.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست

الفصل الثالث

عناصر الاستخلاف

 

1-   تمهيد في معنى الاستخلاف

إن لفظ "خليفة" في قوله تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك"(1)، هذا اللفظ (خليفة) ينصرف كما هو واضح إلى جنس بني آدم لا إلى آدم (ع) وحده.

     وذلك لأن آدم (ع) لا يحصل منه عصيان يبلغ درجة الفساد وسفك الدماء إنما فهم الملائكة من الخليفة أنه مجموعة منتخبة من جنس بني آدم، ومعلوم أن استخلاف مجموعة من الجنس لا يمكن حدوثه إلا بعد مراحل وحقب من الترقي وقودها الفتن ونتائجها العريضة الفساد وسفك الدماء. القرآن لم يرد على ادعاء الملائكة ولم يقل أنهم كانوا واهمين أو مخطئين في هذا التصور بل اكتفى بالقول: "إني أعلم ما لا تعلمون". الغاية من خلق (الخليفة)- كما هو واضح من العرض التي تقدم به الملائكة هو (التسبيح والتقديس)- وهو واضح في آية أخرى هي قوله "ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"(2)- فقدم الملائكة أنفسهم بديلاً للخليفة باعتبارهم يسبحون ويقدسون من غير ما حاجة إلى المرور بحقب من سفك الدماء والفساد. الرد القرآني تضمن الإشارة إلى أن هناك أمور أخرى لا يعلمونها. لعل أبرزها كما يتضح من النظام القرآني أن الملائكة لن يصلحوا أن يكونوا بديلاً للخليفة- لأنهم خلقوا بنظام آخر (ولو يشاء الله لجعل في الأرض ملائكة يخلفون)(3). والأمر الآخر أنهم لا يدركون من قدرات هذا الكائن العقلية والتطورية شيئاً.. فإن الخلافة ستكون مرافقة لسفك الدماء والفساد ويحدث الترقي المنشود حتى لن يكون هناك في (الأرض) سوى الخلفاء لله.

ولذلك جرى بسرعة اختبار للقدرات العقلية بين آدم والملائكة لإثبات أفضليته من هذه الناحية، فلما أقروا بالعجز عن معرفة المسميات- التي هي مفاتيح المعرفة أمرهم بالسجود لآدم.

لكنهم لاحظوا قبل ذلك عملية الترقي ابتداءً من الصلصال(4) والطين(5)مروراً بمرحلة التسوية وهي مرحلة البشرية وانتهاءً بمرحلة النفخ وتعليم الأسماء ومن هناك تدرك معنى التقديم في الخلق والتصوير للمجموعة على السجود لآدم في قوله تعالى "ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا لملائكة أسجدوا لآدم"(6) فقد دل انتقال الصيغة من مخاطبة المجموعة إلى المفرد على أن قرار استخلاف جنس بني آدم هو المقصود القرآني من عبارة "إني جاعل في الأرض خليفة". لماذا؟ لأن التسلسل التاريخي في سورة البقرة يجعل قرار الخلافة في الأرض قبل السجود بل وقبل تعليم الأسماء، وإذن فقوله تعالى "ولقد خلقناكم ثم صورناكم" يريد به أن قرار استخلاف جنسكم كان قراراً منذ بداية الخلق أي من \طور الحمأ المسنون(1) فكأنه بخلقه وتصويره لآدم كان يقصد خلق الجميع وتصويرهم وبالتالي فالخليفة يقصد منه أيضاً استخلاف الجميع- ولكن السجود وحده هو الذي يشذ لأن السجود في آخر تلك المراحل ولا يصح إلا للفرد الذي اكتملت فيه صفات الخليفة ولذلك لم يأمر بالسجود إلا بعد تعليم الأسماء للفرد وحده وهو آدم وبعد نجاحه باختبار المعرفة.

ما هي العوامل المؤدية لاستخلاف الجنس البشري على الأرض؟

إن الفساد وسفك والدماء لازالا موجودين ومستمرين على الأرض، والخالق يريد الخلافة التامة الكاملة على الأرض التي تخلو من كل فساد وسفك دماء ليتحقق الرد الإلهي على الملأ بقوله "إنّي أعلم ما لا تعلمون" وقوله بعد نجاح اختبار آدم بالمعرفة والبرهنة على قدرته العقلية التطورية "ألم أقل لكم أني أعلم غيب السماوات والأرض"، فكيف يصل المجتمع البشري على الأرض إلى مرحلة الاستخلاف وما هي العوامل التي تؤدي إلى ذلك؟.

من الناحية العقلية لا يحتاج الفلاسفة إلى أي برهان على ذلك لأن الشعور الوجداني السائد عندهم يعلن بصورة واضحة عن وجود أفراد في غاية الصلاح، فبناء على ذلك يمكن تصور أفراد المجتمع كلهم على هذا المستوى من الحكمة والتعقل، ولا يوجد أي مانع عقلي من تصور ذلك، وهذا هو الذي دفعهم لتخيل العشرات من الجمهوريات المثالية والملل الفاضلة.

إذ يكفي ذلك للبرهنة على الإمكان العقلي لتحقق المجتمع المثالي. وإذا كان بالإمكان اتهام الفلاسفة بالخيالية رغم ذلك، فإن القرآن يصور الأمر بطريقة واقعية هي أكثر واقعية مما يرتئيه أعظم الفلاسفة، ذلك لأن الاستخلاف في الطور المهدوي لا يلغي الشرور تماماً ولا يهلك الأشرار، بل الذي يحدث هو عملية فرز حقيقي وفصل للنوعين لا غير.

هذا ما يؤكد عليه القرآن في مواضع مختلفة ومترابطة لفظياً ترابطاً مذهلاً في العرض والأسلوب والإعجاز، وما يوم الفصل إلا تعبير عن عملية الفصل هذه هي التي هي مرحلة من مراحل الطور المهدوي.

وعملية الفصل هذه لا يمكن أن يقوم بها بشر عادي، إن التعرف على المجرمين الحقيقيين هو عمل في غاية الصعوبة، ولا يقدر عليه إلا الخالق أو من يمنحه الخالق تلك المقدرة، ولكن ذلك لا يحدث أبداً ما لم ترغب الفئة الصالحة رغبة شديدة وحقيقية بالفرز والتميز عن الأشرار، ومعلوم أن فئة الصالحين لا تصل أبداً إلى هذه الرغبة الحقيقية إلا بعد أن تذوق الأمرين من جراء خلط الأوراق ببعضها والتباس الحق بالباطل، ولا تتمنى ذلك إلا بحدوث كوارث فضائع وهو ما يسميه القرآن (بالفتنة) وفي مواضع أخرى بـ(البلاء) فتكون تلك الفتنة هي المحرك الوحيد للصالحين الذي يدفعهم إلى البحث والمعرفة لحماية أنفسهم من الضلال وتأكيد هويتهم وحينما يصلون إلى درجة من المعرفة بأنفسهم ودينهم وعقيدتهم وأساليب عدوهم، تمكنهم من تحقيق الفرز داخل نفوسهم بدقة لا تشوبها شائبة- عندئذ يأتي المدد الإلهي وينم الفرز ويتحقق الوعد.

وبإمكاننا أن نجد لهذا التصور العشرات من الآيات القرآنية المؤيدة لذلك والأحاديث الصحيحة، بل سنجد آيات قرآنية لا تفسر أبداً إلا وفق هذا التصور. والمؤمنون يتمكنون بكل يسر من الفرز لوضوح الآيات وكونها بينات ومفصلات وكون القرآن هو النور الذي ترى به الأشياء، وكون الاختلاف ليس سببه الجهل بل بالعكس- إذ يؤكد القرآن على حدوث الاختلاف بعد مجيء العلم وبعد التبيين ولهذا يكون الحق واضحاً والباطل واضحاً ومتميزين عن بعضهما تميزاً شديداً لا يدعي عدم معرفتها إلا متحيز إلى فئة أو شاك في أصل العقيدة أو متبع للهوى أو متعبد بشرائع الطغاة- مما رأيناه في الآيات القرآنية في بحث سابق.

ومن هنا أرتبط الظهور بالفتنة والبلاء واعتبرهما القرآن جزء من الفرز:

"ونبلوكم بالشر والخير فتنة"(1)

"أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم"(2)

"وكذلك فتنا بعضهم بعضاً"(3)

"وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون"(4)

وتؤكد آيات قرآنية على حدوث الفتنة في الأمم الماضية واستمرارها في هذه الأمة، بل وبقائها إلى آخر يوم من أيام الفتح العظيم للدين.. فالفتنة تشمل الأزمنة الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل،وهي تشتد وتكبر كلما اقتربنا من عصر الظهور بل اشتداد الفتنة هو العلاقة الاجتماعية الأوضح لعلامات الظهور وهذا ما ستلاحظ تفصيله في العلامات بإذن الله.

وبهذه الطريقة تعرف أسرار الأحاديث النبوية والآيات القرآنية والرباط الوثيق بينهما وهي مجموعة الآيات والأحاديث التي تتحدث عن الفرز والفصل بين الفريقين. لأن عملية الفصل تحدث في نفوس المؤمنين والفجرة في آن واحد نتيجة الفتنة والصراع ويكون المدد الإلهي في هذه الحالة هو الذي يحسم الأمر ويميز الفئتين عن بعضهما باستخدام التحجير أو الوسم الذي تقوم به (دابة الأرض) المذكورة في القرآن حيث تسم على وجه الكافر وسماً لا يزول.

ويؤكد القرآن على عملية الوسم في مواضع منها "سنسمه على الخرطوم"(1) ومنها ما في سورة الرحمن "يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام" ومنها ما في سور أخرى تأتينا في مواضعها إن شاء الله. وبذلك يحدث الترابط بين الحديث النبوي وبين القرآن.

كما سنرى في العلامات الكونية- أسلوب التقسيم وانقسام الأرض إلى جزئين مختلفين- بالربط بين العلاقات والعلم الحديث وما ورد من الحديث في السنة المقدسة، ولكننا الآن نعود إلى السؤال الأصلي عن العوامل المؤدية إلى الاستخلاف، فنحاول إيجاز تلك العوامل بأقل الكلمات وأدلها:

هناك عاملان أساسيان للاستخلاف الأول القدرات التطورية لهذا الكائن والثاني وجود الدليل وهو العقيدة الهادية مع قادتها.

2. العامل الأول

القدرات التطورية للإنسان

قلنا أن المعرفة هي سر أفضيلة آدم وهي سبب إسجاد الملائكة له وهي الأساس في عملية الاستخلاف، والمعرفة تحتاج إلى لغة، ومن هنا (علم آدم الأسماء كلها)ومن هنا قال أيضاً "علمه البيان"(3). إذ البيان هو اللغة القادرة على التوضيح والتبيين والكشف عن المعرفة.

وقد علم الله آدم الأفكار ووضع له قانوناً، وكان ذلك هو القانون الأول الذي وضع إذ أوضح له عدوه ليتمكن من الفرز:

"يا آدم إنَّ هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى"(4).

كان قانوناً بسيطاً وواضحاً، والجنة التي فيها آدم هي جزء من القانون الإلهي للخليفة- فأنه خلقه لعبادته لا للعمل والكد، فما دام في الخلافة فهو المتكفل برزقه ولهذا ارتبط الاستخلاف بالجنات بصورة دائمة في القرآن.

إذ رأينا سابقاً أن الله تعالى يقول "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين"(5).

فالغاية من الخلق هي العبادة، وحينما تتحقق العبادة يتكفل الخالق بالرزق إذ لا يعقل أن يكون هم الخليفة الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته- لا يعقل أن يكون همه تأمين لقيمات العيش لنفسه وخالقه قادر على إعطاءه جنة لا حدود لمساحتها، إذ القادر على خلق السماوات والأرض بقوله كن، لا يضره خلق مثلهن شيئاً ولا يكلفه شيئاً مذكوراً، ولذا كان الخلود الأبدي في جنات.. لا منتهى لمساحتها كعرض السماء والأرض.

ومن هنا أرتبط الاستخلاف بالجنات الدنيوية.. وأشار القرآن إلى الماضي كما أشار إلى المستقبل، فمن الماضي "كم تركوا من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوماً آخرين."(1)

فقد أورثت تلك الجنات للقوم المستخلفين من بعدهم. وللمستقبل أعتبر تحقق الإيمان والتقوى سبباً لحصول الجنات:

"ولو أن أهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض"(2)

ولذلك كانت الجنة في الطور المهدوي أمراً محتوماً لتحقق الإيمان والتقوى، ولتحقق التطبيق الفعلي للشريعة والحكم بجميع ما أنزل الله:

"ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لا كلوا من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم"(3).

ويدل ذلك على أن كتاب الله واحد من رب واحد بشرع واحد.. وأن الناس هم الذين اختلفوا فيه.. والمهدي سمي كذلك "لأنه يهدي إلى أمر ضَّل عنه الناس"(4) ومن هنا نعلم أن لكل طور استخلاف في الأرض جنة على الأرض وطور الاستخلاف الأخير وفق الرسالة الخاتمة هو أهم الأطوار وأتمها وأدومها وهو خاتمتها وهو دائم مستمر ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك.

وإذن فلم يكن الخالق-عز وجل- قد أدخل آدم الجنة وهو قد قرر سلفاً إخراجه منها- كما يزعم البعض، لقد أدخله الجنة وتمنى له البقاء فيها فعلاً، ووضع له قانوناً وعلمه الطريقين وحدد له عدوه، فإذا كان آدم (ع) يرغب في الخروج من الجنة وفق القانون المعمول به فليفعل، فهو حر، وحريته وقدرته على الاختيار القائمة على معرفته وذاكرته هي سر أفضليته واسجاد الملائكة له وهي سبب عصيان إبليس وبالتالي مراهنته على عصيان آدم. ولذلك فإن من حق الجميع أن يغروا به وليس إبليس وحده، ذلك لأنه يمتلك أمره وكل قرار يتخذه إنما يتخذه بناءً على اختياره، فهو المسؤول عن فعاله، ولكن حق الإغراء هذا يضيع في الحضرة الإلهية ولا يفكر فيه امرؤ ذو خلق، إذ لا يوجد أحد من الملأ العلوي يفكر بتحريض المخلوق على عصيان الخالق. إنه حق أشبه شيء بشعار الخوارج- حق يراد به باطل- وإبليس هو الوحيد الذي طالب به أو قصده ولكن لم يفعل ذلك إلا بعد أن أسقط في يده وطرد من وسط الملائكة وأخرج مرجوماً ملعوناً إلى يوم الدين، فإنه ما قال شيئاَ عن عزمه على الإغواء على إلا بعد اللعن والطرد كما هو التسلسل في ص والحجر.

إن الذين زعموا أن جنة آدم في السماء هم أنفسهم الذين تورطوا في المشيئة والإرادة وصوروا الأمر على أنه قضية مفتعلة أو قصة رمزية، بل وأعطوا المبررات لبعض المتحذلقين الذين لا يفهمون شيئاً عن حقائق الدين والخلق والتكوين، ليدافعوا عن إبليس.(1)

لقد كانت جنة آدم في الأرض، وهو خليفة الله في الأرض، والجنة جزء من قانون الخلافة على الأرض كما أشارت آيات الرزق والخلق الآنفة، وكانت قصة آدم هي قصة استخلاف أول كائن على الأرض واضحة كل الوضوح، ووقعت وفق قوانين العدل والحق المتفق عليه بين العقلاء.

وإذا كانت المعرفة والذاكرة هي سر أفضلية آدم، فإن الخلل الذي أصاب الذاكرة هو السر في عصيانه وبالتالي إخراجه من الجنة، حيث ربط القرآن الأمرين ربطاً وثيقاً بين تعليم الأسماء وتذكرها في الاسجاد وبين نسيان تلك التعاليم حيث العصيان:

"ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً"(2)

ولكي لا تتكرر نفس القضية، ولكي تعود ذرية آدم إلى طور الخلافة في الأرض، ونزول البركات وظهور الجنات مجدداً، وفق تلك القوانين، فإن عليهم أن يصلوا إلى مرحلة الطاعة التامة للخالق، ولا يحدث ذلك ما لم يتمكنوا من استغلال قدرات العقل بأقصى مدى ويتذكروا تعاليم الخالق وتتكون لهم ذاكرة تاريخية عما حل بالذين من قبلهم من الدمار والهلاك، ولذا أكد القرآن على الذاكرة بشكل ملفت للنظر فجاء بجميع اشتقاقاتها اللغوية فيما يقارب من ثلاثمائة مرة وهو قريب من الرقم الذي ذكرت فيه السماوات والأرض، فمن تلك الصيغ: اذكروني، اذكروه، يتذكرون، يذكرون، للذاكرين، الذاكرون، اذكر، اذكروا، اذكرّ، هل من مُدكر، ذكراهم، الذكرى، التذكرة، الذكر.

وقد رأينا استعراض آدم للمسميات وانّه كان اختباراً لعمل الذاكرة(والعقل)، في حين أن عصيانه وإخراجه من الجنة، كان نتيجة لعمل الذاكرة الخاطئ "نسي ولم نجد له عزماً" فالعزم هو القوة الدافعة للاختيار عند حصول اليقين التام بصحة الاختيار ومنه قوله تعالى "فإذا عزمت فتوكل على الله"(1)، وبهذا العزم وصف القرآن بعض الرسل فقال: "فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل"(2).

ومن هنا كانت الذاكرة هي لب العقل والجزء الفعال في إتقان العقل لعمله ولهذا أرتبط ذكر العقل بكل ما له صلة بالحوادث وتسلسلها والمعرفة الحقة والتمييز بين الأشياء، فكان استخلاف الله للإنسان في الأرض يكمن في جزء منه في التصميم الخلقي له والتكوين العقلاني لدماغه أي في عقلانيته وامتلاكه الذاكرة فركز القرآن بشده على الموضوع التاريخي السابق واللاحق، وكانت القضية التاريخية تشكل جزءاً كبيراً من كتاب الله، يرى الإمام علي (ع) إنها تشكل ربع القرآن. إن العقل ولبّه الذاكرة هما اللذان يشكلان السلم التطوري للإنسان للارتقاء نحو العبودية الحقة لله، والتحرر من منشأه الطيني والصعود إلى مصدر الروح التي فيه، فالاقتراب من المبدأ الأول المطلق هو طريقه الوحيد للتحرر من قيود المادة الترابية وخدمة التراب، والخلاص من ذلك الارتباط الاستعبادي للتراب بالعيش من التراب ثم الموت والرجوع إلى التراب، ومن هنا كان وجود الماء هو حلقة الوصل بين مرحلتين.. فبالماء صار التراب طيناً لازباً وكلما اقترب من الذات المقدسة أرتفع بروحه في حين يظل الماء يجري تحته في (جنات تجري من تحتها الأنهار)، وكلما أبتعد عن الذات لاحقته النار، لتعيده إلى الفخار وإلى الصلصال.. فكأن اللفظ القرآني يشير إلى أن الماء الذي هو سر الحياة وحلقة الوصل إلى نفخ الروح- إما يكون ذليلاً جارياً تحت أقدام المؤمنين وأما أن يكون حلماً يشتهيه الفجار الذين أخرج الماء من أجسادهم بالنار التي هي نقيض الماء.. لأعادتهم إلى طور الفخار الذي لم يرغبوا في التسامي عليه والارتفاع عن ذلته وخزيه،ولذا كان أشهى ما يريدون هو الماء:

"ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء"(3)

وكانت أشد استغاثتهم هي من أجل الماء:

"وإن يستغيثوا يغاثوا بالماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب"(4)

ومن هنا كان احتقارهم للماء سبباً في جعل الماء من أهم الأساليب المتبعة في تعذيبهم في الدنيا والآخرة:

"وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم"(1).

"ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر"(2)

"اغرقوا فادخلوا النار"(3)

في حين أصبح الماء من أجلى صور النعيم لأصحاب الجنة، في الدنيا والآخرة أيضاً، فالحوض حوض عظيم عليه [أقداح فضة عدد النجوم].. والكوثر نهر في الجنة، والماء توفر لخدمة أولئك الذين تساموا على الماء والتراب:

"فيها عينان نضّاختان"(4)

"فيهما عينان تجريان"(5)

"عيناً فيها تسمى سلسبيلاً"(6)

"في سدر مخضود وطلع منضود وماء مسكوب".

واعتبر الماء رمزاً لتوافر كل النعم، فيما لو استقام الناس على الطريقة واكتفى به وحده لذكر جميع النعم:

"ولو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماءً غدقاً"(7)

وفي هذه الآية قال "لنفتنهم فيه"، فكما الماء عقاب وكما هو ثواب فهو أيضاً فتنة، فالماء يلاحق التراب من أول منشأه إلى آخر مراحله- دخل في تكوينه وبناء جسده وطعامه وكان له فتنة، فإن استقام كان يجري من تحته وأن أعرض كان الماء عذاباً دنيوياً له، وصار الحصول عليه حلماً يراوده.. فإن أغيث به أغيث بماء حمي على النار فصار حميماً يقطع أمعاءهم..

والفتنة، تعني في اللغة إرجاع كل شيء من أجزاء المركب إلى أصله، فالذهب يفتن على النار، لفصله عما علق به من شوائب، وفتنة الله للناس هي لتحريك العقول وتشغيل الذاكرة، لأجل التمييز والفرز والتطهير من الشوائب:

"ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب"(8)

فانظر إلى دقة التعبير عند الانتقال من الحديث عن الجماعة الغائبين إلى جماعة المخاطبين فقد أنتقل الكلام من حيث لا تدري من الحديث عن المؤمنين إلى عبارة (ما أنتم عليه)، فكأنه يقول- لا نذر أولياءنا من المؤمنين- على ما انتم عليه أيها الجماعة المختلطة ببعضها حتى نخرج الخبيث وتفرزه عن الطيب.

ولذلك يخاطبهم عند حدوث الفرز الأكبر والشامل "يوم الفصل" بقوله:

"وامتازوا اليوم أيها المجرمون"(1)

ولأن عملية التمييز هي ما يقوم به العقل فقد أستخدم القرآن الألفاظ التي تحفز عمل الذاكرة، وقرن العقل، بجميع الحقائق التي تؤدي إلى المعرفة وأهمها الذاكرة التاريخية وما يتصل بها:

"أ فلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها"(2)

فهذه الآية تشير إلى البحث عن حقائق التاريخ.

"يسمعون كلام الله يحرفونه بعدما عقلوه"(3).

وهذه مثلاً الأمانة في تسجيل الحقائق، ففقدان الأمانة يلغي عمل العقول

"وما أنزلت التوراة إلا من بعده أفلا تعقلون"(4).

وهذه الآية تخص تسلسل الحوادث التاريخية، فتخريب هذا التسلسل يشل عمل الذاكرة ولذا تساءل: أفلا تعقلون؟

ومن كل نفهم أن استخلاف الله للإنسان إنما قام أول ما قام على طبيعة تكوينه وتركيبه كونه يمتلك العقل والذاكرة وكونه يمتلك المادة أو الأداة لعمل العقل وهي اللغة والأسماء التي علمهّا له والمتلائمة مع مديات سمعه وعقله وتركيب آلآت نطقه، وكونه يمتلك القدرة على التسجيل والكتابة لحفظ حوادث التاريخ، وكل ذلك يشكل لديه القدرة على خزن المعلومات وتطويرها لأن كل جيل لا يبدأ من الصفر بل يبدأ بآخر ما توصل إليه العقل الإنساني ويضيف عليه ما يكشفه هو من حقائق فيتكون بذلك خط تصاعدي مستمر، لا ينقطع حتى في أسوء مراحل التدهور، لأن هذا الخط هو من صنع الطبقة الواعية وترسمه الفئة العقلانية دون الطبقة العامة الساذجة أو الشريرة.

ولذلك كان للتسجيل والكتابة دورها الأكيد في الحفاظ على هذا الخط وتمكينه من الاستمرار في التصاعد.. ويعلن لنا الخالق سبحانه- إن التسجيل هو الآخر كان بتعليم ويأمر منه وإيعاز من قبله:

"اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم"(5)

والتأكيد على اقرأ وتقديمها على القلم يحمل إشارة واضحة إلى ضرورة الاستفادة مما كتبه القلم وبدون استعراض وتذكر لما سطره القلم، لن تكون هناك فائدة من كل ما كتبه القلم، ولن يحدث بالتالي أي تصاعد لخط التطور نحو مرحلة الاستخلاف.

أدلة ممن المأثور على أن جنة آدم (ع) في الأرض.

أ. فأوّل الأدلة هو قانون الاستخلاف الذي ذكرناه وعناصره التي لا زلنا بصدد الحديث عنها. فقوله تعالى "إني جاعل في الأرض خليفة" يحمل الدلالة على ان الخليفة في الأرض لا في سواها. فالذي يدعي أنه خُلق في السماء وأسكن جنة السماء ثم أنُزل إلى الأرض يناقض الظاهر من هذه الآية.

ثم اعتراض الملائكة (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) هو حديث عن قانون جار منذ القدم منذ خلق الجان. فمادام هناك تطور واختيار فلا بد من حدوث فساد وسفك دماء. ولا يوجد فصل في سورة البقرة بين قوله "اني جاعل في الأرض خليفة" ثم الرد على اعتراض الملائكة وبين قوله تعالى "وإذا قلنا للملائكة أسجدوا لآدم" كل ذلك يدل على أن الوقائع جرت في الأرض.

فإن قلت: فما معنى قوله تعالى "قال اهبطوا منها جميعاً".

قلنا: لم يقل(اهبطوا الأرض) بل اهبطوا منها أي في نفس الأرض. ولم يقل انزلوا. فاهبطوا ليس من فوق إلى أسفل بالارتفاع بل من الأعلى إلى الأدنى من الناحية الاعتبارية قال تعالى لبني إسرائيل:

"أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ اهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم" 61/2.

فهبوطهم كان من الأرض المقدسة إلى مصر ومصر هي الأدنى. ثم إن موضوع الفوق وتحت في الكون لا يعرف للآن.. والكون واسع جداً كما رأيت في الفصل الأول، وعلم الفلك الحديث يحدد المسافات والاتجاهات عن نقطة ما وإلا فلا يعرف اليمين من الشمال والفوق أو التحت في المجموعة الشمسية فضلاً عن سائر الكون، ونتيجة الدوران في المدارات الواسعة تصبح الأرض تارة فوق المشتري مثلاً وتارة تحته حتى بالنظر إلى تلك النقطة المعلومة.

ب. إن في المرويات ما يدل على أنها جنة أرضية بل بعضها صريح بذلك.

منها: حديث الذر والميثاق والحجر الأسود، وهو حديث طويل لبكر بن أعين عن الصادق (ع)(1) يسأله لأي علة وضع الحجر في الركن الذي وضع فيه، فحكى له الإمام قصة أخذ الميثاق وإلقامِه ملكاً للشهادة ثم تصور هذا الملك بصورة حجر فلما عصى آدم وأخرج من الجنة كان بأرض الهند فرأى الحجر فأنس إليه وهو لا يعرفه: "قال يا آدم أتعرفني قال لا. قال استحوذ عليك الشيطان فأنساك ربك وتحول إلى صورته التي كان بها في الجنة مع آدم فقال آدم أين العهد والميثاق فوثب إليه آدم وذكر الميثاق وبكى وخضع له وقبله وجدد الإقرار بالعهد والميثاق"(1)، وقد أعتبر الإمام أنه لهذه العلة صار تجديد العهد والميثاق وتقبيل الحجر كل عام عند الموافاة إلى الكعبة. وأما علة وضعه في الركن فقال:

"حمله آدم على عاتقه إجلالاً وتعظيماً وكان إذا أعي حمله عنه جبريل (ع) حتى وافى به مكة فما زال يأنس به بمكة ويجدد الإقرار له كل يوم وليلة ثم أهبط الله عز وجل جبريل إلى أرضه وبنى الكعبة هبط "أي آدم" إلى ذلك المكان بين الركن والباب وفي ذلك المكان تراءى لآدم حين أخذ الميثاق وفي ذلك الموضع ألقم الملك الميثاق"(2) انتهى.

لقد دلت العبارات الأخيرة على ان الجنة التي دخلها آدم كانت على الأرض بل وتحديداً- إن المكان الذي أخذ فيه الميثاق- هو حالياً بين الركن والباب حيث و   ضع الحجر.. فأول الحديث أكد أن الملك الذي أخذ الميثاق أخذه في الجنة والإقرار كان في الجنة.

قال في أول الحديث:

".. كان ملكاً عظيماً من عظماء الملائكة عند الله عز وجل فلما أخذ الله الميثاق من الملائكة كان أول من آمن به وأقر ذلك الملك. فاتخذه الله أميناً على جميع خلقه فالقمه وأودعه عنده، واستعبد الخلق أن يجددوا عنده في كل سنة الإقرار بالميثاق والعهد الذي أخذه الله عليهم ثم جعله الله تعالى مع آدم عليه السلام في الجنة يذكر الميثاق ويجدد عنده الإقرار في كل سنة"(3).

ومنها: ما في علل الشرائع: مسنداً عن الصادق (ع) قال سألته عن جنة آدم فقال جنة من جنان الدنيا تطلع منها الشمس والقمر ولو كانت من جنان الخلد ما خرج منها أبداً.(4) كل هذه الأدلة تؤكد أنها جنة أرضية وكونها غير أرضية هو فرض مخالف للوعد الحق فإذا أتممت دراسة هذا الكتاب تأكدت لديك تلك النتيجة.

3. خصائص العقيدة (الهيمنة والتصديق)

بعد حدوث العصيان، ولا زال الخليفة الأول بمفرده من غير ذرية، وخلال خروجه من الجنة حدد الخالق. الواسع الرحمة- حدد له الطريق الواضح الذي يمكنه من العودة للجنة، مع ذريته ولكن ذلك منوطاً بخياراتهم لا سواها.

"ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى"(1)

قال اهبطا منها جميعاً فأما يأتينكم مني هدى فمن أتبع هداي فلا يضل ولا يشقى"(2)

فطريق الهدى إذن واضح منذ البداية، ومن أتبعه فلا يضل ولا يشقى، لأنه مرتبط بنزول البركات وتكون الجنات. أما طريق الضلال فهو طريق الشقاء، طريق العيش الضنك والعمى:

"وأما من أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى"(3) والمعيشة من صفات أو أسماء الحياة على الأرض، وليس كل من أعرض عن ذكر الله عاش معيشة ضنكاً كما هو معلوم.. ففي الطور الأخير للاستخلاف وعند (وقوع الدين) تحدث المعيشة الضنك لأولئك الذين أعرضوا عن ذكره وذلك في طور الاستخلاف.

ولذلك كانت جميع العقائد التي من صنع الإنسان لا تجلب لهم إلاّ الشقاء وضنك العيش، وهذا ما سنبرهن عله بإذن الله بالعشرات من الآيات القرآنية تآمروا على معانيها وحرفوها عن مقصودها، ليجعلوا البعث مقصوراً على ما بعد القيامة، والنشور في عالم سماوي لا نعلمه.

تختلف العقائد الوضعية عن عقيدة الله بأمر بالغ الأهمية، فإن هذه العقائد تحارب بعضها بعضاً، وتقوم خلال ذلك باتهام بعضها البعض، فتخفي دائماً كل عقيدة عن اتباعها، اتهامات الخصوم لها، لأنها لا تتمكن من أبطال تلك التهم فيكون الجميع من هذه الناحية صادقين إلى حد ما في إبطال بعضهم البعض.

ولا نجد نظاماً في العالم يقوم بنقل اتهامات خصومه كما هي ويمكن من الرد عليها أو إبطالها.. بل يحاول الأعلام الاستمرار في صنع الأكاذيب وتشويه الحقائق بشأن أي نظام مخالف، فضلاً عن نقل انتقاداته كما هي، أما الفكر الإلهي فهو يختلف في هذه النقطة، فهو يسرد بكل ارتياح أقوال وأفكار الخصوم بما في ذلك الأساليب الشاذة في الاستهزاء بالرسالة وصاحبها (ص). ولا يهّتم القرآن بإخفاء تلك الأفكار وقطع دابر الترويج لها كما فعلت العقائد الوضعية المذعورة من بعضها البعض، فهو لا يخشى من أي نقد، بل بالعكس من ذلك تماماً، إذ يبدو انه يتقوى أكثر بتلك التهم فينقلها كما هي، لماذا؟ لأن الفكر الإلهي يمثل الحق بل هو الحق، وكل نقد للحق هو وقوع بالباطل، فأي اتهام ونقد سيكون نقطة ضعف جديدة على الخصم لا عليه، ذلك لأنه لا يوجد بعد الحق إلا الضلال، ولهذا نجد القرآن ينقل لنا تلك الأقوال كما هي، بما في ذلك اتهامهم لصاحب الرسالة (ص) بالجنون. إن هذا يبرهن على مدى تعالي الفكر الإلهي وسموه وقوته الذاتية وقدرته على تحطيم كل ما سواه من عقائد.

"وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً"(1)

"وقالوا يا أيها الساحر ادعوا لنا ربك"(2)

"وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون"(3)

"ويقولون أءنا لتاركوا الهتنا لشاعر مجنون"(4)

"ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون"(5)

"فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون، وأزدجر"(6)

"أم يقولون به جنة، بل جاء بالحق وأكثرهم للحق كارهون"(7)

"أم يقولون افتراه بل هو الحق"(8)

فأنتَ ترى أنه يستخدم لفظ (الحق) للإجابة والرد على اتهامات الخصوم وأقوالهم لأنه في موقع القوة والتعالي باعتباره حقاً وكل اتهام له هو باطل، فلم يذكر هنا العقل أو القلب أو غيرهما من ألفاظ.

فبمثل هذه العقيدة، التي تمثل الحق والتي منشأها الحق وبمثل هذا الفكر النير سلح الخليفة في الأرض، والذين جاءوا بالهدى وحملوا له هذا الفكر هم الأنبياء والرسل، إنهم المثال العالي الذي لا يعلوا عليه أحد في الإخلاص للإنسانية والتضحية في سبيل المبادئ، وهم المثال العالي في قوة التحمل والصبر، والتفوق الفكري وسمو الأخلاق، تدثروا بدثار الحكمة والمعرفة فكان كلامهم أعلى الكلام ونظام قولهم أدق وأشمل وأوسع معنى من كلام أعظم الخلق من غيرهم وكانت شجاعتهم تفوق شجاعة أقوى القادة، وكان الذي أكلوه وشربوه ولبسوه وسكنوه وأنفقوه لأنفسهم هو الأقل من جميع البشر في حسابات الصرف.. لقد كانوا أعلى البشر قدرة واقتدار وعلماً وحكمة وشجاعة.

ولا يمكن بحال وصف الفكر الإلهي وخصائصه بكتاب، لأن خصائصه هو التطابق التام مع نواميس الطبيعة والكون ومنطق الأشياء، فهو يسير متوافقاً مع الطبيعة ومع قوانين الخلق وتاريخه ويلبي جميع الحاجات ويجيب على جميع المعضلات والأسئلة والأكثر صعوبة هو وصف الرسالة بصفات أو سطور لأن كل فقرة وكل حكم وكل تشريع وكل قول صحيح الانتساب للرسالة هو دليل وصفي لعظمتها وبالتالي لا توصف هذه الرسالة إلا بكل ما أثر عنها وما سوف يكتشف من جوانب للحكمة والإحكام فيها. ولكن هناك خصائص يمكن درجها باعتبارها من أوضح مؤشرات القوة الكامنة فيها.. والتي تجعل من الاستخلاف أمراً محتوماً ومن تلك الخصائص:

أولاً: استمرار الرسالة ببقاء المعجز:

ونعني بذلك شيء بالغ الأهمية والخطورة في آن واحد، شيء سنكشف لك حقيقة مذهلة عنه سترت عنه بركام كثيف من التزييف والتحريف فلا نعني به مجرد فكرة ساذجة يقصد بها بقاء أو خلود هذا الدين! فما أكثر الأديان والمعتقدات الفاسدة التي تعمر قروناً طويلة.. بل نقصد أن انقطاع النبوة لا يعني انقطاع الرسالة القائمة على نفس التشريع.. فإن لكل رسول معجز إذا مات الرسول ما مات المعجز معه.. إلا ما حدث في الرسالة الخاتمة فإن الشريعة نفسها قد صيغت بطريقة عجيبة لتكون هي نفسها المعجز والشريعة في آن واحد.. فموت النبي أصبح في آن واحد لا يؤثر على استمرار الرسالة. فهناك فرق بين الرسالة والنبوة. والقرآن والمأثور قد أكد لنا أن الرسول (خاتم النبيين)، فالنبي لا يحتاج إلى معجز إنما يحتاجه المبلغ للرسالة وهو الرسول وبقاء المعجز بعد رحيله أعطى الرسالة قوة البقاء والديمومة والاستمرار.

من المحال بطبيعة الحال وجود معجز بدون وجود حامل لهذا المعجز! فالمعجز هبة إلهية ونفحة ربانية وآية سماوية لا يمكن أن يترك لكل من هب ودب من غير قائم به عارف بحمله واستعماله. وهذه قضية تناقض روح الدين والمنطق العقلي آمنت بها هذه الأمة إذ اعتقدت بأشياء متناقضة في آن واحد: اعتقدت أن المعجز باق بعد النبي واعتقدت أنه لا حامل مخصوص له واعتقدت أنه لا يمكن تأويله واعتقدت أنها تقدر على تأويله فقامت بتأويله وتلك هي مجموعة من الأشياء المتناقضة التي لا تجتمع إلا في عقول الجهال أو المحرفين. لقد كانت تلك المقولات صفحة من صفحات التآمر على الرسالة وديمومتها واستمرارها وفيها محاولة واضحة لجعل المعجز في متناول الجميع يأخذ كل منه حسب رغبته وطريقته وهدفه ففي نفس الوقت الذي زعموا فيه أن لا قدرة لأحد على تأويله قاموا بتأويله ووضعوا كتباً خاصاً بالتأويل والتفسير، فكأنهم أقروا أن المعجز لن تكون في بقاءه منفعة ما لم يستعمل ويكتشف ولكنه إقرار جاء متأخراً وبحسب التخطيط السابق ليجعلوا من أنفسهم بديلاً لحامله الحقيقي، ويتحقق الهدف المتمثل بإفراغه من محتواه الشمولي.

ثانياً: هيمنة المعجز:

من خصائص الرسالة الخاتمة خاصية الهيمنة على الرسالات، وإنما ذلك لهيمنة كتابها على الكتب. والهيمنة هي القوة والتعالي اللذين أتصف بهما الفكر الإلهي منهاجاً وقادة فهذه العقيدة تفسر جميع الظواهر ولا يمكن لأحد من تفسيرها، ولذا أصاب الإحباط وخيبة الأمل والفشل كل أولئك الذين حاولوا تفسير الرسالة بغير ما فسرت به نفسها كونها منزلة من الله.

الرسالة الخاتمة حاصرت الجميع فكرياً محاصرة شديدة في زاوية ضيقة جداً.. محاصرة سلمية فأسمها الإسلام مشتق من التسليم لأمر الله.. فهل يستطيع النصراني أو اليهودي أن ينسلخ من هذا الاسم والأنبياء (ع) جميعاً ينادون بالتسليم لوجه الله؟

ومن أجل ذلك كان المحرفون منهم- كالمحرفين في هذا الأمة- يستخدمون أسماً آخر لأتباع هذه العقيدة إذ يسمونهم (المحمديين) بدل المسلمين.. ذلك لأن الاسم نفسه يؤذيهم ويؤنبهم ويذكرهم بإعراضهم.

ولا يعرف النصراني كيف يفسر الإسلام ولا صاحب الرسالة، بل لا يعرف النصراني كيف يعامل المسلم مع الاحتفاظ بمحبة المسيح (ع).

ذلك لأن المسلم الحقيقي يقدس المسيح أكثر من النصراني.. وعدا ذلك فإن المسلم يؤمن أن المسيح روح الله وكلمته وأنه يحي الموتى وينفخ الطين فيكون طيراً بإذن الله ويبرئ الأكمه والأبرص، كما يؤمن النصراني بذلك.

والمسلم يؤمن بأن المسيح ابن مريم وأنه روح الله لا أب له كما يؤمن النصراني. والمسلم يؤمن أن المسيح (ع) حي في السماء كما يؤمن النصراني، وأنه لا بد أن يعود وأنْ يظهر المعجزات تارةً أخرى ولا بد أن يحكم في (مملكة الرب أو ملكوت الله) على الأرض كما يؤمن النصراني!.

والمسلم يؤمن أن الله واحد لا شريك له هو الخالق العالم وعبادته واجبة وعبادة غيره مصيرها النار.. تماماً كما يؤمن النصراني حسب الإنجيل.

والمسلم يؤمن أن الإنجيل كتاب الله وهو هدى ونور وأن الحكم به واجب وأن من لم يحكم بما أنزل الله فيه فأولئك هم الفاسقون.. كما يؤمن النصراني المتدين تماماً.

وهنا تكمن مشكلة النصراني! فإن كل ما يؤمن به النصراني الذي لا يشرك بالله شيئاً يؤمن به المسلم ولكن العكس ليس صحيح! فالمسلم يستوعب كل عقيدة النصراني ولا يتمكن النصراني من استيعاب كل عقيدة المسلم إلا جزاً يسير منها هو ما يخص المسيح والإنجيل وهو جزء بالغ الضآلة.

ومن هنا صارت عقيدة المسلم مهيمنة على عقيدة النصراني وتحتويها احتواءً كاملاً.. ومن هنا أصبح النصراني محاصراً في زاوية ضيقة!.

وما يصدق على النصارى يصدق أكثر على الذين هم أبعد عن دين التوحيد الخالص وتنزيه الأنبياء (ع) كاليهود وغيرهم. حيث تفضح الرسالة الخاتمة وكتابها المهيمن جميع أكاذيبهم وتخليطهم. لماذا؟ لأنها أوضحت وفصلت كل ما اختلفوا فيه وكل ما غيروه وبدلوه وحرفوه، ومن المؤكد أن قلب كل مؤمن فيهم يكشف ذلك التغيير والتحريف والتبديل- تماماً كقدرة المسلم على كشف التحريف بكل يسر وسهولة في الرسالة الخاتمة، وإذا كان الأمر كذلك عند علمائهم فإن الأمر أكثر يسراً للعوام وأكثر وضوحاً.. لأن من أوضح شعارات الرسالة الخاتمة تبجيل الأنبياء السابقين والمطالبة بإقامة التوراة والإنجيل بنفس القوة في المطالبة بإقامة القرآن.. بل يبدو أن إقامة التوراة والإنجيل أعتبره القرآن.. أول الطريق لإقامة الكتاب المهيمن.. لماذا؟ لأن التحريف الذي طال الرسالة الخاتمة تاريخياً هو جزء لا يتجزأ من خطط التحريف للكتابين السابقين - والقائمين بها هم نفس القائمين بالتحريف الأول أو تلامذة لهم. ومن هنا تظهر أهمية ذلك التأكيد المستمر في القرآن على إقامة التوراة والإنجيل.

"قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل.."(1)

"وكيف يحكمونك وعندهم التوراة والإنجيل فيها حكم الله"(2)

"إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذينَ هادوا والِربّانيون والأحبار"(3)

"وقفيّنا على آثارهم بعيسى بن مريم مُصَدّقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور مصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين"(4)

ولكن صفحة التحريف قد طالت كل شيء كما يبدو! فإن (علماء المسلمين) أنفسهم لم يتركوا هذه المطالبة القرآنية بإقامة التوراة والإنجيل وحسب بل ملأوا الكتب بالدعوات المخالفة للقرآن عن عدم وجود توراة وإنجيل حقيقي بالمرة.

وأشتهر بين أوساط المسلمين أن الكتابين محرفين تماماً ولا وجود فيهما لما أنزل الله فهم من جهله يسيرون وفق آراء محرفي أهل الكتاب بشأن كتابهم، ولا يؤمنون بما ورد في كتابهم بشأن هذا الكتاب!.

إنهم يسيرون وفق الخطة التي رسمها المحرفون بكل ما يتعلق بالأمة والتأويل وعصمة الأنبياء.. ولا يسيرون وفق ما رسم لهم القرآن بشأن التوراة والإنجيل!.

فالذي يسمع كلامهم يظن لأول وهلة أن ذلك لشدة حرصهم على الرسالة الخاتمة ومقتهم (لليهود والنصارى).. بيد أن التأمل في الأمر يكشف بلا لبس أن المحرفيّن من أهل الأديان الثلاثة هم في الحقيقة تيار واحد وخط واحد يحاول جاهداً خلط الأمور وقلب الحقائق..

المحرفون من أهل التوراة والإنجيل يفرحون بتبني المسلمين فكرة تحريف التوراة والإنجيل ولا يحزنون لهذا الأمر.. لأنهم بكل وضوح وبساطة هم المحرفون وهذه من أولى غاياتهم..، ويحدث بهذه الطريقة الفصل التام بين الملل الثلاثة- وهو الأمر الذي كان- يحاربه القرآن حرباً شعواء لا هوادة فيها- لأن الفصل هو عملية تجزئة لكتاب الله وتكريس الاختلاف والتناحر وبالتالي يضيع تصديق الكتاب اللاحق للكتاب السابق، ويضيع التبيين الذي في اللاحق للاختلاف الذي في السابق.

فانظر كيف أحكمت هذه المؤامرة واستمرت قروناً طويلة يحركها المحرفون من علماء الملل الثلاثة!.

ألا تراه يقول "وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله"(1)

ألا تراه يصف الإنجيل بأنه مصدق لما بين يديه من التوراة ويصفَه بأنه هدى ونور ويؤكد على التصديق مرتين والهدى مرتين في آية واحدة (44/المائدة)، وكيف يكون الإنجيل خالياً مما أنزل الله وهو الذي يطالب بإقامته ويتوعد بالعذاب الشديد الذين لم يقيموه.

"وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون"(2)

ولقد أكد علماء الإسلام على نسخ التوراة والإنجيل بالقرآن.. ولكن القرآن نفسه لم يذكر هذا النسخ بل ذكر التصديق وأكد عليه، افترى أنت أن التصديق نسخ أم تثبيت وشهادة بالصدق؟

فإن قالوا أن التصديق للتوراة والإنجيل اللذَين أنزلا من الله- ولا وجود لهما الآن. قلنا كيف إذن يطالب القرآن بإقامتها وتنفيذ تعاليمها عليهم إن لم يكن فيها شيء مما أنزل الله؟ وكيف يكونا قد وجدا في عهد نزول القرآن واختفيا من بعده؟

وكيف يأمرهم على لسان النبي في موضع المحاججة أن يأتوا بالتوراة لتكون حكماً في موضوع الخلاف فيقول:

"كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فأتلوها إن كنتم صادقين"(1)

وكيف يقول إذن "فيها حكم الله" إذا كانت تخلو مما أنزل الله؟

وكيف يقول "الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل"(2)

فبالتصديق وحده وبالاحتواء للكاتبين كونهما منزلان من الله تكون الهيمنة للقرآن، وعند الفصل واعتبارهما منسوخين تماماً لا تكون الهيمنة للقرآن عليهما أبداً.. ومن هنا نقول أن فكرة النسخ للتوراة والإنجيل فكرة خرجت منهم وتعود إليهم وآمن بها المسلمون جهلاً بكتابهم ودينهم.. كانت الغاية منها إفراغ القرآن من محتواه الشمولي وقدرته على احتواء الكتابين والهيمنة عليهما:

"قل من كان عدواً لجبريل فأنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين"(3)

"قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما  وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم"(4)

"ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم"(5)

"والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه"(6)

"ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء"(7)

"وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه"(8)

فانظر كيف يقول الله أنه مصدق لما معهم وهم يقولون ناسخ، والنسخ نقيض التصديق إذ النسخ إلغاء والتصديق تثبيت وشهادة بالصحة والصدق. وكل ذلك لإخراج الكتاب من صفة الهيمنة على الكتاب السابق، وتمييع المحاججة به وإضاعة المطالبة بإقامة التوراة والإنجيل والذي أن فعلوه اضطروا إلى الرجوع للقرآن.. المصدق لما معهم والمبين لما اختلفوا فيه- فيفتح ذلك الطريق للإيمان به وتوحيد الملل في النهاية.. ولذلك جمع القرآن إقامة الثلاثة في آية واحدة فقال: "ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم"..

ولذلك كان نزول المسيح (ع) من المحتوم الذي لا بد منه كحتمية المهدي (ع) تماماً، حتى جمع المهدي والمسيح (ع) في أحاديث كثيرة سوية، بل وفي عناوين الكتب المؤلفة لهذا الغرض، وذلك للرباط الوثيق بين الكتب الثلاثة، وحتمية إقامتها سوية،.. هذا هو الذي يفك الإشكالات في التسلسل الزمني للحوادث عند نزول المسيح (ع) والمهدي (ع) بين أظهر المسلمين.. أو (وإمامكم فيكم) حسب الحديث النبوي- إذ سيكون المسيح (ع) هو المشرف على تطبيق التوراة والإنجيل في الملتين السابقتين، ولكنه سيكون في هذه الحالة تحت إمرة المهدي (ع)، ويعلن إتباعه للمهدي (ع) من أول يوم لنزوله إذ يصلي خلفه، وهي الحادثة التي احتار العلماء بتفسيرها!.

عن جابر بن عبد الله (رض) قال: قال رسول الله (ص):

"ينزل عيسى بن مريم فيقول المهدي تعال صل بنا فيقول لا، إنما أقيمت لك فيصلي خلفه" مسند أحمد 3/367، 3/345، الكنز 7/187، الصواعق/98، أراد الرسول (ص) إبراز قضيتين في هذا الحديث المبتور- كما هي عادة أصحاب الحديث في البتر والتقطيع للحديث النبوي.

الأولى أن المهدي والمسيح (ع) لا يستنكف كل منهما أن يصلي خلف الآخر، والإمامة هنا هي القيادة العامة، والثانية أن القيادة في النهاية والإمامة بيد المهدي (ع) وهذا واضح لنا- إن لم يكن واضحاً للبعض- فالمسيح صاحب الإنجيل المصدق للتوراة والمهدي حامل القرآن المهيمن على التوراة والإنجيل معاً. المسيح (ع) لديه علم من الكتاب أما المهدي فهو الحامل لعلم الكتاب كله، فكيف صارت قضية صلاة المسيح بإمامة المهدي عند أهل القرآن أمراً عجباً يحتاج إلى فهم وتفسير؟!.

أم حسب هؤلاء- أن كل من يوحى له هو أفضل ممن لا يوحى له، وما أدراهم ما معنى الوحي!- الله يوحي لمن يشاء وكيفما يشاء بأي طريقة يشاء.. ألم يفضل الرجال على النساء وأوحى إلى النساء رغم ذلك فقال:

"وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه"(1)

فهل كانت أم موسى من الأنبياء؟ ولقد أوحى الله إلى الحشرات فقال:

"وأوحى ربك إلى النحل أن أتخذي من الجبال بيوتاً"(2)

أو ليس المهدي هو الخليفة والإمام لهذا الطور، سماه الرسول (ص) "إماماً" وسماه (خليفة) في أحاديثه الشريفة- كما سيمر علينا في البحوث الآتية والقرآن يذكر لنا أن الله يوحي إلى الأئمة:

"وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوصينا إليهم فعل الخيرات"(3)

إذ يفترض في كل عاقل عارف يدرك أن كلام رسول الله (ص) هو كلام الله فلا يتناقض قوله (ص) مع القرآن.. فإذا سمى الرسول رجلاً إماماً انطبقت عليه صفات الإمام أينما وردت في القرآن والسنة- ذلك لأن هذا الإمام بتسميته الرسول (ص)- لا بتسمية غيره كما فعلوا فملأوا الأمة في تراثها أدباً وفقها وعقائد بـ(أئمة) لا يحصى عددهم وما هم بأئمة إن هم ألا يخرصون إذ لم ينزل الله بهم من سلطان ولا ذكرهم بهذا اللقب نبي ولا قرآن.

وتلك واحدة أخرى من تناقضات (علماء الأمة) في عقائدهم مع مسلمات قرآنية! إن هذا الكتاب والكتاب السابق حول (النظام القرآني) يكشف لك بصورة لا لبس فيها أن (الدين السائد) عند علماء الأمة لا يمت بصلة تذكر إلى الدين الذي جاء به (محمد) (ص) اللهم بوجود تشابه ما في بعض مظاهر المناسك والعبادات وصورها وأسماءها.

وتلك لعمري نبوءة سابقة أخبر بها النبي نفسه (ص) حيث قال عن خصائص آخر الزمان "لا يبقى من الدين إلا أسمه ولا يبقى من القرآن إلا رسمه"

وهذا النص قد ورد بجوار النصوص التي تذكر (زخرفة المصاحف) و(تزين المساجد) وتلك إشارات أود ألا تفوتك لتنتبه إلى أن المقصود بآخر الزمان واضمحلال الدين إلا أسمه والقرآن إلا رسمه- ليس زماناً نسي فيه الدين نسياناً تاماً ويهجر فيه القرآن هجراناً مؤكداً- بل المقصود عكس ذلك تماماً: فهناك تعظيم لشأن القرآن بتهذيبه وزخرفته وتعظيم المساجد برفع بنائها وتحليتها وزخرفتها ومن الطبيعي أن يرافقه التأليف والتدوين والبحوث المتنوعة عن الدين لأنها أيسر عملاً وأقل كلفة! وكما أكدته نصوص أخرى تأتي في موضعها بإذن الله.

فانتبه جيداً فإن النبي (ص) يرمي بقوله هذا إلى أبعد من ذلك وإلى أمر آخر وراء ذلك! إنه يرمي إلا أن هذا الكم الهائل من الحديث حول الدين وهذا البناء الشامخ للمساجد وهذه التحلية للمصاحف إذ توحي بصحوة دينية أو رجعة عقائدية أو باهتمام بالغ بالدين- فإنه في حقيقته لا يمت بصلة إلى دين محمد (ص) بشيء سوى الاسم ولا يمت للقرآن بصلة سوى الرسم لأنه دين قائم على عقائد محرفة وأفكار مغيرة ونصوص مبدلة وتأويلات مفتعلة تقادمت وتراكمت عبر عصور طويلة حتى باتت ديناً آخر.. فالفقيه فيها والقارئ والمؤلف والكاتب كل هؤلاء ساهون فيه من الانحراف والتحريف.. حتى يصفهم أحد النصوص النبوية أنهم يصبحون من الجهل بحقيقة الدين حداً يرون فيه الحلال حراماً والحرام حلالاً!!

4. أسبقية القيادة على التغيير.

ذكرنا خاصيتين من خصائص الرسالة الخاتمة الأولى هما: استمرارها بسبب المعجز والثانية هي الهيمنة والتي هي من مميزات المعجز لكونه تفصيلاً للذي بين يديه من الكتاب ولكونه مصدقاً لما معهم ولكونه مهيمناً عليه بسبب احتوائه على ما اختلفوا  فيه من جهة واحتوائه على تفصيل كل شيء بصورة مطلقة من جهة أخرى.. وبرهنا خلال ذلك على أن جمعه وقرآنه كان من الله لا من سواه.وأنه حفظه من التلاعب بحروفه ومواضع كلماته ومعانيه بما أودع فيه من ضبط وإحكام وعلاقات لفظية وعددية لا يحاط بمكنونها في نظام محكم.

فإذا كانت الرسالة مستمرة، والمعجز باقياً، والشريعة هي نفس المعجز فلا يبقى لاستمرار الدعوة للتوحيد سوى القيادة! وهو الأمر الوحيد الذي أمكنهم أولاً من تحريفه وبالتالي السيطرة على مقدرات الأمة، ومن ثم الإجهاز على أسس الدين واحدة تلو الأخرى.

وموضوع قيادة الأمة بعد الرسول الخاتم (ص) هو الموضوع الأول والأخير في الخلاف والتمزق والتشرذم، وقد رأيت مسلمين بسطاء من مختلف المذاهب لديهم شعور فطري وغريزي بأهمية هذه القضية واعتبارهم لها السبب الأول أو العامل الأساسي في الاختلاف والتفرق.

من غير المعقول طبعاً أن تكون الرسالة الخاتمة خالية تماماً من الإشارة لهذا الأمر البالغ الأهمية أو غير متضمنة لأحكام وتشريعات ونظم ترتب عملية الحكم بما أنزل الله، إذ لا يمكن أن تتهم بالتفاصيل الدقيقة لحياة الفرد وأنظمته الاجتماعية كافة وتترك تنظيم دستور للهيئةٍ القائمة بإدارة وتطبيق هذه الكمية المتكاملة للنظم والشاملة لجميع مناحي الحياة.. فمن زعم ذلك فهو أما محرف أو جاهل جهلاً لا علاج له.

ولا يمكننا بحال الخوض في تفاصيل هذا الموضوع، فإن المؤلف فيه هو كل تراث الأمة بغّثهِ وسمينه، بل ويشترك فيه تفسير القرآن وإعرابه مشاركة فاعلة.

ولكننا نعتقد أن كل إنسان قادر على معرفة الحقيقة بكل يسر وسهولة، ولهذا لن يدخل النار أحد لا يستحق ذلك، ولن يدخل الجنة أحد من أهل النار، كما لا يوجد هناك فريق ثالث.. خاص بالجهلة.. لأنه لا يوجد في هذا الموضوع جهلة بالمعنى الحقيقي "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه وتخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً"(1)

وهذا يدفعنا للبقاء قدر المستطاع في موضوعنا.. والاعتماد على القرآن وحده والثابت من المأثور لإبراز قضية بالغة الأهمية تجهلها أكثرية الأمة.

إن التغيرات التي تحدث في المجتمعات تكون دائماً أداتها العامة من الناس أما قادتها فهم النخبة، وحسب المصطلحات الحديثة الأداة هم الجماهير والقيادة هي الطبقة الواعية. والحقيقة أن الثورات هي التي تصنع قادتها. ولذلك فكثيراً ما يحدث أن تنحرف الثورات عن غاياتها الأصلية، لأن هناك الكثيرون الذين يركبون الموجه ويقومون بتوجيه الدفة، ولذا يحدث غالباً الصراع بين أقطاب القيادات في بداية كل ثورة أو تغيير وربما استمر فحرفها أو أطاح بها.

انّ العامة أو الجمهور يسلكون سلوكاً لاعقلانياً عند الهياج وقيام الثورات، ويتأثر الجمهور عاطفياً بعدة عوامل، بحيث أنه أحياناً يسلم القيادة وزمام الأمور لأعدائه الحقيقيين، وكل ذلك كما اعتقد من مسلمات علم الاجتماع في هذا العصر.

الفكر الإلهي يختلف في هذه النقطة- كما هو شأنه تماماً- مع الفكر الوضعي، لكنه يستخدم الحقيقة الاجتماعية الآنفة الذكر مؤمناً بها كأمر طبيعي وسلوك عادي للناس، وفي عين الوقت يتخذ الإجراءات الكفيلة لمنع حصول آثارها المدمرة للمجتمع الإنساني.

إنه يحرك المجتمع ويقوم بالتغيير بطريقة معكوسة تماماً! فعند الفكر الديني القيادة هي التي تصنع الثورة وتجمع الجماهير وليس العكس. ولهذا تكون القيادة ممثلة بالأنبياء والرسل والأولياء الأصفياء متواجدة قبل التغيير، بل وقبل أن يفكر أحد بالتغيير، بل يختار الخالق أوقاتاً للإنذار ونشر الأفكار هي القمة دوماً في الاستقرار السياسي والاقتصادي- فيخالف بذلك ما يحصل في الثورة الوضعية مخالفة تماماً. ولهذا فشل الماديون وأتباعهم في العالم الإسلامي والمستشرقون في إعطاء تفسير لحركة المجتمع وحصول التغيير عند بعثات الأنبياء، وبالأخص الرسالة الخاتمة حيث خرجوا من كل تطبيلهم بالخيبة والخذلان!.

لو بعث الله الأنبياء في أوقات التزعزع السياسي وأوقات الهياج العام، لما صدقهم الناس، بل لقالوا أن هذا النبي استغل فترة الهياج والتغيير وتسلم قيادة الجماهير، وعدا ذلك فحتى لو نجحوا بهذه الطريقة، وهم أجدر الناس بالنجاح فإن هذه الثورات والتغيرات ليست وفق مبادئ الأنبياء (ع) ولن تكون وفق مبادئهم، والخالق يريد تصديق الناس للأنبياء من خلال المعجز الذي يؤيدهم به، وأعظم المعجزات قاطبة هو حدوث التغيير الحاسم في غير وقته المتوقع ولا بالمدة المتوقعة، وبالعدد الذي لا يأبه به أحد كماً ونوعاً.

ولقد حاول المحرفون بالطبع، من تلامذة المستشرقين أن يجدوا تفسيراً للرسالة الخاتمة فباءوا بالفشل الذريع، إذ أن جميع الدلائل تشير إلى ما ذهبنا إليه ففي مجتمع الجزيرة، انتشرت الرسالة وحدثت البعثة في أوج الاستقرار الاجتماعي والسياسي للمجتمع المكي، فالأحلاف كانت مستقرة وراسخة والحروب متوقفة بين القبائل والتجارة مزدهرة. وكما ترى فإن هذا التفسير هو بخلاف ما جرت عليه عادة المسلمين في تدوين تاريخ الدعوة.

إن الأنبياء الذين بعثوا عدد كبير جداً، وقسم منهم فقط هم الذين أبلغوا بالدعوة إلى التوحيد وعددهم كبير أيضاً، كل هؤلاء الأنبياء والرسل (ع) هم الذين قاموا بالتغيير أو محاولة إحداث تغيير في مجتمعاتهم، قبل حدوث بوادر ذلك التغيير.

ولهذا كانت المجابهة شديدة جداً مع تلك المجتمعات، لأن الأوقات التي خطط لها لتكون بداية التغيير كانت أوقات استقرار، فجوبهوا بأشد أنواع الاستهزاء والسخرية والقتل والتعذيب والمعارضة الشديدة من (الملأ)، أو (المترفين)، أو (الذين استكبروا)، وهي تعابير تدل على الازدهار الاقتصادي، والهدوء في الساحة السياسية لتلك المجتمعات عند حدوث الدعوات الدينية.

إن الله أكبر من أن يرسل الرسل ويبعث الأنبياء في فترات التزعزع مستغلاً الكوارث السياسية للدعوة إلى مبدأ الحق. بل التغيير الديني لحركة التاريخ هو عكس ذلك فإن الكوارث والبلاء يأتي كنتيجة للإعراض عن مبدأ الحق، فالثورات والصراع هو عقاب إِلهِي للمجتمعات وليست حركات للخلاص كما هو ظاهرها، والصراع هو جزء لا يتجزأ من القوانين والسنن الإلهية العاملة بشكل خفي في المجتمعات، فإن لم يبلغ الغضب الإلهي حداً لإنزال كارثة تبيد الجماعة المعارضة بأسرها، فإن الصراع هو البديل لذلك، وهو بديل طبيعي ضمن قوانين حركة المجتمع، إذ أن العقاب الجماعي لا يحدث إلا في حالة واحدة وهي عدم بقاء طائفة من المجتمع متمسكة بالمبادئ الإلهية وعند وجودها يكون الصراع ضرورياً للتميز والتمحيص وهو ما تشير إليه الآية:

"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض. أنظر كيف نصرّف الآيات لعلهم يفقهون"(1)

فلآية الآنفة تجمع بين نوعي العقاب- الجماعي والصراع السياسي، بنفس التسلسل المنطقي والتسلسل التاريخي.

فمن الناحية التاريخية، حدث صنع نواة للاستخلاف في الأرض في الأمم السابقة ولكن أول نواة حقيقية هي ما بعد إبراهيم (ع) متمثلة في بني إسرائيل ونزول أول شريعة ذات أنظمة متكاملة وهي التوراة. ثم قفى بعيسى بن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتاه الإنجيل مصدقاً هو الآخر للتوراة(2) وذلك لإتمام عملية الاستخلاف ودفعها للأمام. ثم انزل القرآن مصدقاً لما بين يديه موضحاً للاختلاف ومظهراً لما كتبوه من الكتابين، وعليه يكون التواصل بين الملل الثلاثة والتي هي في الحقيقة دين واحد هو دين التسليم لله أمر ضروري لتوحيدها في النهاية. وهو ما يحدث في الطور المهدوي، المتضمن نزول المسيح (ع).

ومن هنا نعرف أن الاستخلاف كهدف إِلهِي من الخلق قد أحيط من قبل الخالق عز وجل بعناية شديدة من خلال ختم النبوات بكتاب معجز لضمان استمرار المعجزة، ووجود اثنا عشر خليفة هو عدد كاف لبناء حضارة أرضية مهدوية حاملين لهذا المعجز قادرين على استخدامه، وهو التصور الوحيد الذي يمكن الإيمان به والاحتفاظ بفكرة الاستخلاف في الأرض المؤكد عليها في القرآن.

إن مدة التطور للوصول إلى هذه المرحلة إنما هي دالة متغيرة تعتمد على خيارات الأمم وعلى مدى التزامها بهذا المنهج، والخالق أجل وأحكم من أن يؤخر رحمته لوقت بعيد سلفاً، ولذا كانت القيادة الدينية الحاملة للمعجز والقادرة على إخضاع الملتين اليهود والنصارى وإجبارهما على تنفيذ شرائع التوراة والإنجيل هي قيادة متوفرة دائماً وحسب السنن والنواميس الإلهية التي لا تتغير.

وهنا يتوضح أكثر أن الذين قالوا بتفرق الخلفاء الإثنى عشر في العصور والدهور وحاولوا ان يكملوا العدد، فخانتهم الصحائف المسودة لطغاة هذه الأمة ولم يتمكنوا من إضافة أحد إلى الأربعة الأوائل سوى ابن عبد العزيز هم من جملة المتآمرين والضالعين بالخيانة لهذه الأمة والسائرين في ركب التحريف الذي يقوده قادة التحريف من أهل الكتاب.

ذلك لأن استلام سلسلة من الطغاة للحكم بالتناوب مع اثنا عشر خليفة هو بالضدّ من فكرة الاستخلاف ويخالف الحكمة الإلهية، بل هو تصور لا يمكن أن يقول به إلا متآمر جاهل.. فإنه يكفي طاغية واحد من تدمير أمة كاملة وإعادتها إلى الوراء عدة قرون.

وما السرد القرآني المستمر لأقطاب التحريف وللذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً والذين يكتمون ما أنزل من البينات (بعد ما بيناه للناس)، إلا تحذيرات وتنويهات لما يحدث في هذه الأمة. على أن التحريف والارتداد والتآمر من الجماعة المحيطة بالنبي (ص) هو الآخر مفصل في القرآن في العديد من السور كسورة التحريم وسورة محمد (ص) وسورة التوبة، وسورة الحديد وآيات كثيرة من سور متفرقة.

لقد كان التآمر والمستمر إلى اليوم على القيادة المحددة سلفاً لحمل المعجز والوصول بالأمة إلى طور الاستخلاف هو العامل الوحيد في تخلف الأمة وتمزقها وتناحرها ومن ثم البطئ الشديد وطول المدة طولاً مخيفاً للوصول إلى هذا الطور المبارك. ولما كانت الأمة قد تآمرت على تلك القيادة ونحتها عن الحكم وشردتها وحاربتها بكافة الوسائل فإنه لم يبق هناك إلا احتمالين: أما أن يلغي الخالق فكرة الاستخلاف منفذاً التهديد المذكور في القرآن مراراً واستبدال هؤلاء (بقوم آخرين) أو (بخلق جديد) لا علاقة له بالبشر أو الحلم على الأمة أو الرأفة بها والتأني معها بالمد بعمر الخليفة الأخير منهم انتظاراً لأوبتهم وتوبتهم.

ولكن المشكلة هي أن الأمة إذ تفيق من سباتها وتطالب بالإسلام كمنهج بديل للأنظمة الوضعية الفاسدة، فإنها لا تدري في عين الوقت ما هي مسؤليتها ولا أقطاب قيادتها ولا غاياتها!؟

وأكثر الذين يرجعون إلى الإسلام كبديل إنما هم متفرقون بين المذاهب والمشارب غارقين في التهام قشور لا تسمن ولا تغني من جوع قشور تحمل اسم الدين ورسم القرآن، ولكنهم خلوا من أي فكر عميق أو دين على التحقيق.

والإمام المهدي (ع) هو أحد هؤلاء الخلفاء مد الله في عمره انتظاراً للأمة ورحمةً بها، لوجود طائفة باقية على اعتقادها بطور الاستخلاف، وثابتة على ولائها لقائدها، وهو السبب الوحيد لتأجيل نزول العذاب الجماعي وفق القاعدة القرآنية الآنفة الذكر وهو ما يؤكده حديث الطائفة وحديث الأمان:

"لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم: تعال صلّ بنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمةً لهذه الأمة"(1)

إذ يفهم من الحديث إن هذه الطائفة هي أقلية في الأمة، وأنها الطائفة التي تؤمن بقيادة المهدي (ع)- لوجود عيسى والصلاة- كما هو عند الحفاظ.

وبوجود هذا الإمام (ع) يحدث الأمان ولولاهما، ما كانت هناك ضرورة لبقاء الخلق- إذ تنتفي الغاية منه الذي هو الاستخلاف كما برهناه وهذا ما يؤكده الحديث الشريف الآتي:

"النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي جاء أهل الأرض ما كانوا يوعدون".

ولكن النص الذي صححه الحاكم بشرط البخاري "وأهل بيتي أمان لأهل الأرض من الاختلاف"- وبهذا تجتمع المعاني كلها في كل واحد لا يتجزأ.

5.   الطبيعة الإنسانية والحرية وعلاقتها بالقيادة العالمية.

"مبحث اجتماعي"

هناك جملة من الاعتراضات المبثوثة في الكتب المتفرقة التي تحاول تسفيه الحلم الإنساني بالقيادة العالمية. ومع أن هذه الاعتراضات لا تشكل في مجموعها فكرة ذات قيمة أو نظرة منطقية إلا أنها تفعل فعلها في أحيان كثيرة في التشكيك بتحقيق هذا الهدف وإحباط الآمال  لدى أفراد كثيرين ممن هو في عداد المثقفين أو الواعيين من الأمة. إن آراء الباحث الاجتماعي العراقي الدكتور (علي الوردي) تمثل جانباً من هذه الاعتراضات اللامنطقية لذلك سآخذ بعض نصوصه من كتاب (لمحات اجتماعية) وأنطلق منها لإظهار التناقض في هذه الردود تحت العناوين الفرعية المختصرة فيما يأتي:

أ. هل للحقيقة أوجه متعددة؟

حينما لاحق المؤلف عشرات الحوادث التاريخية لمجتمعات ودول المنطقة ورصد علاقاتها وحروبها وصراعاتها على الحكم خلص إلى نتيجة مفادها أن هناك طبيعة متناقضة في الإنسان وأنها من صميم تكوينه فهو يرى أن الإنسان ذو طبيعة (شريرة) حيث يؤكد هذه النتيجة عند ملاحظة سلوك الإنسان خلال الطفولة كما سيأتي لاحقاً. وحينما أراد تفسير هذا الأمر عزاه إلى (نسبية) الحقيقة، فكل إنسان يرى أن الحق في جانبه وينكر أن يكون هناك حق في جانب الآخرين أو (خصومه) تحديداً، ولذلك فإن موضوع الحق والباطل هو أمر نسبي.

ومن هنا وحسب رأيه فإنه لا فائدة من المواعظ والحكم فلا أحد يأخذ بها فالحكماء الذين تخيلوا دولة عالمية يسودها العدل هم أناس غارقين في الخيالات وأن المثل التي جاءوا بها قد أخفقت كلها كما سنلاحظ عبارته.

يظهر هنا التناقض بين التحليل وبين سرده الحوادث فقد ألقي باللائمة على الكثير من حكام الجور والسلاطين الظالمين والمفروض ألا يفعل ذلك مادامت تلك طبيعة الإنسان ومادام كل إنسان يحق له الاعتقاد بأن الحق معه لا مع خصومه لأن الحق والباطل (نسبي) وبالتالي فلا مسوغ لإلقاء اللوم على شخص دون الآخر.

ليس هذا وحسب بل أن نسبية الحق والباطل توجب ترك تسجيل التاريخ وإجراء البحث الاجتماعي من الأصل وهو أمر لم يفعله المؤلف بل أستمر في تسجيل حوادث التاريخ وإجراء البحث!.

وضرب مثلاً على نسبية الحق والباطل حيث افترض وجود تمثال بلونيين أسود وأبيض كل لون من جهة. وتخاصم رجلان بشأن التمثال حيث أكد كل منهما اللون الذي يراه مواجهاً له.

وخلص المؤلف من هذا المثل إلا أن للحقيقة وجهين أو أكثر بحسب الأشخاص! والناتج ان كل منهما محق فيما يراه عن التمثال.

إن صدور مثل هذا المثل من باحث اجتماعي هو مسخرة فعلاً. فإني أقول أن كل منهما على باطل وليس كل منهما على حق. ذلك لأن حقيقة التمثال أنه بلونين وهي حقيقة واحدة لا تتجزأ- وليست الحقيقة نفسها بوجهين متناقضين. كل منهما لو دار على التمثال دورة كاملة لوجد أنه بلونين وبالتالي فهو مخطئ حينما يقول أنه أسود أو أبيض، وليس في الرجلين شخص محق لأن التمثال ليس أسود ولا أبيض، حقيقته أنه (أسود وأبيض).

وهذا المثال قديم جداً، أنه مثل سفسطائي على نسبية الحقيقة وقد حاول الماديون الإتيان بمثل هذه النسبية فعجزوا وإني أتحداهم أن يأتوا بمثل واحد من الطبيعة يصلح لهذه الفكرة اللافكرة وقد حاول ماركس وانجلز القيام بأمثلة من هذا النوع فلما عجزوا قاموا بتزوير حقائق علمية مستغلين سذاجة البعض وعدم معرفتهم بالعلاقات الكمية والحجمية والأوزان فادعى (انجلز) أن الواحد مضافاً للواحد لا ينتج منه أثنين دوماً مثل إضافة متر مكعب الماء إلى متر مكعب تراب فالناتج لا يكون مترين مكعبين من الطين!!.

ومعلوم أننا لو حسبنا الأوزان فإن وزن الماء مضافاً إلى وزن التراب ينتج منه مجموع الوزنين رغم انف انجلز فالفارق الحجمي ضاع بسبب تداخل الماء وهو سائل في جزيئات التراب- لأن الحجوم هنا متغيرة ولو أخذ نفس الحجوم (مكعب تراب + مكعب تراب) أو (مكعب ماء + مكعب ماء) لكان الناتج مكعبين دوماً رغم أنفه.

ولو صح مثل هذا الاستنتاج اللامنطقي لما كان هناك أي شيء منطقي يقاس مطلقاً ولما قدر الإنسان على صنع أية آلات أو أدوات بل لعجز عن إجراء أية معاملات في حياته من بيع وشراء وإبرام اتفاقيات.

ب. هل الإنسان شرير بالطبع؟

بعدما أكد أن الإنسان شرير بطبعه من خلال ما لاحظه من صراعات بين الحكام على السلطة- غفل عن هذه النتيجة مرتين: الأولى أنه أثنى على بعض الحكام العادلين الذين رفضوا الجور بل وتخلى بعضهم عن المناصب حينما عجزوا عن الجمع بين تحقيق العدل والاحتفاظ بالسلطة بالرغم من شخصيتهم القوية.

ومعلوم أن مثل هؤلاء ليسوا أشراراً وهو أمر يخالف ما زعمه من وجود هذه النزعة عند الإنسان منذ الطفولة. والثانية أنه خلص بهذه النتائج من خلال سلوك الحكام وهذا خطأ فاحش فالحكام معدودين دوماً بالنسبة إلى مجموع الناس وقد تناسى أن الأفراد الواصلين إلى السلطة من خلال استعمال القوة والقهر والغلبة هم أشخاص قد تدربوا منذ وقت مبكر على خلط الأمور وتبرير الأخطاء وإظهار رحمة مفتعلة  لكسب تأييد الجماهير وأنهم طبقة معينة لا تصلح لاستخراج قانون عام عن الطبيعة الإنسانية فهناك من هو أكثر كفاءة منهم ترك الخوض في هذه الصراعات رغبة منه في عدم المشاركة بالظلم والتعسف فلماذا لا تكون هذه الطبقة مثلاً هي النموذج المأخوذ للدراسة عن الطبيعة البشرية؟

وثم حاول إثبات هذا الشر المتأصل في الإنسان من خلال ظاهرتين هما سلوك الطفل وسلوك المجنون.

الأول: ما يلاحظ على الطفل من حب للشرور، قال:

"يلاحظ عل الطفل أنه يميل إلى التعاون والتنازع معاً من أول أيامه".

واستدل منه على بقاء هذه الطبيعة في سلوكه إلى سن البلوغ وقال: "والفارق أن البالغ يمنعه عقله من إظهار التنازع لذا يقال أنه (عاقل) وعند حصول التنازع يتحول إلى شرير".

الثاني: أن المجنون لا يمتنع عن إظهار التنازع لأن سمته الثابتة هي التنازع.

والناتج أن الرغبة في التنازع عند العاقل والمجنون واحدة لكنها لا تظهر إلا عند المجنون.

ولكن مثل هذه الأحكام هي عامة جداً فنحن نلاحظ خلافها أحياناً كثيرة، وقد فاته أن المجنون يحاول إظهار التخاصم لحماية نفسه فقط، وملاحظاته غير دقيقة عن سلوك المجانين، فالمجنون عرضة بصورة مستمرة للسخرية والضرب والإهانة في مجتمع الرعاع خصوصاً فيقوم (بتمثيل) هذا الدور دفعاً للمخاطر ولذلك نراه يذعن لمن اعتاد مسالمته ويستسلم لمن يعطف عليه وينقاد لمن يعلم أنه لا يؤذيه ودائماً تلاحظ ان مجموعة الرعاع الساخرة من المجنون تستنجد بأشخاص معينين يطيعهم المجنون بعد أن يفشلوا في إقناعه بترك التنازع وهو إقناع يتسم بالخشونة والإهانة والضرب فيبقى المجنون يتحداهم حتى يأتيه الرجل الذي يحترمه بطريقة ما.

وقد ينسحب المجنون من المعركة حينما يجد في الانسحاب سلامته، ذلك لأن الأمراض النفسية لا تقضي على الغرائز مثل حب الطعام والشراب والخوف.. بل غالباً ما تتركز الغرائز عند المجانين وهو عكس ما ذكره المؤلف.

أما الطفل فيظهر بطلان قوله عن سلوك الطفل إذا لاحظنا أن الأمر يتعلق بقدرة المربي أو المشرف على الطفل فهناك أطفال في عائلات كثيرة جداً يرتفع حب التعاون والاحترام عندهم على نزعة الخصام.. إن نماذج المؤلف هي نماذج خاصة من مناطق معينة فقيرة في كل شيء فقراً فكرياً ومادياً وهي لا تصلح مطلقاً لإصدار أحكام عامة عن السلوك الإنساني.

لقد قلب المعادلة كلها فالعاقل يحب التنازع لكنه لا يظهره والمجنون يظهر التنازع والناتج أن العاقل صار مجنوناً والمجنون صار هو العاقل!!.

ومن جهة أخرى لو صحت أقواله بشأن سلوك الأطفال لبطلت المؤسسات التربوية والإصلاحية ولكان القائمون بذلك- بما فيهم أرباب الأسر والأمهات وهيئات التعليم مجانين فعلاً لأنهم يعملون أعمالاً لا جدوى منها!.

هل تحسب أن مثل هذه (الأفكار) تصلح لتكون بحثاً اجتماعياً؟

ج. فكرة ملائمة للطبيعة لا العكس !!

بعدما برهن - حسب رأيه السابق- على الطبيعة المتناقضة للإنسان أقترح صياغة نظرية ملائمة للطبيعة الإنسانية بدلاً من إجبار الإنسان على تعديل طبيعته وفق فكرة نصنعها مسبقاً قال:

"ونحن يجب أن نجعل الفكرة ملائمة للطبيعة البشرية بدلاً من أن نجعل الطبيعة ملائمة للفكرة".

السؤال هو: إذا كانت طبيعة الإنسان متناقضة فهل يقترح صياغة (فكرة متناقضة) لتلائمها؟ وكيف تكون الفكرة (فكرة) إذا كانت متناقضة؟ لأنها في هذه الحالة لا تكون فكرة وإنما أي شيء عبارة عن عبث في عبث.

وإذا كانت الفكرة المتناقضة ملائمة للطبيعة المتناقضة والإنسان شرير بطبعة فهل يعني ذلك أنه يريد استمرار الشرور بدلاً من أن نفكر بإنهائها؟

إذا كان الجواب نعم لأنه لا فائدة من الإصلاح فما الداعي للفكرة إذن فالشرور مستمرة بفضل الطبيعة الشريرة للإنسان!.ربما هو حريص على البعض الذين يهدرون جهودهم في البحث عن فكرة ما فهو ينصحهم أن يصوغوا الفكرة بما يلائم الطبيعة- فكرة متناقضة ليكونوا مؤمنين بحتمية الشرور!.

لكن هذا معناه أنهم (أخيار) لا أشرار والناتج أن هناك أفراد يحبون الخير وهو يعادل دفعهم للشر فكيف يقول أن الجميع أشرار بطبعهم؟

لقد لاحظت الآن أخي القارئ هذه التناقضات المتداخلة في عرض المؤلف ونستعرض الآن على وجه السرعة بعض العبارات الأخرى قال:

"إن النصيحة والخطابة والموعظة غير مجدية في التأثير على البشر إذ لم يذعن لها أحد".

هذا حكم عام آخر إذ ليس لديه أية معطيات عددية عن المتأثرين بالحكمة والمواعظ خلال حقب التاريخ.. فما أدراه انه لولا ذلك لكان الجنس البشري قد فني فناءً تاماُ بسبب الشرور وأن المواعظ قد زادت عدد الخيار والمصلحين؟

وقال أيضاً: "أخطأ المفكرون القدامى حين تصوروا الطبيعة الإنسانية كأنها نتاج العقل.. وظنوا أن في وسعهم إصلاح البشر عن طريق الموعظة".

لم يقل أحد أن السلوك هو نتاج العقل، بل السلوك مزيج من النزاعات والأهواء ووظيفة العقل هي تحديد المفيد وغير المفيد من هذه النزاعات وتهذيبها بالفكر والتربية. وكان قد قال أن الإنسان يختلف عن بقية الكائنات بعقله فإذا لم تكن للعقل قدرة على تهذيب النوازع الحيوانية في الإنسان والارتقاء به فما فائدة ذكره لهذا الفرق بين الإنسان والحيوان؟

والواقع أن الموعظة لا تخاطب العقل وحده إنما تخاطب القلب والوجدان ليقوم العقل بإجراء الحسابات الصحيحة وقد ذكرنا العلاقة بين القلب والعقل في القرآن في مباحث أخرى.

د. الحكومة العالمية والقائد الموعود

إن الذين يصدرون الأحكام الجزافية يقعون دوماً في تناقضات، فهو مثلاً أشار إلى ضرورة الحكومة العالمية في موضع من الكتاب واعتبر هذا الهدف شيئاً خيالياً ونوعاً من الأوهام في موضع آخر كما في هذين النصين:

"إن هذه الحروب ستظل مستمرة إلى أن تظهر قوة عالمية قاهرة تحكم في المنازعات وتنفذ أحكامها بالقوة على منوال ما تفعل الحكومات المحلية في منازعات الأفراد".

هذه الفكرة ممتازة لأنه لاحظ التطور الذي حصل في نظام القبائل ومنازعاتها وتم خلال حقب التاريخ تكوين الدولة التي تضم القبائل وظهرت المؤسسات التي تحاول القضاء على التنازع.

ولذلك فالتطور يستمر حتى تندمج الدول في دولة عالمية واحدة ويتم القضاء على منازعات الدول مثل ما تم القضاء على منازعات الفئات والقبائل والأفراد في الحكومات المحلية.

ولكنه تنكر لهذا الهدف في موضع آخر فقال:

"اصطنع أولئك المفكرون مثلاً عليا للإنسان كما فهل أفلاطون في الجمهورية والفارابي في المدينة الفاضلة وأرشدوا الناس إلى تلك القيم ثقةً منهم أنهم إذا عرفوها أخذوا بالسعي نحوها.. وبهذا يتم الصفاء والهناء في العالم بزعمهم".

ثم قال:

"أخفقت كل المثل التي جاء بها المفكرون فلم يتأثر بها أحد"

وبشأن القيادة العالمية أو الرئيس العالمي قال:

"صور الفارابي في المدينة الفاضلة مجتمعاً سعيداً يحكمه الرئيس الذي هو (الإنسان الكامل) والذي تتوافر فيه صفات المثالية حيث يكون تام الأعضاء فاهماً ذكياً فصيحاً معتدلاً صدوقاً عادلاً قوي العزيمة محباً للعلم معتزاً بكرامته..".

ثم تساءل: أين نجد مثل هذا الرئيس؟ وإذا وجدناه كيف نجعل الناس ينتخبونه؟ وقد يظهر له منافسون بعد انتخابه ويحسبون أنفسهم مثله أو أفضل منه ثم يبدأ الجدال فالقتال وينتهي الأمر بسقوط الرئيس مضرجاً بدمه؟

ثم قال أن الفارابي وأمثاله لا يهتمون بهذه الاحتمالات وكأنهم يعيشون في عالم غير العالم الذي نعيش فيه.

وسأحاول توضيح الإجابة على الاشكالات الآنفة باعتبارها من صميم الاشكالات الواردة حول القيادة الموعودة سواء كانت هدفاً إنسانياً أم خطة ربانية.

فهناك فرق بين كون القيادة هدف إنساني وبين كونها خطة إلهية. وحينما تكون هدفاً إنسانياً بمعزل عن التخطيط الإلهي فالاشكالات تكون صحيحة لأنه ليس لجميع الناس القدرة على تمييز الأفضل.. فلا بد من استحواذ طبقة على السلطة وقهر بقية الطبقات والسلطات دوماً تمثل طبقة ما في الدول الحالية.. ولذلك قلنا أنه ليس من صفات الأنبياء ولا من خططهم ترك القيادة لاختيار الناس لأن النزاع سيظهر مرة أخرى، بل ترك القيادة لاختيار الناس هو فكرة مضادة للدين لأن من طبيعة الدين (الدينونة) أو الالتزام بالتعليم الإلهي ومنه بل أهم فقرة في هذا التعليم هو تحديد القيادة الصالحة فالنظرية القائلة باختيار القيادة بمعزل عن الوحي هي نظرية (الذين كفروا)- فالقيادة الإلهية وفق قواعد الدين يجب أن تكون متواجدة دوماً- وبهذا وحده يصح حساب الخلق عقاباً أو ثواباً ما دام الاستخلاف هو الهدف الأساسي من الخلق.

لقد كان النبي (ص) يقول: "إذا صلح الراعي صلحت الرعية".

لقد ربط صلاح المجتمع بصلاح القيادة، وإذن فتحديد الراعي هو جزء من التشريع فالكفر به كفر بهذا الجزء والنتيجة هي الكفر بالكل لقوله تعالى:

".. ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً. أولئك هم الكافرون حقاً واعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً.." – النساء/ 150

إذن فالاشكالات المذكورة تسقط حينما تكون القيادة العالمية جزء من التخطيط الإلهي على النحو التالي:

أ. المثل العليا التي ذكرها عن الحكماء أو الفلاسفة إنما تدل على ضرورة عقلية للحكومة العالمية. ولكن من الواضح أن طريق الوصول إلى هذا الهدف هو من أفكار الفلاسفة فينطوي بالتأكيد على ثغرات واحتمالات يستحيل تحقيقها لآنها لا ترصد حركة المجتمع وتطوره ولا تفكر بالتخطيط الإلهي وعناصره.

لكن الاعتراف بهذه الضرورة شيء هام جداً. أنه اعتراف باللاعبثية من الخلق ووجود هدف منه. أنه اعتراف بضرورة الحصول على الجنة. الأمر ليس كما قال الكاتب فهم يفكرون جيداً بهذه الاحتمالات ولذلك كانت تلك المدن الفاضلة والجمهوريات مقصورة على الفضلاء من الناس.

 ومعنى ذلك أننا ما دمنا أفراداً في غاية الاستقامة فليس هنا أي مانع عقلي من تصور أن يكون الناس كلهم بمثل هذه الاستقامة.

وهذا الإمكان العقلي هام جداً في الخطاب الفلسفي للجمهور لأنه ينطوي على تعليم مفاده أن استقامة الجميع تعني سعادة الجميع وزوال الشرور وما يتبعه من تحسن في الأرزاق والآجال وقلة الأمراض.. الخ. وهذا مفهوم عقلي صحيح.. بيد أن تحقيق الاستقامة نفسها هو أهم ما في الفكرة وقد أختلف الفلاسفة في هذا التحديد لأنهم أرادوا أن يكونوا أرباباً من دون الله يقدمون الحل الشامل للإنسان- وما علموا ان هذا اتهام منهم للخالق بالإهمال وترك مخلوقاته.. وهو شيء يتنافى مع إيمانهم بالله الذي أدعوه وشددوا عليه.. إذ ينتج من ذلك أنهم أرحم بالناس من خالقهم وأكثر اهتماماً بالخلق من الله، وفي هذه النقطة بالذات جمع الفلاسفة بين الكفر والإيمان، بطريقة كان المفروض ألا يفوتهم أساسها المنطقي مدفوعين بحب (الأنا) وشدة (التعالي) والشعور بالتمييز عن الخلق.. والذي دفعهم إلى محاولة التعالي على الخالق بشعور أو لا شعور.

لقد كان عليهم حيث أمنوا بالله أن يبحثوا عن الحل الذي وضعه الله إذ ليس من المقدور منطقياً الإيمان بإله لا يعتني بما خلق- كان عليهم أن يفعلوا ذلك- بدلاً من تقديم مقترحات لا يمكن تحقيقها لأنها ليست من صميم التكوين الطبيعي للخلق.

لقد قدمنا في كتاب (الحل الفلسفي) ولأول مرة في تاريخ الفلسفة حلاً يتميز (باضمحلال الأنا) يبحث عن إجابات للاشكالات الفلسفية العميقة من النصين الماثلين أمامنا (الخلق والكلام) أعني الوجود الذي خلقه الله والكلام الذي كلمنا به الله من غير تدخل من ذواتنا في هذا الحل. إنه عمل فكري يتميز لأول مره بالصفة العلمية المحضة لأنه يحاكي طرائق العلم الحديث في استخراج القانون من موضعه بغير تدخل منه في صياغة هذا القانون- فواجبه هو كشف القانون فقط.

ومعلوم أن اكتشاف سر الوجود والحل الشامل للإنسان من خلال تحليل أو كشف (الأنا) على طريقة ديكارت هو ابتعاد عن هذا الحل من أول خطوة لأنه يفترض وجود الأنا وحده بلا موضوع وكل تطوير جاء بعد ذلك (للكوجيتو) الديكارتي كانت تطويراً للتقهقر الفكري. ليس إلا فقد أصاب الناس الاحباط وظهر عندهم التشاؤم بفضل هذا التطوير.

ب. ظهر التشاؤم في كلمات الكاتب عن مستقبل العالم وهو شعور يَعمّ أفراداً كثيرين.

إذا كان هذا المستقبل مندرج في التخطيط الإلهي فالتشاؤم في الطرح الديني هو كفر.

وسبب ذلك بسيط جداً. فإن الله خلق العالم لغاية هي الاستخلاف ليكون الكائن المشحون بقوة الاختيار مرتبطاً بالله وفق اختياره وحينما يقول المرء أن هذا لا يتحقق فإنه يكفر بالله إذ يجعل أعماله عابثة لا حكمة فيها ولا غاية منها.

وقد أكدت نصوص كثيرة هذا المعنى قرآنية ونبوية وأشارت إلى كفر من يشك في حتمية الوعد الإلهي وتحقق الحكومة العالمية وكفر من يقف حائلاً دون تحقيق هذا الوعد بالقول أو العمل. بل هدد أولئك الذي يتساءلون سؤال الشك:

(متى هذا الوعد)، (متى هذا الفتح إن كنتم صادقين)، (فسَينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً).

ولكننا رأينا من قبل خلاصة عن أثر التحريف الديني للمقولات الإلهية فقد طال هذه النصوص ما طالها من اعتباطية التفسير وصرفت معاني الوعد إلى يوم الحشر السماوي، بينما هو يتحدث عن وعد يتحقق في الأرض في طور الاستخلاف.

ومن جهة ثانية أمرت النصوص الأخرى النبي (ص) والمؤمنين بوجوب (الانتظار) أو (الترقب) أو (التربص) أو (الصبر).

وهي تعابير تدل على وجوب الاستمرار في حالة (القلق) والعيش تحت هم أو هموم هذا القلق لحين تحقق الوعد. ولكن هذه الألفاظ كغيرها ربطها المحرفون بعالم سماوي لا نعلم عن تفاصيله شيئاً، ذلك لأن تفاصيل ذلك الحشر لا تظهر إلا في فترة الوعد الأسبق حيث تنتشر معارف وعلوم وتكشف حقائق عن العالم غير ما نعرفه الآن، فهذه الألفاظ كما سنرى مترابطة في النظام القرآني بالوعد الإلهي وعلاماته.

وقد رأينا اقتران قوله تعالى "وانتظر إنهم منتظرون" مع السؤال (متى هذا افتح) في آية الفتح في فصل سابق.

هذه جملة أخرى من الألفاظ:

المورد الأول: "فتربصوا حتى يأتي الله بأمره" 24/9

أمر الله هو الوعد الإلهي بالاستخلاف.

لذا كان هذا اللفظ من جملة ألقاب القائد الموعود في هذا الطور:

"صاحب الأمر"، "ولي الأمر".

وهو مرتبط بأولي الأمر الذين فرضت طاعتهم كطاعة الرسول

"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" 59/4.

المورد الثاني: اقتران الفتح الموعود بالأمر مرة أخرى كما في المائدة:

"فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده" 52/5.

المورد الثالث: اقتران الأنظار بالأمر:

"ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون" 8/6.

لأن الأنظار مرتبط بالفتح وظهور الأمر. فإذا أنزل ملكاً فإن الملك لا عمل له سوى (الملك) فهو يستولي على الملك وينتهي الأمر فلا تبقى مدة للمهلة. وهذا المطلب يعد استعجالاً منهم للعذاب، مثلما ذكره في موارد أخرى "ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب" 53/29.

فإذا أخذت لفظ (استعجل) وتابعته في النظام القرآني أعادك إلى الوعد الإلهي:

المورد الرابع: "ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده" 47/22.

مثلما يعيدك هذا العنوان إلى الأمر:

المورد الخامس: "أتى أمر الله فلا تستعجلوه" 8/16.

فإذا قلت ما معنى (أتى) وكيف يتفق الفعل الماضي مع ضرورة الترقب؟

الجواب إن (أتى) ليس بنفس معنى جاء. فالآتي لم يجيء بعد فالأمر آتي ولكنه لم يصل بعد إلى الواقع الأرضي كظهور فعلي. يكفي أن القائد الموعود موجود وينتظر الأمر.

وبصفة عامة فإن العلاقات اللفظية هنا متشابكة وهي بالطبع تحتاج إلى مؤسسات للدراسة لا أفراداً فلنترك ذلك ولنأخذ لفظاً آخر مثل التربص:

المورد السادس: "قل كل متربص فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى" 135/20.

وهذا واضح من كونه واقع متحقق لا مجرد حساب ونتائج، إذ كيف يعلم المرء من هم أصحاب الصراط السوي ما لم تكن فكرتهم مجسدة في الواقع؟

إن (الصراط) هو تعبير آخر عن تنفيذ مشروع الخليفة. والتوحيد هو مسألة دقيقة جداً: (أنظر كتابنا أصل الخلق)، ففي الدولة العالمية تنكشف الحقائق ويتبدل العلم وليس هناك من وسيلة للكذبة والمنافقين لإخفاء نواياهم- لأن السرائر تنكشف وتكون الحركة بقوة هذه السرائر فالنظام الطبيعي يتغير برمته كما ستلاحظ في علامات الطور المهدوي. عندئذ تظهر النعم والبركات وينكشف سر الموجودات للمتقين بينما يتخلف الكذبة والأنانيون في عذاب دائم مع الموجودات التي لا يستطيعون مجابهتها.

فلنأخذ لفظاً آخر مثل (انتظر):

المورد السابع: "فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين" 102/10.

ثم قال: "ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا" 103/10.

هنا يسقط الاعتباط الديني برمته. لأن نجاة الرسل في الآية مسألة مستقبلية بعد الانتظار ومعلوم أن الرسل جميعاً سبقوا النبي (ص) فهو خاتمهم ولا يمكن أن يكون الأمر في القيامة إذ لا يوجد خطر على الرسل. ربما يقولون أن الخطر هو أهوال القيامة ولكن هذا القول غير منطقي أبداً فلماذا يفعل الله هذه الوقائع حتى يحتاج إلى أن ينجي الرسل؟ لأنه قادر على جعل الحوادث لا تقع أصلاً على الرسل ويكونون بعيداً عنها. نعم في القيامة هم بعيدون عنها فعلاً.

"إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون" 101/21.

إذن فالآية تتحدث عن نوع من العذاب يأتي إلى الأرض ويكون الرسل فيه متواجدون ويحدث صراع تكون فيه الغلبة للرسل مثلما حدث مع لوط (ع) وإبراهيم (ع) حيث أنجاهم الله من العذاب ففي طور الاستخلاف سُينشر الرسل تارة أخرى وتنشر الأمم تباعاً فوجاً من بعد فوج:

"ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون" 83م27.

بينما يكون الحشر جماعياً يوم القيامة:

"ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن والإنس قد استكثرتم من الإنس" 128/6.

فهناك إذن حشران مختلفان ويجب التفريق بينهما في الموارد فربما قال (يحشرهم جميعاً) وهو يقصد فوجاً واحداً في حشر الأفواج لا الحشر العام في القيامة، وإنما يعرف هذا الأمر من خلال الاقتران اللفظي في النظام القرآني.

إذا أخذت لفظ (فوج) فإنه إذا شئت أعادك إلى أي لفظ آخر يتعلق بالوعد الإلهي أو الفتح مباشرةً، كما في سورة النصر التي لاحظنا دلالتها المستقبلية في الفصل السابق.

أكتفي بهذا القدر من النماذج التي ستظهر أهميتها وارتباطاتها مرة أخرى في الأبحاث اللاحقة.

ج. أما التساؤل القائل: كيف نجعل الناس ينتخبون (الإنسان الكامل)؟ فهو سؤال ساقط عن الاعتبار حينما يتم ذلك وفق التخطيط الإلهي. لأن الناس لن يفعلوا ذلك ما لم يحدث تمييز شديد بين العارفين بهذا الوعد المصدقين به وبين المكذبين بهذا اليوم.

ومثل هذا التمييز لا يحدث إلا بعد سلسلة من الفتن والمخاوف تنتهي بالعلامات الكونية المرعبة والتي من خلالها يظهر فشل جميع النظريات الموضوعة من قبل الإنسان.

ذلك لأن الحل الشامل مرتبط بطبيعة الإنسان والكون فلو اجتمع الناس وقرروا- بفرض غريب- إقامة دولة عالمية يسودها الإخاء والتكامل على قواعد يضعونها بخلاف الشرع الإلهي وخارج حدود هذا الارتباط فإنهم يستحيل عليهم تحقيق ذلك استحالة تامة.

والسبب في هذا الفشل هو أن التشريع الإلهي جزء من طبيعتهم وتكوينهم ومتناغم مع تكوين العالم وقوانينه في جميع جزئياته، فإذا أرادوا الخروج عنه كان ذلك بمثابة الخروج عن طبيعتهم وطبيعة الأشياء فكأنهم يريدون تحقيق شيء يرفضون تحقيقه في عين الوقت، فلذلك فإن أي طرح فكري غير الفكر الإلهي هو هدر للطاقات وتأخير لمسيرة هذا الكائن نحو الهدف المحتوم الذي خلق من أجله. لذلك أكدت النصوص القرآنية على الإسراع والتسابق.

"سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة".

"سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة".

وسوف نلاحظ ارتباط إحدى هاتين الآيتين بجنة الطور المهدوي والتي توصل إلى الجنة الأبدية السماوية ولذلك أختلف وصف الجنة في الموردين مثلما اختلفت الأفعال: سارعوا، سابقوا.

وقد يقال: إن بعض الدول الصناعية المتطورة تمكنت من صنع نموذج اجتماعي يسود فيه العدل وينعم بالرفاه إلى حد ما وفق فكر بشري محض. فلو استمر تطوير هذا النموذج ليعم العالم بأسره فإنه سيمثل طرحاً معقولاً بل ومجزياً مقابل الطرح الديني الذي لازال مجرد فكرة، ومن المحتمل ان الله يريد من الإنسان أن يقوم هو بصنع عالمه المنشود.

الجواب على ذلك: أن في هذا الاعتراض مجموعة أشياء يجب التفريق فيما بينها. أولها أن الله يريد من الإنسان أن يقوم بصنع عالمه المنشود هي صحيحة من صحاح الفكر الديني فقط. وإنما تباين المفاهيم جعلها من مقولات الذين كفروا. إن مقولات الذين كفروا ترفض الوصول إلى العالم المنشود- لأنهم يعتقدون أن العالم سينتهي وهو مليء بالشرور فليس ثمة غاية من الخلق.

إن الآخرة تعبير زماني لا مكاني بمعنى أن الآخرة هي التي تأتي ولكن مجيئها مرتبط بالحركة نحوها فهي زمان لكنه يتحرك مبتعداً دوماً فعلينا السعي والإسراع للإمساك بها. لسنا نحن الذين نذهب إلى الآخرة في موضع ما من السماء تسوقنا الملائكة. فهذه الصورة من صور القيامة. أما في الطور المهدوي فالملائكة هم الذين يأتون إلى الأرض.

"ويوم تشقق السماء بالغمام ونُزَّل الملائكة تنزيلاً". 25/25.

وهذا التنزيل مرتبط بعلامات الطور المهدوي من أكثر من جهة:

الأول: لفظ غمام ورد في النبوي متواتراً عن المهدي:

"يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة فيها مناد ينادي هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه"

وفي نور الأبصار: "على رأسه غمامة فيها مناد ينادي"

نور الأبصار/155، البيان- باب النداء، منتخب الأثر/448.

الثاني: مرتبط بالغمامة التي على رأس المسيح (ع) حين نزوله مع المهدي كما في إنجيل لوقا.

"وحينئذ يبصرون ابن الإنسان آتياً في سحابة بقوة ومجد" لوقا/21-35-37.

إذن فإن الله تعالى  يريد من الإنسان أن يصنع عالمه المنشود ولكنه لن يصل إليه إلا بشرط هو ان يكون السعي لهذا العالم وفق التوجيه الإلهي لا خارجاً عنه لآن الخروج عنه يعني الخروج عن قوانين الطبيعة والاجتماع التي شحنها الله بهذا الخلق.

إن النموذج الغربي الصناعي خارج عن الطرح الديني والفكري الإلهي فكيف إذن حصل هذا التطور؟

هذا السؤال الوجيه قد يجاب عنه بذكر عوامل عديدة ولكن هذه العوامل مهما كثرت فإنها ترجع بالنهاية إلى علة أصلية واحدة وهي أن النموذج الغربي حاول بالفعل الحفاظ على حرية (الأفراد)، التابعين لهذا النظام فقط مصادراً حرية أمم وشعوب أخرى.

فليس من شيء سوى الحرية له القدرة على فرز الناس وتمييزهم وليس مثل الحرية شيء يمكن المجتمع من إبراز الأفراد الصالحين والمجدين وكشف المزيفين وليس مثل الحرية شيء يمكن المجتمع من التطور والترقي فبالحرية وحدها يحصل التنافس الشريف بالفضائل، وقد قام النموذج الغربي بحماية الحرية بأركانها المادية فقط دون الأركان الأخرى وقام بحمايتها داخل النموذج الاجتماعي دون بقية الشعوب والمجتمعات، بل بنى حرية أفراد النموذج على مصادرة حرية بقية الشعوب وربط بينهما وبين استغلال دول العالم الأخرى ولذلك فهو يساند الطواغيت والحكومات الدكتاتورية خارج النموذج دوماً بل ويقف بوجه الشعوب الداعية إلى التحرر من تلك الحكومات.

والسبب في ذلك أن محاكاة الفكر الإلهي بتنظير بشري لا يؤدي إلى تكوين عقيدة صالحة في جميع أركانها حيث يظهر الانحراف عن الفكر الإلهي بصورة ما في التنظير نفسه لأنه منشق عن (الأنا) الإنساني وهي نتائج محتومة لا مناص منها مطلقاً.

لذلك نرى الفكر الغربي يسعى حثيثاً لمحاربة الفكر الإلهي ويحاول التفريق بين الأديان بل بين مذاهب الدين الواحد وكأن هذا العمل جزء من عقيدته الاجتماعية والسياسية.

هذا يدفعنا لملاحظة موقع الحرية في الدين الحقيقي لا الدين الذي أوصله لنا المحرفون لأن المحرفين قد تعمدوا مهاجمة أعظم ركن من أركان الدين وهو (الحرية) فأهالوا عليها ركاماً من عقائدهم لإخفاء مضمونها الحقيقي.

حرية الاعتقاد في الإسلام ركن هام هو (عموده الفقري) وبدونه يستحيل عليه الوقوف والحركة لأنه مرتبط بإزالة الطاغوت الذي يصادر الحرية وقد توصلنا خلال البحث الحثيث عن الحرية في الفلسفة قديمها وحديثها ومواضيع الجبر والاختيار وعرضناها على النظام القرآني وحديث النبي (ص) وأقوال الإمام علي (ع) فظهرت لنا نتيجة واحدة هي خلاصة هذا البحث الذي لا يمكن ذكر تفاصيله هنا، هذه النتيجة هي أن الإيمان بالحرية هو الإيمان بالله وأنها هي الإيمان والإيمان هي لا فرق بينهما.     

ومن المؤسف أن الأمة لازالت تجهل موقع الحرية في الدين ولذلك فهي تردد ما ذكره المحرفون من انتشار الإسلام تحت قوة السلاح وكأن الحكام الذين قاموا بالفتوحات هم الإسلام والإسلام هو الحكام وبذلك نقضوا عقيدة يؤمنون أنها جوهر الإسلام في التأسيس العقائدي حيث أرجع الفهم العقائدي لأطروحته إلى القرآن والسنة، فالإسلام يتمثل بالقرآن وأعمال النبي وأفعاله الصحيحة النسبة فقط. أما ما قام به الآخرون فإنه لا يمثل عقيدة الإسلام بل يمثل  اجتهاداتهم الشخصية وحسب.

لقد أكد القرآن على الحرية حتى لتبدو وكأنها محوره الأساسي والدائم للحديث عن مختلف الأشياء فهي هناك حيث ما قرأت في القصص والتشريع والتهديد والوعيد وذكر الآيات.. هناك دوماً حديث عن الحرية وراء السطور، وذلك عدا الصيغ والعبارات الصريحة مثل:

"أدفع بالتي هي أحسن"

"أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة"

"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" 256/2.

"ويدرئون بالحسنة السيئة".

"إنما عليك البلاغ وعلينا بالحساب" 40/13.

"أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟" 99/10.

"إلا من أكره وقلبه مطمئن الإيمان" 106/16.

"فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي وحميم"

"قال الملأ الذين استكبروا لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودنّ في ملتنا قال: أولو كنا كارهين؟" 88/7.

لقد خلط المحرفون بين الأوامر التي تدافع عن الحرية وبين الأوامر التي تؤكد الحرية فالأوامر التي تدافع عن الحرية تضمنت الدفاع عنها بالقتال واستعمال السلاح فهو قتال ضد الذين يريدون مصادرة الحرية وإجبار الخلق على معتقداتهم وكانت النتيجة من هذا التزوير عدا مخالفة الآيات واتهامه (ص) بعدم تنفيذ أوامر الله وتجاوزه على صلاحياته، كانت النتيجة أن خصومه هم الأحرار والنبي هو الذي يريد مصادرة حريتهم!!.

هذه النتيجة واضحة جداً وهي محتومة حسب الفهم المنتشر في الأمة عن أسباب القتال.

لاحظ الأوامر الإلهية الأخرى والمشتملة على أدوات الحصر:

"فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ" 48/42

"فإن توليتم فاعلموا إنما على رسولنا البلاغ المبين" 92/5.

"فهل على الرسل إلا البلاغ المبين"  35/16.

"فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين" 82/16.

"فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين" 12/64.

"وما على الرسول إلا البلاغ المبين" 54/24.

"وما على الرسول إلا البلاغ المبين" 18/29.

تدل الآيات الآنفة على أن واجبة هو التبليغ فقط. ومعنى ذلك أن القتال حدث لسببٍ آخر هو انهم يريدون منعه من التبليغ، ومعلوم أن التبليغ هو دعوة الناس إلى فكرة معينة، وترك الاختيار لهم في اعتناقها أو عدمه فهم أحرار في الإيمان أو عدم الإيمان بها.

أما أعداء النبي (ص) فكانوا يريدون أن تكون الساحة الاجتماعية لهم وحدهم إنهم طواغيت وجبابرة لا يسمحون للخلق في التعرف على أية فكرة جديدة مخالفة لمعتقداتهم. هذا هو سبب القتال. ألا تراه (ص) يرسل الرسل إلى المجتمعات الأخرى وليس فيها إلا عبارة واحدة تحمل معها حريتها الكاملة لا يفهمها الطواغيت كرسالته (ص) إلى ملك الروم.

"من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم: أسلم تسلم فإن أبيت فعليك إثم القبط.."!.

وإلى ملك فارس: "فإن أبيت فعليك أثم المجوس"! لأن هؤلاء واقعين تحت سلطان الملوك وإسلام الملوك يعني إعطاء رعاياهم حرية الاختيار فإذا لم يفعلوا أصبحت آثام الشعب في أعناق الملوك!.

لقد كانت سيرة الرسول (ص) شاهداً حياً وفي مئات من الوقائع على حرصه الشديد في الحفاظ على الحرية، لكن المشكلة أن الأمة لم تفهم للآن طريقته في الحفاظ عليها ولا حجمها الحقيقي.

لقد كان النبي (ص) يدافع عن الحرية داخل المجموعة الإسلامية وخارجها فكان ينزل العقاب الصارم بمن يتدخل في حريته أو يحاول الاستحواذ عليها وكان يجاهد لاحتواء العدو..  فهو يدافع عن حرية عدوه أيضاً- عدوه الواقع تحت سلطان العبودية للإنسان فكان يقاتل لأجل الحرية وهو أمر لم يفعله مخلوق قبله على مر التاريخ الإنساني وكانت الحرية ظاهرة في التشريع في كل فقرة من فقراته. ولم يتحرك على هذا السلوك بعد النبي (ص) إلا رجل واحد هو الإمام علي (ع). وسأذكر لك واحدة من الاختلافات الهامة بين أسلوب الرسول (ص) والإمام علي (ع) في أخذ الزكاة و أساليب غيرهما:

ففي عهد الإمام علي (ع) كانت الطريقة التي أمر بها غريبة تماماً عن الوسط الاجتماعي وطرائق جباية الزكاة باستثناء أولئك الذين رأوا النبي (ص) فتذكروا أن هذه طريقته، فقد أمر الإمام أن يقف الجابي على باب الدار بعيداً ويدير وجهه وينادي سائلاً إن كان هناك رجلٌ في الدار؟

فإذا خرج إليه رجل من الدار سلم عليه ثم قال:

"الديك يا عبد الله شيء من مال الله أحمله إلى ولي الله؟"

عليه أن يذكر ذلك بلطف وأدب، فإذا رأى أن أهل الدار في مصيبة أو عندهم مريض شغلوا به اعتذر منهم وتركهم!.

فإذا قال صاحب الدار نعم عندي شيء من مال الله فإذا كان مثل البقر والغنم والحبوب يطلب من صاحب المال أن يقسمه نصفين. ثم يدير وجهه ويخيرّ صاحب المال أحد النصفين. ثم يقسم النصف المتروك ويفعل ما فعله في المرة الأولى.

ثم يفعل ذلك مرة بعد مرة حتى يبلغ المال الجزء الذي هو حق الله في المال فيجعل الخيار لصاحب المال في أخذ أحد الجزأين.

أما طرائق الخلفاء فيكفي ان أذكرك بواحدة منها فقد كان جابيه على الزكاة (خالد بن الوليد) حينما قام بجباية الزكاة من (مالك بن نويرة) وقومه.

وخلاصتها ان خالد حاصرهم حينما قالوا ليس عندنا مال تحمله للخليفة وكشف عليهم الرجال.  ثم أعطاهم الأمان فدخل الجيش فلما القى مالك وقومه السلاح عمد الجيش إلى إشهار السلاح فقتل معظم الرجال وفرت النساء والصبيان ثم أسر منهم جماعة وقتل مالك الرجل الشجاع غدراً ثم عمد خالد على أخذ زوجته من غير (عدة) شرعية وعمل ولائم على دماء القوم وفي أرض مصرعهم وفتش الجنود عن أثافي للقدور فلم يجدوا فأمر بوضع رؤوس القتلى أثافي للقدور فكان يأكل وينكح على رائحة شواء الرؤوس البشرية!!.

تلك واقعة لم يستطع المحرفون إلى هذا اليوم من إسدال الستار عليها أو تبريرها رغم ألسنتهم الطويلة. نعم دافع كثيرون عن الخليفة ومنهم الكاتب المصري (هيكل)، ولكن عند قراءتك الدفاع فإنك تزداد اشمئزازاً وتقززاً من أعداء الحرية بدلاً من أن تقتنع بأن دفاعهم منطقي.

لذلك فإن عمل الرسول والإمام هو الذي يمثل العقيدة الإسلامية فقط وأعمال غيرهم لا علاقة لها بالطرح الديني لأنها تمثل اجتهادات أو أحلام فاعليها وحسب.


 

(2) الذاريات/56.

(3) إشارة إلى آية 60/الزخرف.

(4) الحجر/28.

(5) ص/24.

(6) طالع كتاب أصل الخلق للمؤلف.

(1) تفاصيل مراحل الخلق وفق النظام القرآني تجدها في كتاب (النظام القرآني)

(1) 35/الأنبياء.

(2) 3/العنكبوت.

(3) 53/الأنعام.

(4) 20/الفرقان.

(1) 16/القلم.

(3) 117/طه.

(4) 177/طه.

(5) 56-58/الذاريات.

(1) 25-28 /الدخان.

(2) 96/ الأعراف.

(3) 66/المائدة.

(4) من حديث الصادق (ع).

(1) مثل صاحب (نقد الفكر الديني). والأفكار جذور ظهرت في العصر العباسي.

(2) 115/طه.

(1) 159/آل عمران.

(2) 35/الاحقاف.

(3) 50/الأعراف.

(4) 29/الكهف.

(1) 15/محمد (ص).

(2) 11/القمر.

(3) 25/نوح.

(4) 66/الرحمن.

(5) 50/الرحمن.

(6) 18/الدهر.

(7) 16/الجن.

(8) 179/آل عمران.

(1) 59/يس.

(2) 67/النحل.

(3) 8/مريم.

(4) 65/آل عمران.

(5) 3-5/العلق.

(1) بصائر الدرجات ج ص220.

(1) (2) (3) بصائر الدرجات- الجزائري ص41.

(4) قصص الأنبياء- الجزائري ص41.

(1) 122/طه.

(2) 123/طه.

(3) 124/طه.

(1) 5/الفرقان.

(2) 49/الزخرف.

(4) 36/الصافات.

(5) 14/الدخان.

(6) 9/القمر.

(7) 70/المؤمنون.

(8) 3/السجدة.

(1) 68/المائدة.

(2) 43/المائدة.

(3) 44/المائدة.

(4) 46/المائدة.

(1) 43/المائدة.

(2) 47/المائدة.

(1) 93/آل عمران.

(2) 175/الأعراف.

(3) 97/البقرة.

(4) 92/البقرة.

(5) 101/البقرة.

(6) 31/فاطر.

(7) 111/يوسف.

(8) 48/المائدة.

(1) 7/القصص.

(2) 68/النحل.

(3) 73/الأنبياء.

(1) 13/ا

(1) 65/الأنعام.

(2) أنظر 46 المائدة في البحث السابق.

(1) صحيح مسلم 1/176-156. أحمد في المسند 3/384. الجامع الألباني/5796.

(1) البقرة /30.

 

.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست
أحمد في المسند 3/384. الجامع الألباني/5796.

(1) البقرة /30.

 

.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست