

وذلك كله عدا الموارد الثلاثة التي سمّى فيها الذين يتهمون النبي (ص) بالجنون - سماهم أصحاباً.

وتظهر دلالة الصاحب في الاستعمالات العامة. فصاحب الشيء هو القائم عليه والمالك له.

قال المعجم: الصاحب القائم على الشيء. والصاحب مالك الشيء ولذلك تظهر العداوة بين الأشخاص لأن غاية الصاحب امتلاك صاحبه والقيام عليه بالأمر والنهي.

فالنبي (ص) يريد القيام عليهم بالأمر والنهى فإذا أطاعوه خرجوا من حد الصحبة إلى التابعية فصاروا أتباعاً. وإذا أرادوا القيام عليه بالأمر والنهي والتحكم في أفعاله كانوا أصحاباً وبقوا أصحابا. لذلك أمره الله بعدم طاعتهم ورفض الانصياع لأهواءهم:

"لا تطع منهم آثما أو كفوراً"       24/الإنسان

"فلا تطع المكذبين"                 8/القلم

"ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا وأتبع هواه" 28/الكهف

"ولا تطع كل حلاف مهين"      10/القلم

كما أمره سبحانه أن لا يتبع من هؤلاء أحداً لأنه جاء ليكون متبوعاً لا تابعاً:

"ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق"    48/المائدة

"ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون"           18/الجاثية

"ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا" 150/الأنعام

"ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك"    49/المائدة

ومعلوم ان هذه التأكيدات هي لوجود (الأصحاب) لأن الأعداء من عبدة الأصنام ظاهرين لا يعقل ولا يحتمل أنه يطيعهم أو يتبع أهواءهم.

إنما الحرج والأمر المشكل هو مع الأصحاب الذين هم ليسوا بأتباع وإنما يريدون منه أن يتابعهم فنقلب المعادلة وتتغير شرائع الله وقد ذكر القرآن أنهم يرفضون طاعته فقال:

"ويقولون آمنّا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين" 47/النور

"وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون" 48/النور

"أ في قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون" 50/النور

"وأقسموا بالله جهد إيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة أن الله خبير بما تعملون" 53/النور

"وذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم أسرارهم" 26/محمد

فإذا قلت أن الأمة أطلقوا لفظ (الصاحب) خلافاً لهذا المفهوم.

قلنا: إننا ذكرنا مراراً أن للقرآن الكريم نظامه اللغوي الخاص وإنما نكتب هذه المؤلفات خلافاً لاعتباطية الاستعمال اللغوي واعتماداً على الدلالة القرآنية. أما السلف فقد أطلقوا اللفظ على المجموع أي على الذين (اتبعوه) وعلى الذين آذوه.

فإن قلت فكيف استعمله النبي (ص) لهذا المعنى المخالف للدلالة القرآنية؟

قلت: وأين استعمله مخالفاً للدلالة القرآنية؟ بل العكس تماماً فقد استعمله مطابقاً للدلالة حينما أخرج البخاري في باب الحوض الحديث المشهور في (الأصحاب) بعشرة طرق هذا لفظ أحدها: قال (ص) "إنا فرطكم على الحوض من مرَّ عليَّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً وليردن عليَّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول: أصحابي؟ فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيرَّ بعدي".

مصادر الحديث: البخاري - باب الحوض. مسلم. في باب: (وكنت عليهم شهيداً) أحمد بن حنبل في مسنده / ج1 ص233،235 - ج5/333-400 و ج2/300-408 و ج3/28-281-354 و ج6 297-317 التاج الجامع/ج5-379.

فإن قلت قوله (ص) (ناس من أصحابي أو زمرة من أصحابي) يدل على أن الصحبة عامة فهؤلاء أقلية منهم لأن (من) تفيد التبعيض قلت: نعم هي كذلك لكنها تفيد التبعيض في ذلك الموقف عند الحوض فليسوا جميعاً يصلون إلى الحوض ويطردون منه إلى النار وإنما بعضهم يبلغ هذا الموضع وذلك أن (الذائد) عن الحوض يذودهم عنه وكأنما أفلت جماعة فرآهم النبي (ص) فاللفظ الآخر للنص يدل عليه لاحظ هذا اللفظ:

".. فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم. فقلت إلى أين؟ قال إلى النار والله قلت وما شأنهم قال إنهم إرتدوا بعدك على أدبارهم القهقري فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النعِّم"

التاج الجامع للأصول من حديث البخاري / ج5/كتاب القيامة والنار. هَمَل النعم: الواحدة من الإبل سارحة في المرعى بلا راع تخرج عن القطيع بعيداً.

التعبير النبوي في (همل النعم) مقصوداً إذ لما كانوا مثل القطيع التابع لصاحبه يسوقه حيث أراد فالناجون منهم في العدد هم كنسبة الخارج من القطيع بلا راع.

فإن قلت ورد عنه (ص) قوله: "أصحابي كالنجوم بمن اقتديتم فقد اهتديتم" - ومفهومة مخالف لما ذكرنا.

أقول: ورد مؤكداً ومتواتراً أنه (ص) أمر أن يعرض حديثه على كتاب الله فما وافقه أخذ به وما خالفه ضرب به عرض الحائط وهذه هي ألفاظه عينها بعد أن قال (ص) "أيها الناس لقد كثرت عليً الكذابة فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" فإذا عرضنا هذا النص المخالف لكل ما هو معقول وجدناه يخالف القرآن فنضرب به عرض الحائط. فنحن في هذا المنهج لا نؤمن بعلم الرجال ونعدّه بدعة من البدع التي وضعوها مخالفين بذلك جميع النصوص.

ألا ترى أننا لو اقتدينا بالزمرة المذكورة في الحديث السابق دخلنا النار؟

فهذا ما يفعله علم الرجال يجعل الرجال قيّمين على الشريعة ويجمع بين المتناقضات.

عودة إلى سورة التكوير:

قوله تعالى: "ولقد رآه بالأفق المبين. وما هو على الغيب بضنين"

قال المفسرون: أي ليس النبي (ص) بمتهم على ما يطلع عليه من أمور الغيب. من (الظنة) وهي التهمة.

ومن قرأ بالضاء فهو من البخل أي ليس ببخيل في إخباره بالغيب.

أقول: ويكون من الظن أيضا لقوله تعالى "أن الظن لا يغني من الحق شيئاً" - أي إن هذا الإخبار عن المستقبل ليس ظناً.

إذ لما رأى النجم الموعود ظاهراً بالأفق المبين فإخباره عن وقائع المستقبل ليست من قبيل الظن بل لعلمه بتلك التفاصيل.

وورد عن أهل البيت (ع) في معنى الغيب أنه (المهدي المنتظر) أو (الوعد الحق).

"وما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون".

هذا الاقتران مع الشيطان لأنه مرتبط بالسماء. قال تعالى (ورجوماً للشياطين) وقال "وكنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً". وقال "إلا من خطف الخطفة فاتبعه شهاب ثاقب".

أي أن هذا الخبر عن النجم الموعود ليس من أخبار شيطان مرجوم لا يقدر على معرفة ما في السماء حتى يمكن أن يكون صادقاً أو كاذباً (فأين تذهبون) عن الأرض إذا جاء الوعد وأين تذهبون عن الوعد المحتوم والبعث الذي لا بد منه فالإنسان لا يترك

"أ يحسب الإنسان أن يترك سدى" 36/القيامة

"أ فحسبتم إنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون" 115/المؤمنون

قوله تعالى:

"أن هو إلا ذكر للعالمين. لمن شاء منكم أن يستقيم. وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين".

إن الألفاظ في هذه الآيات مرتبطة جميعاً بالمهدوية.

فقد ذكر العالمين (جمع العالم) مرتين وهو مقترن دوما بشمول الطور المهدوي لمجموعة العوالم كما سيأتي في موضعه.

وكذلك تجد هذا اللفظ مرتبطاً بالرحمة وبالرسول (ص).

"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"

فيتم تحقيق هذه الرحمة على المستوى العالمي في المهدوية.

وكذلك لفظ (المشيئة) ففي هذا الطور تتحقق مشيئة الله تعالى من الخلق وتظهر الحرية الكاملة للممارسة العملية في قوله تعالى "لمن شاء منكم أن يستقيم" لأنه طور الاستقامة والمرتبط (بالصراط المستقيم).

وفي ختام السورة حدد المشيئة الإنسانية بمشيئة الله تعالى فإذا شاء الخلق الوصول إلى هذا الطور فانه لن يتحقق إلا بمشيئة الله العالم بصدق النوايا وصحة الأعمال.

في بحث منفصل سنبرهن ان شاء الله أن (التكليف) لا يزول في الجنة كما ذكر بعض العلماء.

لأن التكليف جزء من العبودية أو هو العبودية على المعنى الأدق.

ولكن يحدث تحول تدريجي للتكاليف خلال أطوار الترقي في درجات الجنة.

أما المرحلة الأولى من المهدوية فإنها تتميز بظهور اكبر للتكليف الشرعي بل هو طور التكليف والتقوى ولذلك ارتبطت (العاقبة) بلفظ (المتقين) كما سنرى.

تنبيه

لا زال الشيطان الرجيم يذكر لنا أخباراً مختلفة عن مصير العالم ومستقبل الأرض. لا زال يوحي لنا وفي كل عام أن مذنباً من المذنبات قد تم كشفه في السماء سيرتطم بالأرض بعد كذا شهر أو في تاريخ كذا وسوف يدمر الأرض ومن عليها.

وغايته واضحة: فهو يوحي بأن هذا العالم مخلوق سدى لا رقيب عليه ولا حافظ له. ويوحي من خلال ذلك أن يأكل الناس بعضهم بعضاً ما داموا سيهلكون عن قريب. بينما المذنب الموعود يتخذ مساراً محدوداً ومحسوباً بحساب دقيق ليحول واقع الأرض إلى واقع جديد يستقبل به الطور المتقدم من حياة الإنسان طور الاستخلاف في الأرض لذلك قال سبحانه ان هذا (قول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين)

فهذه القدرات تمكنه من تحويل العالم إلى الوجهة المطابقة لمراد الله من الخلق وتحقيق الاستخلاف فما هو بقول (شيطان رجيم) يريد إحلال التشاؤم مكان التفاؤل بمستقبل أفضل للعالم ويبشر الخلق بالدمار؛ ليجعل تاريخ الأرض تاريخاً للشرور وتطور الشرور بدلاً من التطور المحتوم نحو الاستخلاف.

5.العلامات الكونية للمهدوية في سورة الانشقاق

رأينا في السورة الكريمة السابقة - سورة التكوير - نوعين من العلامات الكونية الأول مجموعة العلامات الواقعة في أواخر الطور المهدوي والتي تنتهي بتكوير الشمس وتبدأ بإزلاف الجنة.

والنوع الثاني مجموعة من العلامات الواقعة في أول الطور المهدوي وعلى رأسها المذنبات والتي تسمت في السورة (الخنس الجوار الكنس).

وعلى هذا النسق تأتي سورة الانشقاق: فهي تبدأ بأفعال شرطية على غرار سورة التكوير واقعة في القيامة الكبرى - ثم تذكر الوقائع التي يبدأ بها طور الحساب والذي يؤدي إلى انقسام الخلق إلى فئتين (من أوتي كتابه بيمينه) و (من أوتي كتابه بشماله).

وعلى نفس الأسلوب فان الوقائع التي يبدأ بها طور الاستخلاف تبدأ في السياق بنفي القسم:

"فلا أقسم بالشفق - والليل وما وسق - والقمر إذا اتسق".

ومثلما عطف على النفي هناك وقائع مبدوءة بالشرط عطف هنا على نفي القسم وقائع مبدوءة بالشرط.

وكما جاء هناك جواب جديد لتلك الوقائع جاء هنا جواب جديد آخر غير ما في أول السورة وهو:

"لتركبن طبقاً عن طبق".

وبإمكاننا هنا أن نستخرج قاعدة عامة عن ألفاظ القرآن في هذه المرحلة هي أن جميع الوقائع المبدوءة بنفي القسم أو الحلف متعلقة بخصائص وحوادث لطور الاستخلاف وذلك لاختلافها الشديد والواضح ضمن النظام القرآني عن وقائع يوم القيامة.

وكما رأيت يمكننا هنا ولأول مرة في التاريخ الإسلامي الربط بين أجزاء النص خلافاً للاعتباط اللغوي الذي لا يدري لماذا يأتي بالليل والقمر هنا مثلاً ويأتي بالخنس الجوار الكنس هناك أو الطارق في سورة الطارق والذي يعجز أيضا عن إدراك العلاقات التي ترتبط بها آيات كل سورة.

إذا رسمنا البعد الزمني على صورة مستطيل مثلاً فإننا نلاحظ إن سورة التكوير ذكرت لنا الوقائع في أول طور الاستخلاف بعد ذكرها أول وقائع القيامة.

بينما تتحدث سورة الانشقاق عن آخر مرحلة من العلامات الكونية لطور الاستخلاف في مقابل آخر مرحلة من القيامة.

إن هذا التناسق العجيب إنما يراد منه تغطية التاريخ القادم الكون والإنسان تغطية شاملة.

وبالتأكيد لا توجد أية ثغرة في الوقائع والأزمنة والأحقاب إذا نظرنا إلى النص القرآني كوحدة متكاملة إذ يمكن ملئ أي فراغ متوقع عن طريق آيات واقترانات لفظية في سور قرآنية متباعدة.

حركة الزمن في الرسم من اليمين إلى اليسار.

يظهر في هذا الرسم ما نريد قوله من فكرة توزيع الوقائع  على الطورين في سورتي التكوير والانشقاق وفي الرسم تظهر فترة العلامات الكونية كجزء مظلل أو منقط.

بينما تكون سورة الطارق مثلاً بصدد الحديث عن استقبال هذا الطور من الجهتين. فهي تتحدث عن المذنب قبل وصوله وقبل إحداثه العلامات وتعرج على ذكر رجوع الإنسان بعد الموت في حوادث النشور لطور الاستخلاف فهي تستقبل الطور من جهتين. الأرقام تشير إلى القسم الأول والثاني من كل سورة فالنظام العام ان القسم الأول يعالج دوماً الطور الثاني وبالعكس. يعالج القسم الثاني من كل سورة الطور الأول أي طور الاستخلاف. بينما جاءت سورة الطارق بنفس الترتيب الزمني، فهي مختلفة عن السورتين في كل التفاصيل ومنها أنها تخلو من نفي القسم وتبدأ بالحلف وبصيغة (وما أدراك)، وسوف نلاحظ أن جميع السور المرتبطة بهذه الصيغة ذات علاقة بالطور المهدوي فقط.

أن الوقائع المذكورة في السور تبدأ بواقعة وتنتهي بآخر ما في السياق فهي خلال ذلك تتحرك على الزمان بترتيب معين ومن هنا أصبح السياق في التكوير مثلاً شارحاً لما في الانشقاق وبالعكس وذلك لمرور كل منهما بجانب الآخر.

مثال ذلك ما ينقله لك رجلان عما شاهداه خلال الطريق أحدهما يتحرك مبتعداً عنك والآخر جاء من بعد مقترباً منك فإذا أردت مطابقة كلام أحدهما مع الآخر لابد أن تنظر بعين الاعتبار لتسلسل ما روى كل واحد من وقائع أولاً وأين تقع كل واحدة من تلك الوقائع وفي أي موضع من الطريق ثانياً. السهام الصغيرة على الرسم تشير إلى حركة سياق الحوادث المذكورة في السور الثلاثة في علاقاتها الزمنية مع بعضها البعض. والمثال لإيضاح المقصود من ذلك أن سورة التكوير هي تمسح زمن الوقائع قد مرت بالليل فإذا هو قد (عسعس).

وحينما مرت به سورة الانشقاق وباتجاه مطابق وجدته مجتمعاً على حال الوسق فجاء النص "والليل وما وسق". السهام الكبيرة إذن تمثل في هذا الموضع آخر فقرة من السياق.

وهنا يمكن ملاحظة سرعة حركة السياق. فقد التقت الانشقاق بنفس الموضع الذي مرت به التكوير لكنها تجاوزنه بسرعة إلى وقائع أبعد فهذه السرعة في مسح محور الزمان جعلت وصف الليل مختلفاً - ففي الوقت الذي كان هذا الموضع هو نهاية الحركة بالنسبة للتكوير فهو نقطة مرور بالنسبة للانشقاق. هذه العلاقات الدقيقة في هذا المثال تصلح لإيضاح جميع نقاط الالتقاء في السياق القرآني بين موارده المختلفة.

والذي يهمنا هنا ما يتعلق بطور الاستخلاف أي الجزء المبدوء بنفي القسم، فلنلاحظ هذا الجزء على ضوء اللغة والتفاسير المختلفة وبعد ذلك تستخلص الدلالة اللغوية عن طريق النظام القرآني كما هو الحال في هذا المنهج:

"فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق (17) والقمر إذا اتسق (18) لتركبن طبقاً عن طبق (19) فمالهم لا يؤمنون (20) وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (21) بل الذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23) فبشرهم بعذاب أليم (24) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون".

يتضمن هذا الجزء إذن بعض الوقائع المختلفة لفظياً عن ما جاء أول السورة من وقائع. ويرى الاعتباط اللغوي إن هذه الحوادث بمجموعها تتحدث عن يوم القيامة بل يراها تتحدث في كل القرآن عن يوم القيامة! ومعلوم أن هذا التصور بعيد كل البعد عن البلاغة لأن المتكلم إذا ذكر وقائع معينة في معرض التهديد والوعيد فأعادتها مرة أخرى مع القسم هو من عادة المخلوقين وبخاصة الرعية منهم الذين هم دون مستوى الأمراء والحكام لأن لهؤلاء كلاماً واحداً وأمراً واحداً لا يعاد على السامع لأن الإعادة تتنافى مع منزلتهم، وبخاصة عند قدرتهم الفعلية على تحقيق ما يذكرونه من تهديد.

فلماذا تحول السياق إلى نفي القسم وذكر الوقائع الجديدة؟ لأنه تحدث قبل ذلك عمن أوتي كتابة بيمينه وعمن أوتي كتابة شماله. فعرض خلال ذلك خصائص للأخير على النحو الآتي:

"وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (10) فسوف يدعو ثبوراًً (11) ويصلى سعيراً (12) أنه كان في أهله مسروراً (13) أنه ظن أن لن يحور (14) بلى أن ربه كان به بصيراً (15) فلا أقسم بالشفق..."

إذن فالتحول الجديد والوقائع الجديدة هي لأبطال ظنّ هذا الظانّ أنه لن يحور والذي كان في أهله مسروراً. وإذن فالسياق مرتبط بهذا الظن تحديداً.

فلماذا أوتي كتابه وراء ظهره بعد أن انشقت السماء ومدت الأرض؟

لأنه كان مسروراً في أهله وكان يظن أن لن يحور. فكأن الإجابة جاءت في الجزء الآخر وهو أنه لابد أن يحور لا في الوقائع المذكورة آنفاً بل في وقائع أسبق منها وهو إذ ذاك باق على ظنه ومستمر في طريقته وربه بصيرٌ به وبنواياه فلم يكن ظنه هذا بسبب التباس أو عدم معرفة أو جهل بل لأنه من الذين كفروا ولأنه من الذين يكذبون بهذا الوعد. (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فهذا الاستثناء يأتي هنا لإدراك فرز جماعات لم تتمكن من معرفة الحقيقة إلا في طور الاستخلاف وخلال رجوعها في هذا الطور.

(أنه كان في أهله مسروراً):

إن مثل هذا الشعور هو شعور مريض وقد رأينا سابقاً أن (الراضي) بالدنيا شخصية مريضة لا بمعنى المرض الخارج عن الإرادة.

إذ كيف يتسنى للمرء الشعور بالسرور مع وجود الموت؟ وكيف يتسنى له السرور وهو لا يعلم ساعة الموت؟ وكيف يمكنه أن يكون مسروراً وهو لا يدري متى يمرض ومتى يشفى ولا يعلم الوقائع التي تجري عليه؟

الشعور بالسرور في النظام الطبيعي الحالي منشأه الوحيد طغيان نفس المسرور فهو يتجاهل هذه العناصر لرغبته في الاستحواذ على الموجودات وعلى الآخرين فهو مسلوب الإرادة بصورة فعلية من خلال سلوكه الذي يتحرك فيه وفق نزعة مسيطرة عليه سيطرة مطلقة تجعله يرى النهاية المحتومة له بالموت أمراً حسناً.

والكفر إنما هو في تسليم الإرادة والاختيار للغير، فالمسرور هنا أشبه بآلة يتحرك وفق أوامر صارمة في طريق نهايته دمار تلك الآلة.

ويمكن تعميم لفظ (أهله) ليشتمل على من هو من أمثاله. لأن المقابل - أي الذي أوتي كتابه بيمينه (ينقلب إلى أهله مسروراً).

وهذه المعادلة الآن واضحة فمن حق الأخير أن يكون مسروراً مادام يحصل على حياة أبدية لا موت فيها ولا مرض ولا غم.

ومعنى ذلك: أن السرور شعور واحد في الأصل. فالذي يكون مسروراً مع وجود الموت كأنما هو غير راغب في أن يوجد أصلاً. لأنه لا يظن أنه راجع بعد الموت ويحاول خلال حياته القصيرة الخروج من قبضة الناموس الطبيعي فهو مسرور لأنه سيموت.

والذي يبحث عن حياة أبدية هو وحده المسرور فعلاً لأن الله قد أوجده فهو يريد من الله استمرار حياته ولا يريد التخلي عن الحياة ولذلك لا يكون مسروراً مع الموت.

وبمعنى ثالث أن المغموم في الحياة الدنيا مغموم لأنه سيموت وهو يتوسل إلى الله في البقاء.

والمسرور في الحياة الدنيا مسرور لأنه سيموت فهو رافض لفكرة الخلق أصلاً.

إذن فالموت يخلق في النفوس شعورين مختلفين ومتناقضين فالذي أحب وجوده وأحب الموجد شعر بالغم ولا يكون مسروراً حتى يعطيه الرب حياة لا موت فيها.

والذي كره وجود وكره الموجد يشعر بالسرور لأنه سيموت.

فجزاء الأول هو ما أراد - حياة أبدية لا موت فيها.

وجزاء الثاني هو ما أراد - موتاً أبدياً لا حياة فيه.

ولكن مشكلة الثاني أن الموت الأبدي لا يتحقق إلا من خلال وجود حياة أبدية. لأن الذي يموت لا يشعر بعد ذلك بما يجري عليه وهو ميت؟ فكيف يحقق له الله رغبته في الموت المستمر الذي عشقه وأراده؟

يحقق له ذلك بأن (يأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت) إبراهيم/17 فالاعتباط غرس في أذهاننا فكرة معكوسة عن علاقة المؤمن والكافر بالحياة والموت! إذ زعم أن المؤمن يكره الحياة والكافر يحب الحياة بينما الواقع هو العكس تماماً.

فالكفرة إذن هم أعداء الحياة وخصومها الألداء.

"أنه ظن أن لن يحور".

اعتقد الكافر أنه سيحصل على الموت وحده من غير حياة!

وأصبح مسروراً لهذا الغرض الذي افترضه وهو يناغم فيه اعتراضه على الخالق. فكأنه إذا لم يقدر أن يكون إلهاً في الحياة فيحاول أن يكون إلهاً في الموت.

الإله واحد وهنا تكمن مشكلة الكافر. فان الله هو الذي خلق قطبي الحياة والموت وجعلهما يدوران على بعضها.

فيزعم الكافر أنه يمتلك الموت فيمتلك الله الحياة وما درى أن الموت كائن من الكائنات الحية المخلوقة لا يملكه إلا الله:

"نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين" الواقعة/60

"تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة" الملك/؟

وليس الكافر وحده لا يملك الموت بل لا يملك الموت إلا الله ولذلك فجميع من يستعين بهم للحصول على الموت لا ينفعونه شيئاً:

"واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشورا" الفرقان/3

فهنا إذن قطبان يدوران على بعضهما وهما الموت والحياة والاستقرار على أحدهما هو من شؤون الخالق فهذه الحلقة تدور من الموت إلى الحياة (ويحور) فيها الجميع:

القاموس: حار - يحور - حوراً إذا رجع.

وتحير الماء: إذا دار واجتمع.

والحوار: ولد الناقة إلى أن يفصل عن أمه. مأخوذ من تحيره أو رجوعه إليها.

ومنه المحاورة: الكلام بين اثنين أو اكثر فيه أخذ ورّد.

ومنه الحيران: المتردد يذهب في الأمر ويرجع إلى ما كان عليه.

وفي القاموس: الحائر: مشهد الحسين (ع).

أقول هو أما للرجوع إليه أو لرجوع الماء عنه عندما أرادوا إغراقه على قول الناس هناك:

ويقال سألته فما أحار أي لم يرجع جواباً.

ويقال المحور: أي البكرة أو قلب الدوار لأنه يرجع كل مرة إلى موضعه.

إذن فاللفظ متعلق بالإحياء والرجوع - فكل إحياء هو رجوع على نحو ما وكل رجوع أو إرجاع هو إحياء لحركة سلفت.

فإذا أخذت من اللفظين الحرفين الظاهرين الحاء من الإحياء والراء من الرجوع تكون تعاقب جديد يدخل وسطه أحرف العلة لإفادة مختلف الوجهات في هذه الحركة.

إذن فقوله تعالى (ظن أن لن يحور) أي ظن أنه الموت ولا شيء غيره فلا إحياء ولا رجوع إلى الدنيا.

(فلا أقسم بالشفق):

قال الحسن وقتاده: الشفق الحمرة بين المغرب والعشاء الآخرة.

وقال آخرون: الحمرة بين الفجر وطلوع الشمس.

قال في التبيان وقال قوم: هو البياض.

وقال الطوسي: الصحيح أن الشفق هو الحمرة الرقيقة في المغرب بعد مغيب الشمس.

وقال قوم: أصله الشفق في العمل وهو الرقة. وأشفق على كذا إذا رق عليه وخاف هلاكه.

أقول: كما رأيت في السرور فالشفق عام فالكفرة مشفقون والمؤمنون مشفقون ولكن كل منهما في موضع - الكفرة في الآخرة: "ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه" الكهف/49 وأما أهل الإيمان فإنهم مشفقون في الدنيا:

"قالوا إنا كنا من قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا" الطور/56

واللحظة التاريخية الحاسمة اللحظة التي يشفق فيها الخلق كله مؤمنين وكافرين هي لحظة ظهور آية الآيات أو نجم الآيات.. فهي لحظة لا يطمأن فيها أي مخلوق وهو يرى عمود النار الأحمر بالغاً السماء والسماء محمرة بنار المذنب وإنما يظهر ذلك كما رأيت في الرسوم السابقة أول الليل وآخره.

إذن فارتباط الشفق في الأصل اللغوي بالخوف والاحمرار بسبب احتقان الوجوه استعمل لحمرة المساء أو الصباح على التمثيل ولكنه في السورة يأخذ بعده الدلالي كاملاً من حيث الرقة والخوف واحمرار الوجوه بسبب الترقب واحمرار السماء بالنجم الموعود. وقد رأيت بعض الأحاديث المتعلقة بالنار سابقاً فهذا حديث آخر:

"ابن طاووس في الملاحم قال الباب الثامن والستون فيما ذكره نعيم بن حماد في الفتن في العمود من نار من قبل المشرق وإعداد طعام سنه قال حدثنا عيسى بن يونس والوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان قال: ستبدو آية عمود من نار تطلع من قبل المشرق يراها أهل الأرض فمن أدرك ذلك فليعد طعام سنة" الملاحم والفتن/36.

قال الوليد: "رأيت نجماً له ذنب في المحرم سنة خمس وأربعين ومائة مع الفجر ثم رأيناه بعد مغيب الشمس في الشفق.. إلى أن قال: فذكرت ذلك لشيخ قديم عندنا من السكاسك فقال: ليس هذا النجم المنتظر إنما النجم المنتظر نجم يتقلب في الآفاق يضيء كما يضيء القمر" نفس المصدر/34

حديث آخر: بنفس الطريق عن الوليد قال:

"بلغني عن كعب أنه قال قحط في المشرق وداهية في المغرب وحمرة في الجو أو في جو السماء وموت فاش في جهة القبلة" نفس المصدر/34

حديث آخر: أبو نعيم في الفتن قال: قال عبد الوهاب بلغني أن رسول الله (ص) قال:

"في رمضان آية في السماء كعمود ساطع...".

حديث آخر: السليلي في الفتن من حديث النار بسنده عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة اخبرني رسول الله (ص) قال:

"أنها لا تقوم الساعة حتى تظهر نار بأرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى" نفس المصدر/126.

أقول: أحاديث النار كثيرة وهذا الأخير لا صلة له بنار السماء إذ يبدو أنها نار أرضية كبيرة جداً ربما بسبب حرائق هائلة أو أسلحة مدمرة تسبق النجم المنتظر وقد ذكرنا الفوارق سابقاً.

قوله تعالى: "والليل وما وسق".

معطوف على نفي القسم في قوله تعالى (فلا أقسم بالشفق).

وبهذا يتم الانتقال إلى العلامة الثانية الواقعة خلال شهر الآيات المتتابعة وتحديداً إلى يوم الثالث والعشرين من الشهر.

ففي تلك الليلة الطويلة جداً والثقيلة على النفوس كما رأينا في سورة التكوير حيث تتوقف الحركة المحورية للأرض ويستمر الليل على الجزء المسكون من الأرض فيشتد الظلام لانحجاب ضوء النجوم بغازات المذنب الموعود. وحينما يحاول النجم تحريك الأرض بالاتجاه المعاكس يجتمع الظلام من الجهتين إذ بينما تكون الحركة باتجاه الفجر تنقلب فتكون باتجاه الغروب ثم تطلع الشمس من مغربها بعد ليلة مضاعفة ومرعبة.

هذه الصورة تبرزها دلالة اللفظ (وسق).

القاموس: طعام موسوق أي مجموع.

وسقت النخلة/ حملت حملاً ثقيلاً وكذا الناقة. 

وسقت العين الماء: حملته.

وسق الإبل: طردها من الجهتين ليجمعها.

إذن فالمعاني تجتمع هنا لأن مثل هذه الليلة تكون مجموعة أو مدفوعة دفعاً من الجهتين ومحملة بل مثقلة بالظلام.

نلاحظ أن هذه الليلة قد أكد عليها القرآن أكثر من مرة كما في التكوير (والليل إذا عسعس) أي اشتد ظلامه وتثاقل وقد نائت به الحركة، كما ذكرت مرات أخرى خلافاً لليل المعتاد كما في قوله تعالى (والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر) والذي يأتي في موضعه.

وهل يرمز هذا الليل المتطاول في صورته الكلية إلى حقبة الظلام التي (تملأ بها الأرض ظلماً وجوراً) قبل طور الاستخلاف؟ نعم قطعاً فإذا كان الحديث عن قطعة بلفظ (ليلة) فالمقصود تلك الليلة تحديداً وإذا كان بلفظ (ليل) وهو اسم عام أفاد عموم الحقبة المظلمة ووقعت تلك الليلة المخصوصة في دلالته العامة، كما أثبتناه في (اللغة الموحدة) في الفرق بين (حب) و (حبة) و(نمل) و (نملة) فهو كذلك في ليل وليلة.

قوله تعالى: "والقمر إذا اتسق".

قال مجاهد: والقمر إذا اتسق أي إذا استوى.

وقال قتادة: إذا اتسق إذا استدار.

وقال الطوسي: إذا تم نوره واستمر في ضياءه.

وقال في المحيط: اتسق: انتظم.

وقال الزمخشري في الأساس: ومن المجاز اتسق القمر واتسق أمره واستوسق، وناقة واسق: حامل.

أقول: ما أعجلهم بذكر المجاز خصوصاً في القرآن.

ألا يرى أن العبارة وردت في نص يتحدث عن وقائع كونية معينة بعد وقائع تحدث يوم القيامة فما أدراه أن الاتساق لا يكون حقيقياً بعد حدوث خلل في نظام القمر؟

بلى لو جمعنا أقوالهم المبهمة نشعر أنها تنطوي على معلومات تسربت من رجال يحسنون قراءة النص القرآني.

لأن قول الأول إذا استوى يفيد أنه خرج عن حد الاستواء وهو أمر لا يحدث كل شهر في العادة.

وقول الثاني: إذا استدار إن كان يقصد اكتمال الدائرة فهو متسق دوماً إذ القمر يكمل دورته كل شهر وتكتمل دائرته وسط كل شهر ثم يتناقص علماً أن هذا مخالف للواقع لأن هذا ما نراه نحن ولا يمثل حقيقة في النقصان والزيادة.

وقول الثالث: استمر في ضياءه يوحي لنا أن هناك حادث حدث حجب ضياء القمر فإذا (اتسق) عاد إلى الانتظام ولذلك نجد هذه الدلالة ظاهرة جداً في قول الفيروز آبادي إذ قال إذا اتسق: إذا انتظم ومعنى ذلك حصول حادث يخرجه عن النظام.

وإذا فهمنا قول قتادة: إذا استدار على ضوء الأحاديث المذكورة سابقاً عن استدارة النجوم واستدارة الفلك: بمعنى انعكاس الحركة فتشرق من المغرب (الحالي) وتغرب في المشرق (الحالي) تم المطلوب في فهم كامل الدلالة.

فالاتساق صيغة افتعال أي طلب للانتظام أو اكتمال الحركة والإضاءة وهذا لا يصح عادة إلا عند حدوث خلل في النظام.

لقد علمت ما يحدث للقمر عند اقتراب النجم الموعود. فهناك خسوف غريب في أول الشهر العربي خلافاً للمعهود من الخسوفات. وهناك خسوف كلي آخر في آخر الشهر العربي خلافاً للمعهود أيضا كما مر عليك في العلامات الكونية.

وقد لوحظ انحراف في محور القمر وشكله العام عند ظهور مذنبات قريبة نوعاً ما. فكيف يصبح الحال عند وقوع آيات النجم الموعود؟

إذن يحصل توقف لحركة القمر كما حصل في ركود الشمس وبالطبع يتغير النظام القمري أسوة بأجزاء النظام الأخرى.

ومن هنا تأتي هذه الآية في سياق عام لاستعراض أهم العلامات الكونية لهذا الطور.

وقد رأيت تفسيرنا للحديث "ووجه يطلع في القمر" - أن للقمر وجهان ونحن لا نرى إلا وجهاً واحداً لأن سرعة دورانه المحوري هي بنفس سرعة دورانه حول الأرض فنرى كل شهر نفس الوجه.

فإذا حصل أي خلل أو توقف في إحدى الحركتين ظهر الوجه الآخر للقمر والذي هو خال تماماً من اثر المحو أو السواد والذي يسمى حسب العلم الجديد (البحيرات الجافة).

والوجه الآخر للقمر تم تصويره بواسطة السفن الفضائية في العصر الحديث.

قوله تعالى: "لتركبن طبقاً عن طبق":

جواب عام لنفي الأقسام الماضية المرتبطة بإذا الشرطية وهو في عين الوقت جواب للشرط (إذا اتسق).

والمعنى أنه إذا حصل الشفق ووسق الليل واتسق القمر لتركبن ولكنه أي الجواب يرتبط باتساق القمر من جهة ترتيب الوقوع زمنياً لأنه الوحيد المبدوء بإذا الشرطية بينما هو جواب عام لنفي القسم.

وفي هذا الشرح نحاول تخليص التركيب القرآني وأي نص آخر من القواعد الجامدة للبنى النحوية التي وضعها الاعتباط.

فالمتكلم يرتب كلامه بأية طريقة تفيد تشريك الجواب أو غير ذلك وقد فندنا قسماً من أبحاثهم حول البنى النحوية في مؤلفات أخرى. فلو قال القائل: "والله إذا زرتني أزورك" فإن الجملة أزورك هي جواب للقسم لأنك إذا أخرجت الشرط فقلت (والله...) احتاج القسم إلى جواب: "والله أزورك).

وإذا أخرجت القسم فقلت (إذا زرتني..) احتاج الشرط إلى جواب (إذا زرتني أزورك).

إذن فجملة أزورك تعمل عملاً مشتركاً فهي جواب للقسم وجواب للشرط. والمعلوم من الشرط ارتباط زمني - أي أن زيارتي لا تقع إلا بعد أن تزورني - بينما لا يظهر الترتيب الزمني في القسم بمفرده.

إذن فركوب الأطباق لا يقع إلا بعد اتساق القمر.

وقد مر علينا في العلامات أن آخر علامة منها هي ما يحدث للقمر حيث يعقبه استدارة الفك واتخاذ الأرض مداراً آخر يلائم طور الاستخلاف.

ويبقى فقط مطابقة دلالة الأطباق على مدارات الفلك فهل نجد مؤيداً لغوياً لذلك؟

إذا رجعنا إلى منهجنا اللفظي نجد لفظ (الطبق) أطلق في القرآن على أطباق السماء السبعة:

"الذي خلق سبع سموات طباقاً"      الملك/3

"ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً"       نوح/15

ولم يرد لفظ (طبق) في أي موضع آخر سوى هذه المواضع الثلاثة.

ونلاحظ هنا انسجاماً في وروده في السور أيضا.

فإن وروده في (الملك) إشارة إلى الملك الإلهي في طور الاستخلاف.

ووروده في سورة (نوح) للعلاقة الزمانية. فقد ورد في بعض المأثور أن النجم الموعود أطل فيما سبق على الأرض إطلالة كان نتيجتها إغراق قوم نوح واستخلاف الباقين من ذريته وممن معه من الأمم حاملي الذراري.

ذكر ذلك نعيم ابن حماد في كتاب الفتن قال:

"في علامة تطلع من المشرق كالقرن: حدثنا نعيم عن سعيد بن عثمان عن جابر عن ابي جعفر قال: إذا بلغ العباسي خراسان طلع من المشرق ذو الشفا وكان أول ما طلع أمر الله بهلاك قوم نوح..."      الملاحم/الباب/62

ويقدم لنا هذا النص اسماً جديداً للمذنب هو (ذو الشفا).

إذن فدلالة (الطبق) قد انصرفت في القرآن إلى أطباق السماء في الموردين الواضحين في سورة نوح والملك.

فلنلاحظ ما يقوله أهل التفسير:

أبو عبيدة: لتركبن طبقاً عن طبق: أي لتركبن سنة الأولين ومن كان قبلكم.

الطوسي: منزله عن منزلة وطبقة عن طبقة.

ابن مسعود: إذا كان بالفتح فالمعنى لتركبن يا (محمد) أطباق السماء.

الزمخشري: منزلة بعد منزلة وحالاً بعد حال.

العكبري في الإعراب: الخطاب للجماعة على الضم. وإذا كان بالفتح فالخطاب للمفرد والمراد به النبي (ص). قال: وقيل يجوز أن يراد به غيره أي الإنسان المخاطب.

أقول: هذا لا يجوز إذا كان اللفظ بالفتح وذلك لان ارتقاء السماء ممنوع على الكفرة فلا يمكن ان يكون المخاطب به الإنسان على العموم.

ورد هذا المنع في قوله تعالى:

"لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط".

إذن فالاعتباط يتوهم إذ يجعل الارتقاء في السماء عاماً.

ويصح هذا إذا كان المفهوم هو تحول واحد لمرة واحدة من طبق إلى طبق إذ احتمال تغير مدار الأرض احتمال كبير. ولكن المفهوم من الآية أنه تحول مستمر.

إذن فالمخاطب سواء كان بالأفراد أو الجمع فانه لا يخرج عن جماعة المؤمنين.

وقيل: معناه شدة عن شدة.

وقيل: معناه طبقات السماء بعروج الأرواح.

وقيل: معناه لتصيرن إلى الآخرة من حال الدنيا.

وقيل: حالاً عن حال من إحياء وإماتة.

اللغة: الطبق: الداهية.

والطبق: الغطاء لأنه يطابق الإناء.

وطبق من الناس بعد طبق: عالم بعد عالم.

والدهر أطباق: حالات.

والناس طبقات: منازل ودرجات.

أقول: لا يمكننا استبعاد أي واحد من أقوال المفسرين وأهل اللغة فإنها تجتمع في الواقعة التي يسببها النجم الموعود فهو:

- يغير الأرض من حال إلى حال.

- يصيب الناس منه شدة وداهية.

- يحول الأرض من تاريخ الدنيا إلى تاريخ الآخرة إذ الآخرة مفهوم زماني كما رأينا.

- يفتح الباب لولوج أطباق السماء وتأهيل الملكوت السماوي.

- يموت خلال مجيئه خلق كثير ويحي خلق كثير.

- يذهب به عالم قديم ويأت عالم جديد.

- من المحتمل أن يغير مدار الأرض من طبق إلى طبق آخر.

- تجري الأمور فيه على وفق سنن الاستخلاف فيمن هو قبلنا. قال تعالى:

"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم..."

فإذا شئت أن تقول أن جميع الوجوه صحيحة على هذا المعنى صح القول وإذا شئت أن تقول أنها جميعاً خاطئة عند ابتعادها في المفهوم عن طور الاستخلاف صح الاستنتاج أيضا ولكن تعلم أن المفسرين مهما قالوا فإنهم لا يشيرون إلى طور الاستخلاف من قريب ولا من بعيد ولا يربطون بين الوقائع والآيات في السورة بينما تلاحظ الوحدة الموضوعية للسورة الكريمة على ما ذكرناه بجلاء تام.

اقترانات لفظية أخرى

1. قوله تعالى: فما لهم لا يؤمنون. وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون. علاقة الطور المهدوي دائمة مع القرآن أو الرسول (ص) ومع السجود اذ تتحقق في هذا الطور ظهورات لعلم القرآن وللرسول (ص) وهو طور السجود لله وحده.

وهو مرتبط بأول الخلق أعني السجود لآدم كما رأيت من قبل.

في حين تغيب مثل هذه الألفاظ عند الحديث عن القيامة الكبرى.

2. قوله تعالى: بل الذين كفروا يكذبون.

وهنا اقتران مستمر بين التكذيب والطور المهدوي وستأتي موارد التكذيب وعلاقاتها اللفظية في بحث لاحق.

3. قوله تعالى: والله أعلم بما يوعون. فبشرهم بعذاب أليم.

وجدنا اقتراناً آخر لأنواع معينة من العذاب مع الطور المهدوي دون الأنواع الأخرى ومنها العذاب الأليم وسيأتي التفصيل في بحث أنواع العذاب المهدوي واختلافاتها عن عذاب القيامة في الفصل المخصص لذلك.

للمناقشة:

1. قد تقول: كيف قلنا ان الكافر كاره للحياة والمؤمن محب للحياة والله سبحانه يقول: "ان زعمتم أنكم أولياء لله فتمنوا الموت إن كنتم صادقين"؟

الجواب: أننا لم نخرج عن منطوق الآية فالمؤمن يحب الحياة بمعناها أي الحياة الدائمة والكافر عكس ذلك يحب الحياة لوجود الموت في آخرها فهنا معادلة غريبة بالنسبة للدنيا فالكافر لا يريد ان يموت ويؤجل الموت خشية الحياة الأبدية بخلاف المؤمن وهذا التناقض في السلوك يدل على أن الكافر لا يشك في الحياة الأبدية بل لأنه معاند متظاهر على الله فيختار الموت على الحياة الأبدية أي يختار الحياة الواطئة المرافقة للموت. من اجل ذلك يرضى الكافر بالحياة الواطئة المرافقة للموت بينما يرفض المؤمن هذه الحياة.

إذن يظهر سلوكهما المتناقض في الحياة الواطئة المرافقة للموت بسبب اختلافهما بشأن الحياة والموت بمعناهما المطلق فالكاره للحياة يتعلق بالواطئة من أنواع الحياة وهي الدنيا والمشتق من الدنو المحب للحياة يكره المتدنية من أنواع الحياة أي الدنيا ويرغب في الحياة الأبدية وهي الحياة الآخرة.

وقد ذكرنا أن الآخرة موضوع زمني أي أنها تبدأ من الطور المهدوي وفيه تفصيل آخر يأتي إن شاء الله.

والآية مع ذلك ليست عامة بل في الأولياء فتمني الموت هو مرحلة متقدمة من الإيمان تتصف باليقين في الحياة الآخرة لذلك يتمنى الولي الموت إذ لا يصل لهذه المرحلة كل مؤمن.

2. وقد تقول رأينا في سورة الانشقاق ومجموع العلامات تغيرات كثيرة ووقائع متنوعة أهمها: تغير النظام الأرضي وغزو الفضاء للسيطرة على الملكوت وظهور المعرفة العليا المختلفة عن طرائق العلم التجريبي وخروج الأموات أفواجاً - كل ذلك في الطور المهدوي. فهل هناك مرويات أو أحاديث تؤكد هذه النتائج القرآنية؟

الجواب نعم فهذا حديث واحد لكل واحدة من الظواهر المذكورة يؤكد القرآن صحتها:

الأول:  في ظهور المعرفة العليا

عن موسى بن عمر عن ابن محبوب عن صالح بن حمزة عن أبان عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (رض) الصادق قال:

"العلم سبعة وعشرون حرفاً فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين فإذا قام قائمنا أهل البيت أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثها في الناس وضم إليها الحرفين حتى يثبها سبعة وعشرين حرفاً.    البشارة/319.

الثاني: في غزو السماء وتأهيل الملكوت

ابن سعيد الهاشمي مرفوعاً بسد متصل إلى النبي (ص) في حديث قدسي قال:

"لما عرج بي إلى السماء نوديت يا محمد فقلت لبيك ربي وسعديك تباركت وتعاليت فنوديت يا محمد أنت عبدي.. إلى قوله ولأطهرن الأرض بآخرهم من أعدائي ولأملكنه مشارق الأرض ومغاربها ولأسخرن له الرياح ولأذللن له السحاب الصعاب ولأرقينه في الأسباب..." البحار/ج23/السيرة.

الثالث: في خروج الأموات:

"عبد الكريم الخثعمي قال قلت لأبي عبد الله كم يملك القائم قال سبع سنين... إلى قوله: فإذا آن قيامه مطر الناس جمادى الآخر وعشرة أيام من رجب مطراً لم ير الخلائق مثله فينبت الله به لحوم المؤمنين وأبدانهم في قبورهم فكأني أنظر إليهم مقبلين من قبل جهينة ينفضون شعورهم من التراب"         الارشاد/في علامات الظهور

الرابع: في تغير النظام الطبيعي:

أبو بصير رحمه الله تعالى قال في حديث طويل عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال:

"... فيمكث على ذلك.. (أي المهدي) سبع سنين كل سنة عشر سنين من سنيكم هذه ثم يفعل الله ما يشاء. قال: قلت جعلت فداك كيف تطول السنون؟ قال: يأمر الله الفلك باللبوث وقلة الحركة فتطول الأيام لذلك والسنون قال قلت أنهم يقولون أن الفلك إذا تغير فسد قال ذاك قول الزنادقة فأما المسلمون فلا سبيل لهم إلى ذلك وقد شق الله القمر لنبيّه (ص) ورد الشمس من قبله ليوشع بن نون وأخبر بطول يوم القيامة وأنه كألف سنة مما تعدون" إرشاد المفيد والبشارة/55


(1) البحار/ ج 14. الهبئة والإسلام/ باب الشهب/ 305 وأحجار الجو.

(1) من قوله تعالى "إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب" - البقرة / 166.

(2) من قوله تعالى "يقول الإنسان يومئذ اين المفر" القيامة/ 10.

(3) الاعراف / 40.

(4) التاج الجامع للأقول / ج 5 ب الفتن وعلامات الساعة / 337.

(1) البرهان في تفسير القرآن للمحدث الخبير السيد هاشم البحراني التوبلي ج4/التكوير - فلا أقسم - ح4.

(1) منتخب الأثر/ب3/3.

(1) منتخب الأثر/ب11/3.

(2) البرهان/1 - نور الأبصار/155.

(3) المنتخب/ب4/4.

(4) بشارة الإسلام والمنتخب/ب/4/449.

(5) المنتخب/4050.

(6) الملاحم والفتن/ب67.

(1) رواه مسلم وابو داود والبخاري في بدء الخلق/للتاج/ج5/304-دار الفكر الطبعة/4.

(1) التاج الجامع/كتاب الفتن وعلامات الساعة/ج5/305.

 

.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست

(6) الملاحم والفتن/ب67.

(1) رواه مسلم وابو داود والبخاري في بدء الخلق/للتاج/ج5/304-دار الفكر الطبعة/4.

(1) التاج الجامع/كتاب الفتن وعلامات الساعة/ج5/305.

 

.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست