.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست

 الفصل الثاني
قواعد الاستخلاف وعناصره

 

 1- آثار التشويه العقائدي على فكرة الاستخلاف

لقد تحدثنا الآن عن أفكار عامة ممهدة للموضوع وخطوط عريضة فعرفنا أن المصادر الإسلامية عموماً لها وجهة نظرها الخاصة بها حول الكون والعالم وتاريخه ومراحله وإنها سبقت العلم الحديث في معرفتها عن تعدد العوالم وسعة الكون بل واتصلت بهذه العوالم فيما لا يقل عن ثلاث أو أربع رحلات ذكرها القرآن في المعراج وإراءة إبراهيم (ع) ملكوت السماوات والأرض ورحلة ذي القرنين ورحلة الانطلاق السريع في الزمن لموسى وفتاة مع العبد الصالح.

كما رأينا سابقاً أن الحكومة العالمية مطلب إنساني تؤمن به وترجوه جميع الشعوب والأمم في المعمورة على مر التاريخ الحديث.

وإذن فلابد من أن تكون للمصادر الإسلامية وجهة نظرها الخاصة بها بشأن الحكومة العالمية ومستقبل البشرية ولا بد أن تكون لها رؤيتها الخاصة لهذا المستقبل- وأسلوب الوصول إليه والمنهج الفكري الذي تقوم عليه الدولة العالمية.

إنه من الغريب أن يقوم المرء بالبرهنة على بديهيات دينية وقواعد أساسية قرآنية وقوانين إسلامية واضحة لأناس مسلمين أو مؤمنين بكتب منزلة... ذلك أن المهدوية قضية عقلية لا تحتاج في الحقيقة إلى برهان.. ولكن حينما لا يبقى [من الدين إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه]- حسب تعبير الرسول (ص) فعندئذ تحتاج الأمة إلى براهين متعددة وليس إلى برهان واحد.

لننظر إلى المسألة من وجهة نظر عقلية محضة. فإن من أوضح الأمور أن كل ملك يحاول تطبيق القوانين التي يشرعها في مملكته. وإن لم يقدر على ذلك فأما لفساد تلك القوانين أو لعجزه عن إدارة نظام المملكة- وفي الحالتين لا يستحق البقاء على العرش.

ولقد نسي المسلمون بسبب حبك المؤامرة العقائدية ضدهم هذه البديهية وتصوروا أن الخالق الذي أبدع مليارات النظم وملايين المجرات والعوالم وبلايين الكواكب واحكم صنع النظم الكاملة وتميز بالفردانية والقهارية المطلقة على الكون المترامي الأطراف قد ترك الأمور كلها لهم، ولم بعد يبالي بتطبيق شريعته وانصياع الخلق لأوامره وأن يرى الخرق المستمر لتعليماته وقوانينه فلا يهمه ذلك بشيء وربما قال البعض أن الله لا يُكره أحداً على اتباع شريعته- فهذا حق ولكن يبدو أنه لا يراد به إلا الباطل- فكيف يكرهم يوم القيامة على دخول النار والملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم!- من غير أن يريهم بأم أعينهم مملكته القائمة على قوانينه وقد سعد بها المؤمنون وشقي بها آخرون!؟.

فأولاً لا توجد علاقة بين الإكراه وتطبيق الشريعة- وذلك أن اليوم الذي يبدأ فيه التطبيق الفعلي لنظام المملكة الأرضية ترفع التوبة فلا تقبل توبة- بمعنى آخر يرفع الاختيار [ لا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ]- كما سيأتيك في محله- وإذن فلا موضوع يبقى للنقاش فقد انتهت المهلة واكتملت فترة الاختبار.

ومن جهة أخرى- لا نرى علاقة بين الإكراه وبين تشكيل مملكة الدين العالمية فهذه المملكة إلى لحظة قيامها- حيث ترفع التوبة- قائمة على الاختيار بكامل الحرية لجميع الأفراد.. كل ما في الأمر أن الله بلغ الجميع بذلك وأسمع جميع الأمم بهذا الوعد.. فمن تمسك به كان من جملة أفراد المملكة ومن صد عنه أهلكه الله عند قيام الوعد وانتهاء المهلة، أوليس الملوك يعطون مهلة لتطبيق القانون وتسليم المخالفين أنفسهم إلى القضاء؟! إنهم يعطون يوماً ويومين وشهراً وشهرين- ولكن ملك السماوات دائم لا يزول ولا يفوته شيء ومهلته على قدر عظمته وأطوار خلقه وعمر مملكته..! [وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون]... 47/الحج.

نعم إن الله لا يكره الناس على الإيمان به.. ولو شاء لأنزل آية (فظلت أعناقهم لها خاضعين).. 4/الشعراء. ولكنه يكره الناس على اتباع النظام- والفرق بينهما كبير فحينما تنتهي فترة الاختبار لا بد من تطبيق النظام الذي ادعى الخارجين عليه إنه (غيبي) أو (مثالي) أو (طوباوي) لا يمكن تطبيقه!- ليعلموا [إن وعد الله حق ]- وإن الساعة التي يمارون فيها آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور- ومع ذلك فإننا سنبرهن في محله أن سلوكهم سقر ودخولهم النار هو من اختيارهم. فمن سلم نفسه طوعاً سلم ومن لم يفعل فإن القضاء يلقي عليه القبض في النهاية كرها.. [وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً] 830/آل عمران.

إن الملك القهار لا يكتفي لتقديس شريعته بمجرد المحاسبة على المقصرين في القيامة فهذا من صفة الملوك العاجزين الذين يحملون الناس قسراً على طاعتهم.. إن الملك القدير لا بد له من تنفيذ وعده ورؤيته التطبيق الفعلي لشرائعه على أرض الواقع برغم المخالفين والمكذبين والمستهزئين.. وهو قادر على إيصال الجنس البشري إلى هذا الطور بما أودع فيه من رغبة في البقاء والتطور والعقلانية والذاكرة وبما أمدّه من العقيدة الراسخة والقادة الأصفياء والمبشرين والمنذرين من الأنبياء- مما سيأتيك تفصيله فيما بعد.

فكيف يؤمن البعض بقدرة ملوك الأرض ومفكريهم على صياغة نظرية أممية تصلح لدولة عالمية وينكرون على خالق هذا النظام قدرته على مثل ذلك؟

إن قضية سيطرة الدين على الأرض- بل وعلى الكواكب الأخرى- كما في بعض الأحاديث هي قضية بديهية فهناك بشر بيننا طالما ادعوا قدرتهم على إعطاء نظريات صالحة لكل الأمم فكم من نظرية بيننا تعيش إلى هذا اليوم؟ وكم من متحذلق يدعي قدرته على إنقاذ العالم أجمع بأفكاره ويحمل شعبه على تطبيقاتها ولو استخدم الحديد والنار؟

فمن جهة الغرب ينادي رئيس ذلك المعسكر أنه [ليس من وسيلة لإنقاذ العالم إلا النظام الاقتصادي العالمي القائم على السوق الحر أو اقتصاد السوق- وهو النظام الوحيد الذي سوف يطغى على كافة بقاع الأرض].(1)

ومن جهة الشرق كان قائد الثورة الروسية ينادي [الشيوعية هي قدر شعوب العالم].(2)

ومع ذلك ومع سماع المسلمين لتلك الصيحات غيرها ممن لم تتأسس لهم دولة تحمل الناس على عقائدهم(3)- فإن بعض المسلمين بل وبعض أصحاب العمائم يسخرون من يوم الدين ويكذبون بوقوعه! نعم لأن يوم الدين هو غير يوم القيامة في هذا المنهج. أنه يوم يكون فيه الدين واقعاً معاشاً. ما سبب  ذلك؟

إذا أردنا شرح هذا الأمر بتفصيل فإن ذلك يحتاج إلى كتاب طويل جداً- نذكر لكم فيه صفحات التآمر على الدين وعلى التوحيد بصفة خاصة وعلى نظام القرآن.

ولقد كان إنكار المهدوية تتويجاً لسلسلة طويلة من عمليات التحريف في عقائد وأساسيات الدين القويم. بل ظلت المهدوية بشكلها العام هي تقريباً الوحيدة من العقائد الكثيرة للدين الإسلامي صامدةً بوجه التحريف قياساً بغيرها من أسس الدين لأنها بقيت (مذكورة) كفكرة وإن كانت فارغة المحتوى. ذلك لأن المهدوية بشكل عام هي ما اتفق عليه جميع الأمّة بلا استثناء ولم يتم هذا الاتفاق إلا بعد إخراج الفكرة من محتواها العقائدي والشمولي وتحجيمها بالشكل الذي يناسب الطغاة ولا يقض مضاجعهم.

وليس بالإمكان ذكر عمليات التحريف العقائدي الذي جرى ويجري للآن بحق الرسالة.. إذ يستوجب ذلك إخراج الكتاب تماماً عن قصده لكثرة هذه التحريفات التي طالت كل شيء في العقيدة.. من أسسها إلى فروعها إلى إعراب وتفسير القرآن.

والمشكلة التي أعانيها شخصياً في الطريقة المثلى لإيصال هذه الكمية الهائلة من المعلومات بأقل كلام لمن لا يدري شيئاً عن تاريخ التحريف، ومن أحتمل منه ذلك من القراء.. علماً أن هؤلاء هم أكثرية الأمة بجميع مذاهبها تقريباً فضلاً عن اتجاهاتها الأخرى.

الكتاب هذا نفسه هو منهج جديد تماماً للبرهنة على حتمية الطور المهدوي من القرآن والكتب المنزلة باستخدام أسلوب التدبر اللفظي للقرآن- وهو في طريق للاستدلال يكشف زيف وتحريف المفسرين وعظم جنايتهم على الإسلام ولكن هذا الكشف إنما يمر فقط بما له صلة بموضوع المهدوية وأيام الله الأخرى- ولا شأن له بعملية التحريف الواقعة في صدر الإسلام ولا بمحاولات تحجيم دور الرسالة الخاتمة ولا بالإجهاز على صفات الخالق نفسه. ولا بالمؤامرة الكبرى على القرآن من خلال تفسيره- ولا بالتغيير والتبديل في عقائد الدين- ولا بآلاف الكذابين الذين وضعوا الحديث عن النبي (ص) مقابل رشوة ولا بالذين مهدوا لهم بمنع كتابة الحديث مدة أربعين سنة منذ وفاته- ولا بالذين استخدموا أسلوب الاغتيالات للمعارضين بعد رحيل الرسول (ص) مباشرة، ولا بالذين انتقوا الولاة والعمال الملاحدة بشكل خاص ليولوهم أمورهم ولا بالذين تقاتلوا بالسيوف وتطاعنوا بالرماح على الخلافة بعد النبي (ص).

كما أن الكتاب لا علاقة له بالمتآمرين في عهد الرسول والتحامهم عليه ليتبع (أهواءهم بعد الذي جاءه من العلم)- ولا بالذين (يلمزونه بالصدقات) ولا بالذين (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به)، ولا بالذين (هموا بما لم ينالوا) ولا بالذين (يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) ولا (بالمنافقين والمنافقات) ولا (بالذين في قلوبهم مرض)، ولا (بالمؤلفة قلوبهم) ولا بالذين (خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً) ولا بالذين (يؤذون رسول الله) ولا بالذين (ينادونه من وراء الحجرات) ولا بالذين (يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي) ولا بالذين لم يعطوا أموالاً (إذا هم يسخطون)، ولا بالذين (ألهتهم تجارتهم عن ذكر الله وأقام الصلاة فتركوه قائماً)- ولا بالذين (جاءوا بالإفك عصبة منهم)- ولا بنسائه اللاتي يتآمرون ويتظاهرون عليه- ولا بالذين (يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول) ولا بالذين (يحلفون بالله إنهم منكم وما هم منكم بل هم قوم يفرقون)- ولا بالذين (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر بعد إسلامهم) ولا بالذين (آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً) ولا بالذين (ارتدوا عن دينهم) فهددهم الله بأن (يأتي بقوم يحبهم ويحبونه أعزة على الكافرين أذلة على المؤمنين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومه لائم)، ولا بالذين (إن مات أو قتل) انقلبوا على أعقابهم، ولا بالذين (يبدلون نعمة الله بعد ما جاءتهم) ولا بالذين (يكتمون ما أنزل الله من الحق)، ولا بالذين (كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) ولا بالذين (كرهوا بعض ما أنزل الله)، ولا بالذين (شاقوا الرسول من بعد أن تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم)، ولا بالذين قالوا للكفار واليهود (سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم أسرارهم)، ولا بالذين قالوا (هلم إلينا- ولا يأتون البأس إلا قليلاً) ولا بالذين (ارتدوا على أدبارهم من بعد أن تبين لهم الهدى) ولا بالذين (تفرقوا وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون).(1)

كما أن هذا الكتاب يفترض أن لا شأن له بالمراحل اللاحقة من التحريف والتآمر فلا شأن له بالإجهاز على ميزانية الدولة المالية، ولا بالتقسيم الفئوي الطبقي للرواتب الذي سنه الخلفاء ولا بأنظمة الحكم التي تؤكد أن أمرهم (وصية بينهم) لا (شورى بينهم)، ولا بأسلوب الوراثة الذي سنوه فيما بعد، ولا بمنع الناس من تفسير القرآن أو بالسؤال عن معاني الآيات ولا بإصدار الأمر بالإقامة الجبرية على علماء الصحابة كابن مسعود وحذيفة من أجل ألا تنكشف خيوط التآمر ولا بتسليم الشام ملكاً صرفاً لمعاوية مدة عشرين سنة أميراً وعشرين سنة أخرى خليفة- ولا بجمع السنة النبوية ثم حرقها مرتين على يد خليفتين بعد رحيل الرسول مباشرةً- ولا بعشرات الفتاوى المخالفة لقواعد دينية معروفة ولا بمئات التحريفات في العبادات  والمناسك وتوزيع الثورة والمعاملات والإرث والشعارات الدينية.

كما أن الكتاب يفترض ألا تكون له علاقة بفئات التحريف اللاحقة حيث وضعت القواعد والأصول وكتب الحديث النبوي بعد ثلاثمائة سنة من رحيل سيد المرسلين-!.

إن تأخر كتابة الحديث النبوي بعد ما أكد الرسول (ص) على الكتابة والتسجيل وقام بنفسه بالأشراف على تعليم القراءة والكتابة- هو بمفرده يدل على حجم المؤامرة وأبعادها- إذ تأخر تسجيل أقدس الكلام وأحكم الأحكام بعد القرآن كل هذه المدة!!. وهو يدل على قوة المتآمرين وكثرتهم وامتلاكهم ناصية الأمور.

ما مضى هو آيات ومقاطع كثيرة في كتاب الله- زعموا فيها جميعاً بأسباب نزولهم التي ابتدعوها إنها نزلت في رجل واحد هو (عبد الله بن أبي سلول) المنافق أو في أصنام قريش أو في بعض اليهود وأهل الكتاب. أما هذه الأمة الباقية بعدهم فهي براء منها براءة الذب من دم ابن يعقوب! وإن كتاب الله عبارة عن تاريخ لا (قرآن). لذلك فإن الكتاب هذا لا شأن له بالقواعد المنحرفة التي وضعوها للتغطية على جرائم التحريف الأولى مثل قاعدة أن كل معاصري العهد النبوي صحابة ولو لم يروه ولم يسمعوا منه وكل صحابي فهو عدل وثقة ولا يجوز نقده- وكانت تلك القاعدة الجريمة من أبرع خططهم للإجهاز على الرسالة من خلال خلط الأوراق ببعضها وتمرير الأكاذيب الموضوعة- بل وإيجاد المبررات للتحريف.

فكانت النتيجة أن اشتغلت آلاف الأقلام المأجورة بتبرير أعمال السلف واعتبارها جميعاً أعمالاً صالحة.. حتى تلك الحروب التي غرقوا فيها بالدماء وأغرقوا غيرهم فقد بررت على أنها اجتهاد بعضهم باتجاه بعض وأنهم جميعاً على حق!!!.

ولقد أصبح المسلمون أضحوكة لليهود والنصارى بإيمانهم بهذه القاعدة.. وبقيت أقلية من أهل القبلة تنظر للأمر من وجهة نظر القرآن والسنة والتاريخ ومنطق الأشياء فكانت تلك الفئة هي الوحيدة المغضوب عليها من قبل الجميع.

لقد ضحك المفسرون والعلماء المنحرفون من هذه الأمة مدة أربعة عشر قرناً وجعلوهم يتصارعون ويكفر بعضهم بعضاً ولكنهم لا يتمكنون أبداً من كشف الخيوط الأولى للمؤامرة ولا انتقاد الجيل الأول البادئ في الاختلاف والتحريف كما ذكر القرآن.. لقد جعلوهم يؤمنون أن (الاختلاف رحمة) وفي عين الوقت يكفرون المخالفين لهم وفي عين الوقت يؤمنون بصلاح جميع المتحاربين وأهل الفتن في الصدر الأول.

فهل رأيت في حياتك أمة بلغت كل هذا الجهل بنفسها ما بلغته هذه الأمة؟ والجهل الأعظم في هذه الأمة أن البحث التاريخي أو القرآني أو النبوي المنطقي إذ يكشف المؤامرة بكل أبعادها فإن الذي يفعل ذلك يتهم فوراً بأنه عدوٌّ للدين يريد به الشر ويريد التفريق بين الأمة وكأنّ الأمة مجتمعه الآن.. وكأنها ليست في أقصى مدى من الذل والانحلال والتخبط والعصيان!

وعند تحليل المسألة بدقة يظهر بوضوح وجلاء صدق الرسول (ص) فيما أنبأ به من صفات الأمة في آخر الزمان حيث تبلغ من الجهل والعناد والغباء درجة أن أحد الصحابة يسأله فيما إذا كانوا يفعلون كل ذلك ولديهم عقولهم أم لا؟. فيجيبه (ص) عن ذلك بما يفهم منه أن المفاهيم والعقائد عندهم تتغير فيحسبون أنهم على ملة الإسلام بينما هم في دين آخر.. إذ لم يبق حسب تعبيره من (الإسلام إلا أسمه ومن القرآن إلا رسمه)... وأنا لا أدري أينطبق هذا الوصف على المحرفين والمستمرين بالتحريف وهم أكثرية الأمة أم على تلك القلة التي تريد فرز الخبيث عن الطيب فتتهم دوماً أنها من الأشرار؟.

[وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار. اتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار]. 62/صاد.

فحتى وهم داخل النار يسألون عنهم ظناً منهم أنهم معهم.. فأي غباء وعناد وهذا الذي ران على قلوبهم- إن هؤلاء هم قطعاً ممن يضنون أنهم مصلحون وعلى دين الحق وعلى نهج الملّة. ذلك لأن عبدة الأصنام لا يسمون المؤمنون أشراراً ولا يعتقدون بالجزاء أصلاً. ولا يسألون عن المؤمنين لعلهم ناجون من عذاب النار- إنما هذا السؤال من أهل القبلة بعضهم عن بعض!

لقد أصبح المسلم العادي جداً لا يدري شيئاً عن حقيقة دين الله وفي نفس الوقت لا يدري أنه لا يعلم شيئاً فيظن أنه على الطريق القويم وتأخذه الحمية فيما يعتقده ولو كان مجموعة من المتناقضات المضحكة.

من هنا امتلأت كتب التاريخ والتفسير بما يرضي جميع الفئات والأذواق والمذاهب فبإمكان الشيعي الحاذق أن يأتي بآلاف الأحاديث من كتب السنة في فضل علي (ع) على جميع الصحابة ويتمكن السني أيضاً الإتيان عن الشيخين أو عن عثمان! في صحيح البخاري تجد فضل الجهاد والمجاهدين ولكنك أيضاً تجد أن الجلوس في الدار أفضل من الجهاد(1).

في صحيح البخاري أيضاً: إذا أقدمت الفتن كقطع الليل المظلم فالقائم فيها خير من الماشي والقاعد خير من القائم!.

حديث يدعو إلى العزلة عند حدوث الاختلاف. وفي نفس الوقت فإن هناك أحاديث تبين أن التمسك بأصحابه وما هم عليه هو طريق الهدى. فكيف تكون العزلة هي طريق أهل الهدى- وأي أصحاب يقصدهم الحديث- وإنما الفتن وقعت أول ما وقعت بينهم؟!.

وفي نفس الوقت هناك أحاديث تأمر بالتمسك بأهل البيت (ع) عند حدوث الاختلاف وأخرى تمتدح الخارجين على (علي بن أبي طالب) وفئة ثالثة تبين أن علي لا يخرجهم من الهدى ولا يدخلهم في الضلال وأنه مع القرآن لا يفترقان.

وإذا كنت من أصحاب الجمل وأصحاب معاوية أو أصحاب يزيد أو أصحاب الحسين أو أصحاب علي، وإذا كنت من المعتزلة أو الشيعة أو السنة أو برأسك أية فكرة أو بدعه، أو ضلالة فإنك تجد حتماً في تراث الأمة ما يؤيد وجهة نظرك ويحير خصومك ويعطيك الحجة على أقرانك.

لماذا؟ لأن هذا ما كانوا يخططون له وهذا ما كانوا يريدون بقاءه.

في صحيح البخاري: (أصحابي كالنجوم بمن اقتديتم فقد اهتديتم)- أنه حديث يزكي جميع الصحابة ويجعلهم جميعاً هداة هادون مهديون- مما لا نجد له مثيلاً في تشابه الدمى الخارجة من مصنع واحد بقالب واحد... حديث غريب إن كان الذي وصلنا منه ما وصلنا وإن لم تكن له تكملة اقتطعت أو خصوصية بترت عمداً. وكيف وأنى يؤمن به المرء وهو يرى أصحاب أي رجل مصلح ليسوا سواءً بالإخلاص والصدق مهما كان الرجل فذاً ومضحياً للإنسانية- بل هؤلاء هم أكثر الناس ابتلاءً بمن يصاحبهم.. لأن لكل ثَورة ثورة مضادة بحجمها.. [وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين]- 31/الفرقان.

وكيف يتمكن من الإيمان وهو يسوق حديثاً آخر بعشرة طرق في باب الحوض، فيه إن جمعاً من أصحابه يُحلأّون(1) عن الحوض وتطردهم الملائكة- فيقول: رجل بقربهم هلم- فيقول النبي (ص) إلى أين؟ فيقول إلى النار والله فيقول ما شأنهم فيقول: إنهم ارتدوا من بعدك القهقرى.

وفي ألفاظ أخرى: فأقول يا رب أصحابي فيقال: إنهم غيروا بعدك فأقول سحقاً سحقاً لمن غير بعدي.(2)

ونحن نردد مع خاتم النبيين (ص) سُحقاً سُحقاً واللعنة على من غير بعده. هذا الحديث يقبله العقل والقلب لأنه يتفق مع العقل والقلب المؤمن ويتفق مع حقائق التاريخ ومع ما وقع بالفعل ويتفق مع تحذيرات القرآن الكثيرة من الارتداد والزيغ.

وهو بعد ذلك بطرق أكثر وأمتن وأصح سنداً من الحديث الأول.. وليس هذا هو الموضوع- إنما الموضوع لماذا جعلوا كل التاريخ وكل كتب الحديث بمثل هذا (الكشكول) الذي فيه ما لذ وطاب لكل الفئات هداة أو منحرفين؟

وإذا كانوا قد ارتكبوا هذه الجريمة بالتحريف- بحجة أمانة النقل- فلماذا تستمر أمة عددها مليار مسلم في التسليم بكل هذا الكم المناقض حتى فقدت عقلها ورشدها وأضاعت المقاييس وظلت وأظلت و(أظلت كثيراً عن سواء السبيل) وحتى أن قد ضحكت من جهلها الأمم لشدة صممها وعماها عن تاريخها ودينها؟ وهل هناك أجهل من أمة تؤمن بكل صيحة لإنقاذها ممن هب ودبّ ولا تؤمن بأنها هي المنقذ للعالم وأن الدولة دولتها والرسالة رسالتها والمهدي الموعود مهديها؟ هل هناك أمة يمثل صفاتها وفقدانها لرشدها؟!- لو كانت تلك إكذوبة لأمة أخرى لتمسكت بها- فكيف والمبعوث فيهم سيد البشر والكتاب المنزل عليهم أعظم نبأ في السماوات والأرض.. تبيان لكل شيء وتفصيل الذي بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه؟

إن هذا الكتاب ليس للمحرفين ولا للمنحرفين ولا للتابعين ولا للمتبوعين. إنه فقط لأولئك الأحرار الذين يبحثون عن دينهم الحق تحت ركام التحريف والتزييف والتشويه للأقلام المأجورة.. إنه لأولئك الذين أحبوا الله وعشقوا كتابه العجيب ورغبوا في معرفة تاريخهم ومستقبلهم. تاريخهم الذي أخفى ما فيه حفنة من الذين اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً.. ومستقبلهم الذي جعلوه لا يتضمن سوى قيام الساعة التي تقوم على شرار الخلق.. فأصبحت حتمية التاريخ البشري الذي أسجد لله لأول رجل فيه ملائكته وذكر أنه جاعل (في الأرض خليفة)- أصبحت حتمية تاريخه للشرور وتطوراً للشرور بدلاً من أن تكون حتمية لخلافة الله في الأرض كما أراد وشاء.

"يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله ألا أن يتم نوره ولو كره الكافرون" 32/التوبة.

إن هذا الكتاب ليس لهؤلاء بل لأولئك الأحرار الباحثين عن دينهم وعقيدتهم وهذا هو الذي يهون الأمر ويجعلنا نكتفي بما أوردناه من لمح عن ذلك التحريف الذي يشعر به كل مؤمنٍ حقٍّ شعوراً قوياً وإن لم يطالع فيه كتاباً.

 2- القرآن يزيل الاختلاف وليس موضوعاً للاختلاف

وصف الله عز وجل القرآن مراراً بأنه (نور) و(هدى) وأنه آيات (بينات) و(مبينات) و(مفصلات) و(تفصيلاً لكل شيء) وأنه (رحمة) و(شفاء) وأنه(مبين) و(منير) و(علي) وأنه (مستبين) و(مبيّن) وأنه (أحسن الحديث) وأنه (ذِكر) و(ذكرى) و(تذكره) وأنه (تفصيل للذي بين يديه من كتاب).

وكل من هذه التعبيرات معناه المحدد. فقوله تعالى (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)- لا ينحصر بزمن دون زمان في كونه هدى للمتقين- فكل ما يطرأ على المتقين من أفكار يكون لهم هدى يبين لهم ما اختلفوا فيه.

وأما وصفه بأنه نور عدة مرات- فإن النور هو الذي ترى به الأشياء وعليه فالقرآن يمكن المتقين من الرؤية الصحيحة للأشياء- فالنور لا يحتاج إلى كشف ولكنه يحتاج فقط إلى حامل يوجهه باتجاه الأشياء لكشفها.

والذين يحملون القرآن نوعان: نوع حملهم الله إياه فهم قادرون على الكشف به عن حقائق الأشياء والموجودات، ونوع حملتهم أممهم القرآن فجعلوه وراء ظهورهم وتخبطوا بالظلمات كما سنبرهن عليه قرآنياً.

وقوله (تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة) 89/النحل- يعني أن له رأي في كل قضية مطروحة بل العبارة تستوعب الموجودات بأسرها المادية والمعنوية.

ولذلك كان القرآن مبيناً لكل اختلاف، بل يؤكد أن سبب إنزاله هو لإزالة الاختلاف والتمهيد للتوحيد الاجتماعي على مبدأ التوحيد الإلهي.

"وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون" 64/النحل.

فحصر السبب بالتبيين لهم والهدى والرحمة. وأما من هم الذين يبين لهم فهم جميع الأمم على الأرض- وربما على كواكب أخرى- لأن الآية التي قبلها عامة في كل الأمم التي بعث فيها رسل قبل الرسول (ص) فجاء بكلمة قبلك ونكر أمم ليدلل على شمولية التبيين لجميع الأمم في جميع العوالم.

الله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم- وما أنزلنا..." 63/النحل.

ولم يقل ماذا أرسل ولم يسمهم ليدلل على عموم من أرسل ولو كانوا أولياء كذي القرنين. لأن الرسل هم أصحاب الشرائع ولا تحتاج الشرائع إلى النسخ إلا في عهود مديدة بخلاف القادة.. إذ يجب أن يتواجدوا دوماً كما سنبرهن عليه قريباً. فالقرآن هو الذي يبين الاختلاف فلا يكون أبداً موضوعاً للاختلاف ومن جعله موضوعاً للاختلاف فهو قطعاً أعمى لا يبصر النور.

أما من ظن أن القرآن سبباً للاختلاف فهو أعمى البصر والبصيرة في آن واحد لأن النور لا يكون سبباً للظلام بل هو المبدد له.

ولكن الموجود الآن أن الأمة متفقة على لفظ القرآن ومختلفة على معناه ومن المؤكد أن المقصود بالنور معناه لا لفظه- فمعناه هو الذي يكشف الاختلاف ويفضح المنحرفين ويميز المؤمنين من المكذبين.

فكيف أنزل الله الكتاب لتوحيد الأمم وتخليصها من الاختلاف- فإذا المسلمون أنفسهم مختلفين في معاني الكتاب- ولم يتمكنوا من استخدامه في توحيد أنفسهم- فضلاً عن توحيد الأمم؟.

ما هو السبب في ذلك؟ لنعرف أولاً لماذا اختلفوا ولنعرف ثانياً لماذا لا يتمكنون من استخدام القرآن لإنهاء الاختلاف؟.

أما لماذا اختلفوا فإن القرآن يجيبنا على أنّ سبب الاختلاف- هو بقاء كفره وزائغين ومرتابين وبغاة بينهم وأن الاختلاف لا يحدث أبداً إلا بعد التوضيح والتبيين والعلم.. أي أن الجهل.. ليس من جملة الأسباب! ومن هنا وصفهم بالزيغ والارتياب والكفر:

"وما اختلفوا إلا من بعد أن جاءهم العلم بغياً بينهم" 17/الجاثية.

"وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه.." 170/النساء.

"ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر" 253/البقرة.

"ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم" 93/يونس.

ثم أوصى الجماعة الإسلامية بعدم التفرق والاختلاف كالأمم من قبلها فقال:

ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات" 105/آل عمران.

فكيف يقول البعض أن الصحابة اجتهدوا فتحاربوا؟  أهناك اجتهاد بعد نزول البينات؟ وما معنى البينات والنور والهدى والتفصيل إن كان لا يحمل الوضوح الكافي حتى لحقن دمائهم!.

وأذن فكرة عدالة الصحابة فكرة مخالفة للقرآن قطعاً لقوله تعالى- كالذين تفرقوا فبدلالة الآيات السابقة والتشبيه في (كالذين)- يدل على الأيدي اليهودية في تقويض نظام الحكم الإسلامي ومن ثم إرساء جميع قواعد الانحراف المستمر الآن.

فقوله تعالى (لتبين لهم)- ثم اعتقادهم أنهم اجتهدوا من بعده فيه دلالة على اتهامهم الرسول (ص) بعدم التبيين، وليس بعد هذا الضلال من ضلال.

وإذن بعد أن عرفنا أن القرآن يتضمن قطعاً كل قضية مختلف فيها لانّه أنزل لهذه الغاية وهي تبين الاختلاف من خلال إظهار الحق- فيظهر بالضرورة الباطل لأنه ليس (بعد الحق إلا الضلال)- فإن القضية المهدوية لابد أن يكون لها التصور الكلي والشامل في القرآن- بعد اتفاق الملة على ثبوتها بالسنة  النبوية المقدسة.

فالمهدوية ليست ضرورة إنسانية وحسب ولا شعوراً وجدانياً يعمم النفوس البشرية، ولا أملاً يراود الشعوب في العالم كما أنها ليست أماني دينية ولا هي تنبؤات محضة- إنها حتمية تاريخية وضرورة كونية وغاية ربانية وخطة موضوعة منذ ابتداء الخلق للتطور نحو الطور الأسمى والأعلى من الوجود.

إنها ضرورة من ضرورات (الخلق) وسمة من صفات الخالق المبدع يؤدي إنكارها إلى اشكالات لا يمكن حلها في التصور الصحيح والفهم الحقيقي لمتعلقات تلك الصفات الإلهية لأنها متعلقات القدرة، والرحمة، والحكمة الدائمة، والعلم الإلهي الشامل والقهارية الأبدية على الكون والعدل الإلهي، ومفهوم التوحيد العام والخاص، واللاعبثية من الخلق وإنزال الكتب وإرسال الرسل، وهي أي المهدوية من مقتضيات الحساب والقيامة وإقرار الحجة على الخلق.

وسوف نرى كل تلك التفاصيل بالتتابع، لأن القرآن والسنة كلاهما يؤكدان على الحتمية التاريخية لهذا الطور المتفوق في مستقبل البشرية. ومن هنا سوف نوضح فقط في الفصول الأولى تلك القواعد والأسس القرآنية التي يفهم منها فوراً حتمية الوصول إلى الطور المهدوي في المستقبل.

خلاصة المبحث

1. القرآن كتاب شامل لكل الموجودات والأفكار قادر على كشف الحق في كل قضية مختلفة فيها علمية أو دينية طبيعية أو تاريخية.

2. حملة القرآن قادرين على إظهار ذلك صنفان: محرفون يكتمون الحق وأصفياء يعرفون تأويله.

3. في قضية الاختلاف الأول ورأس الأمر لا يحتاج إلى الأصفياء إذ بمقدور المؤمن معرفة الحق من تدبر آيات القرآن، وهذا لإتمام حجته على الخلق.

4. المهدوية قضية حتمية في السنة فلا بد أن تكون كذلك في القرآن ولا بد من اشتماله على آيات أو سور تنوّه عنها.

5. المباحث الآتية في الكتاب هي للبرهنة على حتمية الطور المهدوي وخصائصه المختلفة وعلاماته من الكتاب والسنة.

   3. قاعدة التوحيد

عبارة التوحيد "لا إله إلا الله" هي أساس العقيدة الإسلامية وجوهرها وقطب رحا الأمر كله. فبها يدخل المرء دين الإسلام وبها تقبل الأعمال وعليها يتم الحساب. ووردت فيها روايات ومأثورات لا حصر لها، فصورت في بعضها أنها أثقل في الميزان من السماوات والأرض. ووصفت في روايات أهل البيت (ع) إنها الحصن الحصين من  دخله فقد آمن. ونعثر في التوراة والإنجيل على عشرات الآيات والعبارات التي تؤكد بأنها الكلمة التي جاء بها موسى ويسوع وجميع الأنبياء وإنها جوهر الناموس. ويتأكد ذلك على يد تلامذة يسوع (ع) ففي الإنجيل يؤكد مراراً على رفضه عبادة أي موجود آخر سوى الله- متي 4/10.

وعبارة (الرب) أو (الابن) فيما أظن لا يفهمها أكثر القراء بما في ذلك النصارى أنفسهم- وأعتقد أن كاتبيها يقصدون بها معاني مجازية- كما أنها لم ترد أبداً على لسان عيسى بل كان يؤكد العبارة المخالفة لها تماماً والتي يصف بها نفسه وهي عبارة (ابن الإنسان). وقد يكون من جملة قصد الأوائل تقديس المسيح (ع) بألفاظ مجازية ففهمت خلال الزمن بطريقة أدت إلى الشرك، وقد يكون بعضهم يقصد التحريف كما هو الحال في أمة كل نبي ورسول كما يقص ذلك علينا القرآن. فبرع المحرفون كما هي عادتهم في استخدام أساليب ظاهرها تقديس الدين وباطنها يؤدي إلى تحريفه وتخريبه، والأمثلة على هذه الأساليب في الرسالة الخاتمة نفسها لا تعد ولا تحصى.

ومع ذلك فإن العهد القديم ملئ بالتصريحات في مضمون التوحيد وصّب اللعنات على الأوثان كافة بكل أشكالها وصورها وعلى عابديها، كما ربط العهد القديم بين الكوارث والمحن على بني إسرائيل وبين الانحراف عن التوحيد واعتبر تلك المحن عقوبات شديدة نتيجة لهذا الارتداد والشرك.

وأظهر عبارات التوحيد على الرسالة الخاتمة (لا إله إلا الله).

تتألف العبارة كلها من ثلاثة أحرف فقط. كررت ليكون الجمع الكلي اثنا عشر حرفاً. تقابلها الشهادة بالرسالة التي تتألف هي الأخرى من اثنا عشر حرفاً واستخدم فيها تسعة أحرف.. فيكون المجموع في العبارتين هو الآخر اثنا عشر حرفاً بالجمع بين التسعة والثلاثة.

المادة الأصلية اللغوية للعبارة هي (أله)- فعل ماض معناه عبد أو تبع أو قصد نحوه، والأصل فيه (أ لَ لْ)- ومعناه العهد والإتباع. واستخدم هذا الاشتقاق في القرآن بحدود (3240) مرة – وهَي أكثر من أي اشتقاق آخر استخدم فيه بعشرات المرات.

ولفظ الجلالة (الله) هو كلمة (إله) الثلاثية الأحرف مع أل التعريف وهو يذكرنا بالنظام الثلاثي ومجموعة في سورة الكهف.

فالعبارة كلها إذن مشتقة من الثلاثي (أله) حيث انتزعت منها الأحرف المساعدة- النهي والاستثناء وأل التعريف- وكلها من أصل الثلاثي الذي يعني العهد والأتباع والقصد نحو المألوه.

فيكون معناها على هذا الأساس لا تعبد إلا المعبود، لا تتبع إلا المتبوع، لا تقصد إلا المقصود أو لا مقصود (نكره) إلا المقصود (معرفة) أو لا متبوع (نكره) إلا المتبوع الوحيد (المعلوم بذاته).

والعبارة لغة واصطلاحاً ليست السجود والركوع وإن كانا من أطرها الخاصة إنما هي الأتباع القلبي والهوى العاطفي والسلوك الخارجي لفظاً وعملاً وشعوراً تجاه المعبود، لذلك وصفت تلك الألفاظ بعشرات المواضع في القرآن شارحة معنى الأتباع والعبادة لحد شرح النفثات والوسواس، واتبعت في توضيحها كلمات أخرى ذات مغزى كالحب والتولي والتبري والصراط والهدى والجهاد والدفاع والتسليم والطاعة واليقين والصبر والعلم والخشية والخوف والرجاء والصلاة والحج.. لتؤكد الجوانب العملية والنفسية التي تترتب على رفض كل إله غير الله.

ولا يمكن الآتيان هنا بكافة الآيات القرآنية على حصر عملية الأتباع منهاجاً وسلوكاً فردياً واجتماعياً بالمشرع الوحيد في الكون- لأن القرآن بطوله هو تأكيد مستمر على ذلك، ولمجرد التذكير نعرض بعض الآيات الدالة على ذلك ولاحظ فيها التشديد على صيغة الأمر:

"إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة" 91/النمل.

"قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له ديني" 11/الزمر.

"قل إنما أمرت أن أعبد الله الذي فطرني" 22/يس.

"وما أمروا إلا أن يعبدوا الله إلهاً واحداً" 21/التوبة.

"إن الحكم لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه" 40/يوسف.

"وما أمروا إلا ليعبدوا الله" 5/البينة.

وإذن هناك أوامر مشددة لعبادة الله وحده وما هي بأوامرٍ كيفيةٍ بل هي خطة موضوعة وقضاء مبرم:

"وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه".وكانت تلك القضية حقيقة دعوة جميع الأنبياء والرسل (ع) والهدف الأول لجميع الأنبياء من بعثتهم.

"وإلى عاد أخوهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله" 65/الأعراف.

"وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله" 61/هود.

"وإلى مدين أخاهم شعبياً قال يا قوم اعبدوا الله" 85/الأعراف.

"ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله" 23/المؤمنون.

"وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله" 16/العنكبوت.

"وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله" 72/المائدة.

وهكذا تجتمع دعوات الأنبياء (ع) جميعاً في صيغة واحدة إلى هدف واحد، ومن هنا كان الرسول الخاتم هو المصدق للجميع ورسالته هي المهيمنة والمفصلة لما أختلف فيه من قبل- ومن هنا تجتمع الأمم في الطور المهدوي على الكتاب الخاتم مع تصديق ما جاء بالكتب السابقة بعد إزالة التحريف عنها.. فيظهر للناس أن دعوة الله واحدة وأنه بعثهم بكلمة واحدة.. هي لا إله إلا الله.

إن شعار (لا إله إلا الله) لم يتحقق تحقيق فعلياً إلى الآن- فلو قال ملك: لا ملك على الأرض إلا أنا. وبقي هناك ملك آخر على الأرض فسيكون كاذباً في مقولته إن لم يحاول تحقيقها فعلياً، إذ قد يمهل بعض الملوك الآخرين لكونه مقتدراً عليهم في أية لحظة ولكنه يتوجب عليه تحقيق قوله إسقاط جميع الملوك في النهاية، إن عبارة لا إله إلا الله تعني (لا وجود لإله متبع فعلاً إلا الله). فكل مدَّع للألوهية سواه باطل وزائل لا محالة- ولكن الخلق اليوم يتبع بعضهم بعضاً بما في ذلك فرق من (المؤمنين) بالكتب المنزلة "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون"وهذا الشرك مع الإيمان- هو عملية الجمع بين الاعتقاد بالإله الحق وبين اتباع شرائع سواه- وإشراك غيره في المتبوعية.

إن جميع قوانين البشر اليوم هي من القواعد التي وضعها بعضهم على بعض- وبالتالي فهي في صيغ التابع والمتبوع أو العبد والمربوب والتي لم يأذن بها الله وعليه فإن عبارة لا إله إلا الله تعني إسقاط كل مشرع آخر سواء وكل متبوع وإهلاك كل تابع ومنفذ لتعاليم غيره- بالعذاب الذي وعد بنزوله قبل الساعة.

ولم يظهر هذا الشعار بمثل هذه الصيغة الصارمة المبتدئة بأداة الرفض والنهي (لا)إلا في الرسالة الخاتمة مما يعني أن هذه الرسالة هي التي تحقق إلغاء  الألوهية عن جميع مدعيها سوى الله تعالى.

إن الإتّباع هو جوهر العبادة الحقة وهو جوهر التوحيد، واعتبر القرآن عملية الإتباع هي الفيصل بين من يدعي الإيمان وبين المؤمن بحق. ولقد أخطأ كثيرون فسروا الآيات القرآنية الخاصة بالشركعلى انها يُقصد بها أصنام قريش وأوثانها، في وقت كان القرآن يؤكد على جميع أصناف الشرك. معتبراً اتباع الطواغيت ورجال الدين والهوى والمشرعين من الناس جزء لا يتجزأ من الشرك:

"أفرأيت من أتخذ آلهة هواه" 43/الفرقان.

"فإن لم يستجيبوا لك فاعلم ما يتبعون أهواءهم" 50/القصص.

"ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله" 34/ آل عمران.

"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله" 31/التوبة.

ومن المؤكد أنهم لم يعبدوهم سجوداً وركوعاً بل اتبعوهم وتابعوهم فيما يقولون ولو لم يكن من عند الله، وقد نص القرآن على تحريفهم في قوله [هو من عند الله وما هو من عند الله]، ليشاركوا لله في التشريع فكانوا رهباناً ورجال دين طواغيت ولذا وضع شرطاً لصحة الإيمان.. إذ يجب أولاً للإيمان الصحيح الكفر بهؤلاء الطواغيت:

"فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى" 256/البقرة.

ولهذا أكد الرسل (ع) جميعاً على ضرورة إتباعهم وطاعتهم كونهم معصومين ومبلغين عن الله وناقلين لأوامره ونواهيه كما يريدها:

"قال يا قوم اتبعوا المرسلين" 20/يس.

"قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني" 90/طه.

"واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم" 55/الزمر.

"وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها وأتبعّون" 61/الزخرف.

"فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه" 108/الأعراف.

وجعل الأتباع سبباً للضلال والدخول للنار واستخدم القرآن مصطلح (الذين إتبعوا) لوصف فريقين من أهل النار- من الذين اتبعوا غير ما أنزل الله رغم إعلانهم عن إيمانهم.

"ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله" 165/البقرة.

فهم إذن مؤمنون بالله لكنهم يحبون سادتهم ومشرعيهم كحب الله وذلك هو الشرك:

"والذين آمنوا أشد حباً لله" 165/البقرة.

هؤلاء المشرعون الظلمة الجبارون، الذين دعوا الناس لأتباعهم بحجة أنهم العارفين بأسرار الديانات وأحكام الشرائع- سوف يعلمون حينما يرون العذاب أن القوة لله وحده. "ولو يرى الذين ظلموا العذاب أن القوة لله جميعاً وأن الله شديد العذاب. إذ تبرأ الذين اتُبعوا من الذين أتَبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب". 166/البقرة.في آية واحدة ذكر العذاب ثلاثة مرات وأكد على رؤيته ولم تذكر هنا النار أو جهنم فهو العذاب الآتي إلى أهل الأرض بعد امتلائها ظلماً وجوراً من الذين ظلموا وحرفوا وبدلوا شرائع الله.

وحينما يأتي العذاب فإنما يأتي بوقت مؤجل.. بعد إتمام الحجج على الناس وإيضاح الأمر وهو الوقت الذي تستلزمه عملية التطور نحو الاستخلاف.. فزيادة الجور من جهة تستلزم زيادة قوة المؤمنين وتحميصهم وفرزهم، ونمو شجرتهم وهو ما أكدت عليه آية الظهور.. "كمثل زرع أخرج شطأه" التي تأتيك قريباً.

إن الله قادر على جمع الخلق على العبادة المطلقة له بطريق قسري شأن كل المخلوقات السائرة في ناموس الكون والمذعنة لنظمه وسننه، ولكنه يريد الإيمان الحر القائم على الاختيار المحض بلا إكراه "ليحيى من حيي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة".. وهو مسيطر على الكون وبالغ أمره ولن ينزل العذاب قبل تحقق شروطه.. لأن ذلك ظلم وهو لا يظلم وان ذلك استعجال وهو لا يعجل:

"فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم" 35/الأحقاف.

"سأريكم آياتي فلا تستعجلون" 37/الأنبياء.

"أفبعذابنا يستعجلون"204/الشعراء.

"ماذا يستعجل منه المجرمون" 50/يونس.

"ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم" 53/العنكبوت.

"ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده" 47/الحج.

فالعذاب إذن آتٍ لا محالة وليس هو بعذاب الآخرة بل عذابٌ آتٍ واقعٌ على الأرض في أجل معين عند اكتمال الشروط.. لأن القيامة بعد الساعة والعذاب قبل الساعة والقيامة.

"وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً كان ذلك في الكتاب مسطوراً" 58/الإسراء.

في هذا العذاب يتبرأ المنحرفون والطغاة من أتباعهم ويتمنى التابعون لو أن لهم كرةً أخرى فيتبرءوا منهم مما تكمله آية البقرة:

"وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرةً فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا" 167/البقرة.

فمن يتبعون إذن في ذلك اليوم:

(يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً) 108/طه.

لكن المحرفون يستمرون بطبيعة الحال بتحريف كل شيء حتى الواضحات، ومن أجل ذلك لنتعرّف على الداعي الذي لا عوج له أهو حقاً إسرافيل يوم القيامة كما زعموا أم أنه الداعي الموعود الذي يملأها قسطاً وعدلاً؟!.

4.  المهدي المنتظر هو "الداعي لا عوج له"

"يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً"

أجمع المفسرون على أن هذه الآية تخص يوم القيامة وأن الداعي الذي لا عوج له هو إسرافيل (ع) حيث ينفخ في الصور فيتبعه الخلق.

ولكن الحقيقة هي خلاف ذلك، فالآية تخص أمراً يقع في الأرض قبل القيامة بأمد طويل، وتفسيرهم ليس غريباً، إذ أنك سترى خلال الكتاب أن كل واقعة هي عندهم (يوم القيامة) وكل شرك هو (أصنام قريش)، وكل يوم مذكور في القرآن كيوم الدين ويوم الفصل واليوم الآخر هو تعبير عن يوم القيامة.

وبالتالي فالدين عندهم أمر اختياري، والإمامة أمر اختياري، ولا شيء سوى الأرض تملأ شروراً فتقوم الساعة..

إن الداعي الذي لا عوج له هو المهدي الذي يدعو الناس إلى دين الإسلام ويدخل الملل كلها إلى ملته فتكون ملة واحدة لأن هناك أموراً في الآية تؤكد ذلك:

الأول: أرتبط الداعي في الآية بالإتباع- يومئذ يتبعون- واستخدم الإتباع في القرآن كتعبير آخر عن الطاعة والتسليم، ولم يستخدم أبداً لوصف حال يوم القيامة.. فهناك لا يتبعون الداعي بل يساقون سوقاً عاماً زمراً زمراً ومعلون أن الإتباع عملية هي عكس السوق تماماً.

الثاني: في يوم القيامة لا تخشع الأصوات بل تختم الأفواه "اليوم تختم على أفواههم" ولا تسمع همساً بل أصلاً "لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا".

الثالث:لا يوصف حاشر القيامة بكونه داعياً لأنه نافخ الصور وسائق إلى الحشر فالداعي استخدم في القرآن فقط للدعوة إلى دين الله في دار التكليف:

"يا قومنا أجيبوا داعي الله..." 31/الأحقاف.

"ومن لم يجب داعي الله فليس بمعجز عن الأرض" 32/الأحقاف.

"وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً" 46/الأحزاب.

الرابع: لا يوصف اسرافيل (ع) أنه لا عوج له لأنه من الملائكة الله العظام،الذين تكون استقامتهم أمراً مفروغاً منه فيصبح الكلام الوصفي هذا زائداً لا معنى له. وقد أنتبه المفسرون إلى ذلك، إذ يبدو أن هذا هو الذي اضطرهم للقول أن لا عوج له ليست صفة الداعي بل صفة الخلق أي لا أحد يعوج أو يحيد عنه، فكأنهم يريدون القول أن لا عوج له معناه لا عوج عنه- متناسين أن الخالق بإمكانه أن يقول لا عوج عنه لو كان يريد ذلك المعنى. على أن ذلك مخالف لبلاغة القرآن.. فقد وقعوا في محذور آخر إذ أن الحشر الأخروي يحدث قسراً فتكون العبارة مرة أخرى توضيحاً للواضح فكأنهم خرجوا من ورطة فوقعوا بمثلها أو أشد منها.

إن عبارة لا عوج له هي وصف للداعي تنفي وجود أي عوج في عقيدته وسلوكه وقد ذكرت تارة أخرى في القرآن- لإحداث ربط وثيق لا ينفك عن هذا المعنى هو قوله تعالى:

"الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيماً" !/الكهف.

فلماذا لم يقولوا هنا أن لأعوج له معناه لا عوج عنه؟!.

طبعاً لم يتمكنوا من ذلك لأن المعوجين عن القرآن كثرة ولله الحمد. وإذن فالداعي كالقرآن كلاهما لا عوج له وهذا ليس بجديد وإن كان على بعض القلوب شديد.. فإن المتفق عليه في الأقل بشأن المهدي (ع) أنه من العتره النبوية، فأنظر كيف يتطابق القرآن مع السنة في كل واحد لا يتجزأ إذ يقول النبي في الحديث الثابت:

"إني تارك فيكم التقلين. قالوا وما التقلان يا رسول الله. قال: كتاب الله وعترتي أهل بيتي فقد أنبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علىَّ الحوض"(1).

ومن المتفق عليه أن المهدي (ع) من العترة يحكم بأمر الله لا يحتاج إلى  بينه ويمده الله بالنصر والملائكة. وفسر أهل السنة عدم حاجته إلى بينة، لمعرفته أسرار الكتاب باعتباره (تبياناً لكل شيء). وإذن فالداعي قرين الكتاب وكلاهما لا عوج له. والتعبير عن لا عوج فيه بعبارة لا عوج له واضح. إذ ان العوج لابد من ظهوره سلوكاً لفظياً أو عملياً فيكون العوج له أي للموصوف به. ووصف به القرآن لأنه لا يتمكن أحد من إخراج معانيه بخلاف ما أراد الله ولا يقع في تناقض أو فضيحة لا ساتر لها.. فمن هنا لم يكن له عوج.

أما الذين جعلوا الضمير في آية الكهف يعود على (عبده) فإنهم يغنونا عن هذا الدليل بكامله- فكما أن الرسول لا عوج له فكذلك الداعي باسمه ودينه وشريعته فيكون التطابق أتم وأعظم لقول النبي (ص) الحديث (24): "المهدي من عترتي خَلقَه خَلقْي وخُلقُهُ خُلُقي"(2).

حديث (25): "يخرج رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه أسمي وخلقه خلقي فيملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً".(3)

الخامس: إن الآية التي قبل آية الداعي هي آية النسف:

"ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا. يومئذ يتبعون الداعي.."(1) 107-108/طه.

فربما ظنوا أن النسف لا يكون إلا يوم القيامة، وكان عليهم إذن أن ينتبهوا إلى أمور:

أ. كيف يكون النسف والدك كلاهما يوم القيامة وهما عمليتان مختلفتان تماماً؟ "وحملت الأرض والجبال فدكتا دكةً واحدةً"(2).

ب. لماذا يجعلها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا.. وكأنها هي الأخرى عدلت وذهب عوجها لتلائم حال الداعي الذي لا عوج فيه، في حين وصفت الأرض يوم القيامة أنها تدك، وبحارها تسجر، وإنها تصبح صعيداً جرزا.. إلى غير ذلك من أوصاف التدمير؟

ج. لمن يحدث هذا التعديل للأرض ومساواة سطحها بحيث يخلو من أي عوج ومرتفعات وحفر.. وهو يريد دكها وكبسها وإضرام بحارها نار وزلزلتها يوم القيامة؟

نعم أن الأرض تعدل هكذا للطور المهدوي لتكون مهيأة لإخراج البركات وزيادة المساحات للزيادة العظيمة في الملك خلال أدوار ذلك الطور، فيكون وصفها بخلوها من العوج متناغماً مع وصف الداعي ووصف الرسول الخاتم ووصف الكتاب- الجميع لا عوج لهم.

إن النسف حتى عند قدامى المفسرين هو أشبه بعملية تعرية سريعة، فتتكون بحسب وصف القرآن وتفسيرهم أرضٌ منبسطة ومستوية وخالية من كل ارتفاع وانخفاض (أرضٌ بيضاء)، وكل ذلك يعطى صورة لحدوث مساحات جديدة من الأرض مكان الجبال تكون صالحة للزراعة والسكن لسكان طور الاستخلاف.

السادس: لقد وصفت القيامة في آيات قليلة سابقة عن الآية الآنفة من قوله تعالى "يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين- إلى قوله إن لبثتم إلا يوماً" ووصفت طريقة كلامهم "يتخافتون بينهم" وانتهى السياق القرآني ثم وصَفَ بالفقرة الجديدة كلامهم "وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً". وهذا التقسيم واضح إذ يراد فيه إبراز عمليتين مختلفتين تماماً واحدة في الأرض والأخرى يوم القيامة.

5.  مناقشة اعتراضات محتملة على تفسير الداعي

الأول: "لم تحاول الاستشهاد أو ذكر الداعي في سورة القمر "مهطعين إلى الداعي.." أو قوله "فتول عنهم يوم يدع الداع. إلى شيء نكر"(1)؟

الجواب: هذا الداعي هو نفسه الذي لا عوج له لا شك في ذلك.. إذ أنه يذكر خلال السياق مجيء الآيات وذكر السحر ونزول الأمر ووصول الأنباء واختلاف حركة القمر ورؤية العذاب وكل ذلك من العلامات الكونية للطور المهدوي.. وتفاصيلها تأتيك لاحقاً بالتتابع فلا تعجل.

الثاني: تقول أن الجبال تنسف في الطور المهدوي وتدك يوم القيامة فكيف تستقر الأرض إذا زالت الجبال والقرآن الكريم يؤكد أنها تثبتها من الميدان؟.

الجواب: هذا من الخطأ المستمر شيوعاً إلى هذا اليوم وشارك فيه علماء الأمة. إن القرآن لم يؤكد أن الجبال هي المثبتة للأرض من الميدان بل الرواسي هي المثبتة.. ويأتيك بيان الفارق بينهما ببحث نفيس في محله من الترتيب. ولا يمكن ذكر جميع ماله صلة دفعة واحدة للتشابك الشديد بين المواضيع.. وننبهك مرة أخرى إلى أن الكتاب هو فيض من كتاب الله وإظهار الخصائص اللفظية بموضوعنا- ولا يقرأ إلا كاملاً ولا يحكم عليه إلا بعد اتمامه بل وإعادته فلا تجزع، فإن النبي (ص) قال: "إن هذا الدين عميق فأوغلوا فيه برفق فإن المُنبتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى".

المُنبتَّ: المسرع في ركوب الدابة يضربها فتسرع في السير.

6.  قاعدة النصر الحتمي للمؤمنين

يختلف الفكر الديني الحق في عقائده عن الكثير من بديهيات ومسلمات الفكر الوضعي، وبصورة تكون أحياناً معاكسة تماماً لتلك المفاهيم، والتي منها مواضيع النصر والهزيمة أو الغلبة والفشل.

فهو لا يؤكد على العدة والعدد بقدر تأكيده على (الثبات) وعدم الفرار، وللخالق رغبة في أن يراها كالبنيان المرصوص، فيؤكد أنه يحب هذا المنظر: "إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم البنيان المرصوص". 4/الصف.

لماذا؟ لأنهم بهذا المنظر يعطونه الوكالة الكاملة لإنزال النصر، إذ أنه سبحانه ليس بحاجة إلى العدة والعدد.

أما قوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" فهو يؤكد هذا المعنى لا غير لأنه جعل العدة ضمن الاستطاعة، بمعنى آخر أن أقصى الاستطاعة إذا كانت ثلاثة خيول مرة، وثلاثين ألفاً أخرى فالأمر سواء عنده، إذا تساوت قوة الإيمان والثبات، والرغبة القصوى في إعداد العدة.

ولذا لا تنفع العدة الكثيرة مع ضعف الإيمان كما في حنين، في حين نفعت قوة الإيمان والثبات في بدر بثلاثة خيول وقلة في العدد- بل الإعجاب بالكثرة والعدة ملازم للهزيمة.

"ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين" 25/التوبة.

لأن الإعجاب بالكثرة يستلزم النقص في الإيمان من جهة أخرى.. فالعدة لا تؤثر في نتيجة المعركة وفق قانون القرآن والمؤثر الوحيد هو الثبات والإيمان بعدة ضمن الاستطاعة في معركة مأذون بها بأمر إِلهِي- فالنصر في هذه الحالة يصبح حتمياً- لأن الجماعة قامت بكل ما تستطيع لنصر الله:

"يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم" 7/محمد.

فجعل التثبيت منه أيضاً، وهذا مزيد من الفضل والرحمة.. إذ يكتفي بصدق التوجه والإيمان، والعدة المستطاعة.

وهو يحصر النصر به وحده- غير آبه بالعدة والعدد:

"وما النصر إلا من عند الله" 10/الأنفال.

فأداة الاستثناء هنا حصرت النصر به وحده، وهو يؤيد بهذا النصر من يشاء بلا اعتبار لقوته أو قوة خصومه:

الله يؤيد بنصره من يشاء" 13/آل عمران.

والذي ينصره الله، لا توجد قوة قادرة على غلبته، بغض النظر عن عدد وعدة هذه القوة:

"إن ينصركم الله فلا غالب لكم" 160/آل عمران.

إذ نفى هنا وجود غالب لهم عند تحقق الشروط، ولو اجتمعت جميع قوى الأرض. وكان نوح (ع) سيهزم هزيمة منكرة وفق المقاييس الوضعية:

"فدعا ربه أني مغلوب فانتصر" 10/القمر.

فكانت القوة التدميرية النازلة كافية لأهلاك جميع أهل الأرض، من أجل انتصار نوح مع أفراد قلائل.

"ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر. وفجرنا الأرض عيوناً" 11/12- القمر.

واعتبر الخالق نصر المؤمنين حقاً واجباً عليه بما أوجبه على نفسه:

"وكان حقاً علينا نصر المؤمنين" 47/الروم.

وجعل ذلك قانون سابقاً لا يتغير:

"ولقد سبقت كلماتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم غالبون" 171-173/الصافات.

ويمكن التوسع بهذه الآيات مع غيرها لاستخراج أسرار كثيرة عن النصر المستقبلي للمؤمنين باستخدام المنهج اللفظي للقرآن، وربما كشفنا لك عن بعضها في بحوث لاحقة في مواضعها إن شاء الله.

ولكننا هنا سنشير إلى أن سورة كاملة في القرآن تتحدث عن النصر المستقبلي للمؤمنين- تم تحجيم مضمونها والتآمر على معانيها الشمولية والمستقبلية، وهي سورة "النصر".

7. كشف المكائد في تفسير "سورة النصر"

بسم الله الرحمن الرحيم

"إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً".

خلاصة أقوال المفسرين:

إذا جاء نصر الله- على أعدائك والفتح- فتح مكة، فيدخل الناس أفواجاً في دين الإسلام- بشر الله نبيه (ص) بفتح مكة، وتحققت البشارة وفيها معجزة لأنها إخبار بالغيب.

أقول:  هناك مؤامرة واضحة الخطوط رسمت خطوطها بعيد وفاة الرسول (ص)على هذه السورة ومدلولاتها الشمولية وإليك الأدلة التاريخية واللغوية على ذلك:

أ. التناقض في أقوال المفسرين في نفس التفسير لكل واحد منهم، إذ ذكر كل منهم قضيتين في تمام التناقض بشأن هذه السورة:

الأولى: أنها بشارة بفتح مكة وإخبار بغيب قد تحقق.

الثانية: أنها نزلت بعد فتح مكة بأكثر من سنة! وهو مثبت في كثير من المصاحف.

فكيف تكون البشارة متأخرة عن البشرى بأكثر من سنة؟ ولا تختلف التفاسير المختصرة التي توضع في هامش المصحف عن ذلك، وهو من أعجب وأغرب حالات الذهول عن الحقائق.. ففي أعلى السورة وفي جميع المصاحف الحديثة والقديمة مكتوبة العبارات التالية:

"سورة النصر ثلاث آيات مدنية نزلت بعد التوبة" مصحف عثماني حديث.

"سورة النصر ثلاث آيات نزلت بعد التوبة مكية" مصحف عثماني قديم.

"سورة النصر ثلاثة آيات وهي آخر السور نزولاً" مصحف عثماني/بيروت.

ومع ذلك يكتب المفسرون بجانب ذلك وعلى نفس الصفحة إنه بشارة بفتح مكة! وإن هذه البشارة قد تحققت! وقد أوضحنا لك بإيجاز ما تضمنته سورة التوبة وأنها نزلت بعد فتح مكة بأكثر من سنة.

ب. إن أهمية السور عند الله واحدة، بغض النظر عن طولها، فالسور القصار تتضمن رموزاً وعلوماً كالسور الطوال.ولا أدل على ذلك من هذه السورة إذ نزلت بعد التوبة الطويلة، فقد كان بإمكان الوحي درج الآيات الثلاث مع التوبة وينتهي الأمر فلماذا جعلها سورة مستقلة؟ ذلك لأنها نزلت بعد التوبة التي هي الإعلان الأخير والبيان الختامي للرسالة كما أسلفناه والتي جاءت لكشف أفواج المنافقين بعد فتح مكة والتي أتفق الجميع على أنها الوحيدة التي أعلنت بنودها في الكعبة عند الحج الأكبر.

سورة النصر هي فعلاً بشارة بفتح ولكنه ليس فتح مكة الماضي بل فتح جديد لم يحدث بعد لتطمين النبي (ص) عل رسالته ودينه وللتعويض عما أصابه من ألم وانزعاج بعد فتح مكة ونزول سورة التوبة (الكاشفة والفاضحة) لأفواج المنافقين حسب تسميات السلف لها.

ج. الثابت أنها نازلة بعد فتح مكة فكيف يكون الخطاب والأخبار بصيغة المستقبل

"إذا جاء نصر الله والفتح"، فمن المؤكد أن النصر والفتح لم يكن آتيا ًوقت نزولها فكيف أصبحت تدل على الفتح القديم لمكة؟.

د. ذكرت بعض المصاحف أنها مكية، ويستحيل أن تكون مكية قبل الهجرة فلا بد أن تكون مكية بعد الفتح وعليه لا يمكن أن يكون الإخبار بعبارة إذا جاء نصر الله والفتح بصيغة المستقبل! منطبقة على فتح قديم؟.

هـ. الخطابات القرآنية عامة وشاملة لكل زمان ومكان وإذا كانت تشير إلى فتح مكة الماضي فالمفروض استخدام صيغة مثل "إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً" 1/الفتح. بالزمن الماضي. لكن الأغرب من ذلك أن آية الفتح هذه فسرت هي الأخرى بفتح مكة رغم إنها نازلة قبل الفتح وبصيغة الماضي!؟.

قالوا: "إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً" هو وعد بفتح مكة والتعبير الماضي لتحققه وقيل هو الحكم وقيل هو صلح الحديبية! انتهى.

فانظروا كيف قلبوا الأمور كلها بالمقلوب،فصيغة سورة النصر المستقبلية تتحدث عن الماضي وصيغة آية الفتح التي بالماضي تتحدث عن المستقبل- ليجمعوا كل آيات الفتح حول فتح مكة الذي فتح (أبواباً للمنافقين).. فلا فتح بعده ولا فتح قبله!!

و. لم يفرح النبي (ص) بفتح مكة ولم يكن مسروراً به أعظم من سروره بفتوح أخرى أعظم منه، كما هو المأثور من أقواله في فتح خبير وفتح حصون اليهود التي لم يأمل حتى المسلمون بفتحها وجلاء اليهود.

قال تعالى: "هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار" 2/الحشر.

ومع ذلك فقد أدرج ذكر هذه الفتوح في سور أخرى ولم تعط له سورة مستقلة- بل حاول الشراح التقليل من أهميته.

لقد أستمر أهل مكة في محاربة الرسالة مدة عشرين سنة كاملة يجمعون الجموع لحرب النبي (ص) بكافة الوسائل، وأراد الأنصار الانتقام منهم يوم الفتح فعفا عنهم النبي (ص) وأبدل القائد بولده وقال (ص): (إذ هبوا فأنتم الطلقاء) مما هو مفصل في التاريخ- فكيف يسميهم الله تعالى "أفواجاً" داخلين في دين الله ويسميهم الرسول "طلقاء" وكيف يمتدحهم الله ويذمهم رسوله وعلام إذن سورة التوبة وإعلان بنودها على رؤوسهم في الحج الأكبر؟

ز. الطبراني في معجمه الكبير ذكر حادثة نزول سورة النصر برقم 2676/جـ2 وفيه أنه لما أنزلت قال النبي (ص) "يا جبريل نفسي قد نعيت" فقال جبريل (ع): الآخرة خير لك من الأولى وساق الحديث بتمامه ثم قال: ثم مرض رسول الله (ص) من يومه فكان مريضاً ثمانية عشر يوماً يعوده الناس- ثم قبض".

يدل الحديث على أن سورة النصر هي آخر ما نزل من السور بينها وبين وفاته (ص) ثمانية عشر يوم لا غير، وفي ذلك دلالة قاطعة على أنها السورة المقابلة لسورة التوبة التي تتضمن الفتح العظيم والنصر الكبير على يد المهدي (ع) وهو ما لم يتحقق للآن.. فكانت أعظم بشارة للنبي (ص) بشره بفتح الأرض كلها ودخول الناس كافة إلى دينه.

ح. اعترض الصحابة على دخول عبد الله بن عباس على الخليفة عمر بن الخطاب وهو شاب وقالوا (في أولادنا من هو مثله) فأراد إثبات مقدرته العلمية فأجرى اختباراً بينه وبين الصحابة إذ سألهم عن سورة النصر فيم نزلت فقالوا: "الفتح فتح مكة ونعيت للنبي (ص) نفسه" وسأل ابن عباس فقال ليس كما قالوا، قال فما تقول قال: "نعيت للنبي نفسه والفتح فتح مكة"! وبذلك يفوز ابن عباس في الاختبار ويؤيده الخليفة. أورد ذلك الطبراني في المعجم الكبير.(1) لم يفعل ابن عباس شيئاً سوى أنه قلب الترتيب! بمعنى أن سورة النصر نزلت لتنعى النبي (ص) نفسه وتبشره بفتح مكة، وما دام النعي بعد الفتح القديم فلا بد من فتح جديد، وإلاّ يسقط موضوع المحاورة والاختبار عن كل اعتبار، ومن المعلوم أن جلساء الخليفة من قريش، لا يعجبهم تفسير كهذا. أورد ذلك الطبراني في معجمه الكبير وغيره(2).تشير هذه المروية إلى أهمية هذه السورة من جهة وإلى قدم المحاولات والمؤامرات لتحجيم معانيها الشمولية والعالمية وتضمنها الوعد الإلهي بهيمنة الدين على سائر الملل وفي كافة بقاع الأرض، ولذا تمكن الخليفة حينما صرح عدة مرات بشأن ابن عباس- تمكن من البرهنة على أعلميته، باستخدام ورقة بالغة الخطورة على أولئك الجلساء عنده.. فلم يكن ذلك في حقيقة الأمر برهاناً على الأعلمية بقدر ما هو تهديد واضح.. لأولئك الذين يعترضون على أمور تافهة في صلاحيات الخليفة هي ليست شيئاً مذكوراً تجاه الأمور البالغة الخطورة التي يتمكن الخليفة ساعة يشاء أن يكشفهم بها!.

الخطورة تكمن في معرفة القائد الذي يكون على يده الفتح والنصر الإلهي بعد أن أكد المفسر الشاب أن الفتح بعد النعي أي بعد وفاة صاحب الرسالة (ص). فهو اتهام واضح للجالسين أو الذين من بعدهم في دينهم بحيث يحتاج الأمر إلى فتح جديد!.

وما كان لابن عباس كما هو واضح أن يقلب المعادلة هكذا أمام من سماهم أشياخ بدر لو لم يتسلم من الخليفة الضوء الأخضر الذي عبر عنه تعبيراً في غاية الوضوح ورد في نص الطبراني وهو "فدعاهم ذات يوم ودعاني وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني.." بإمكاننا أن نضيف عبارة (ما يسؤوهم) بعد كلمة مني فيتم المعنى الذي ذكرناه.

لكن المؤامرة في الواقع لم تكن خاصة بسورة النصر والفتح فقط، بل طالت كل فتح مذكور في القرآن.. حيث جعلوا هذا المصطلح يعبر عن حادث يقع يوم القيامة.. فلننظر في آية الفتح التي في سورة السجدة.

8.  آية (متى هذا الفتح) وعلاقتها بالطور المهدوي

"ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين. قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون. فاعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون". 28-30 / السجدة.

ذكر المفسرون ثلاثة احتمالات لتفسير هذا الفتح، وجمعوا بين الاحتمالات الثلاثة في محاولة لتضييع الحقيقة بينها، وذلك لعدم انطباق أي واحد منها على الآية، ولأن كل عاقل لا بد أن يتساءل عن مدى صحة هذه الاحتمالات فإن كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، ويستحيل تفسيره بصورة خاطئة ما لم يقع المفسر  في تناقض أما في نفس الآية أو في المجاورة لها أو نفس السورة أو مع آيات أخرى بعيدة.

الاحتمالات التي ذكروها هي: يوم القيامة أو فتح مكة أو يوم معركة بدر.

الأول: يوم القيامة:

لا تنطبق الآيات على يوم القيامة لأنه:

أ- ليس في يوم القيامة إيمان وكفر، ليقول:- لا ينفع الذين كفروا إيمانهم.. فهل يصبح الكافر مؤمنا يوم القيامة وهو قد مات كافراً، أليس هذا من التخليط المتناقض لحد مضحك؟ ألم يقرءوا الآيات التي تؤكد على التوبة إلى لحظة الموت وآيات أخرى تؤكد أنهم كفار داخل النار ويظلون كفاراً حتى لو أعيدوا إلى الدنيا؟ إذ يعودون لما نهوا عنه؟.

ب-   لفظ الفتح لفظ عسكري، خاص بالدنيا، إذ ليس في يوم القيامة معارك ولا فتوحات.

ج-    ذكر سياق الآيات السابقة عليها يوم القيامة مرتين. وإنما جاء التساؤل الجديد بعد المثل المضروب لأحياء الأرض.. وهو واضح  إذ يريد به التنويه عن قدرته على إحياء الأرض وإنزال البركات فتساءل المجرمون: متى هذا الفتح فأجاب: قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم إذا ادعوا الإيمان.. كما نفعهم في عصر الرسالة بدخولهم في النفاق.. ففي الطور المهدوي تنزل الملائكة ويحدث الوسم على الجباه وذلك منتهى المهلة لهم فلا ينفعهم إيمانهم.

هـ-  قوله تعالى: ولا هم ينظرون خاص بالدنيا لانتهاء المهلة، إذ ليس هناك انظار يوم القيامة! بل إبليس نفسه لا يأمل بهذا الانظار- ثم أكد المعنى بقوله [فانتظر] المشتق من نفس الجذر اللغوي. [ أنهم منتظرون ] - اشتقاق آخر من نفس المفردة عن الكفار وكل ذلك في الدنيا.

الثاني: يوم فتح مكة:

ويكفي لأبطاله وتهافته أن الذين كفروا قد نفعهم إيمانهم في فتح مكة من السوء كثيراً فأطلق سراحهم النبي (ص) وقال (أذهبوا فأنتم الطلقاء) لدرجة أن القائد العسكري للذين كفروا- أبو سفيان- نفسه قد انتفع به، فبعد جمعه العساكر مدة عشرين سنة، شهد الشهادتين. فأطلق سراحه- بل رجعت السلطة لأولاده وأحفاده وأحيط بمجموعة من الفضائل لازال يرددها إلى الآن من هم على شاكلته بل حاز على فضيلة مذكورة للآن في أول لحظة لإسلامه بل وقبل فك قيوده فبعد ان كان بيته مأوى لإبليس والشياطين خمسين سنة، أصبح في لحظة أماناً للخائفين، فروى أصحابه عن النبي (ص) أنه قال: "ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن"- فكيف لم ينفع الذين كفروا إيمانهم يوم فتح مكة؟.

أما إذا افترضنا وجود مستضعفين ونساء لا يعلمون شيئاً عن حقيقة الرسالة ثم رأوا الآيات يوم الفتح ودخل الإيمان إلى قلوبهم حقاً فآمنوا فلماذا لا ينفعهم إيمانهم يوم الفتح، فلا يمكن أن ينسب إلى الخالق تعالى مثل هذا المراد من الآيات، ولو أخذا به وجب تكفير جميع من أسلم يوم فتح مكة.. وهي نتيجة لا نقبلها نحن ولا المفسرون.

فانظر كيف يحيق المكر السيئ بأهله بعدما أرادوا إخراج الآيات عن معناها في اليوم المهدوي، فأين ما يذهبون  تصفعهم الآيات.

"كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير" 1/هود.

الثالث: يوم بدر:

لقد أحس المفسرون بهذا التخبط، ولذلك رموا سهامهم نحو معركة بدر فإذا هي أكثر طيشاً مما هناك.. إذ كانوا يحلمون أن تنقذهم معركة بدر لتفسير هذه الآيات باعتبارها أول فتح فتحه الله لنبيه (ص).

ومن هنا تورطوا أكثر لأنه لا يوجد أي مبرر لعدم قبول إيمان من يؤمن والمعركة قائمة! فربما وجد إنسان نقي السريرة فرأى الآيات ومدد الملائكة وبهاء رسول الله (ص) وأصحابه فآمن.. فلماذا لا ينفعه إيمانه؟!.

من أجل ذلك قال البيضاوي ليخلص من هذه الورطة: والمراد بالذين كفروا الذين قتلوا منهم يوم بدر.

كيف يحصر الذين كفروا- وهو عام- بقتلاهم فقط يوم بدر فعلى رأيه إن الكفار إذا ماتوا موتا ًطبيعياً، ينفعهم إيمانهم.. ثم ما هذه المضحكات فكيف يموت الكافر أو يقتل ويجري الحديث عن إيمانه أو ليس قد قتل كافراً.. فالرجل يتحدث عن شيء لا وجود له لا في القرآن ولا في العقول.. بل يتحدث بلا موضوع أصلاً، لأنه لا موضوع أصلاً عن إيمان بعد موت، فهذا الموضوع منتفي من أساسه.

والظاهر أن هؤلاء لا يفرقون بين هذه الآيات الخاصة بالطور المهدوي وبين آية القيامة في سورة الروم:

"فيومئذٍ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يُستعتبون" 37/الروم.

والفارق بينهما كبير جداً فهذه الآيات هي التي تخص حالهم يوم القيامة لأنها:

أ.  جاءت في سياق الحديث عن قيام الساعة ووصف حالهم بعد قيام الساعة مباشرةً.

ب. سماهم هنا الذين ظلموا بدل الذين كفروا، إذ يظهر ظلمهم علاوة على كفرهم لوجود الصحف وسجلات الأعمال.

ج. لا تنفعهم يوم القيامة معذرتهم بدل إيمانهم- لأنه لا يوجد إيمان يوم القيامة ولكن يمكن أن يعتذروا.

د. ولا هم يُستعتبون بدل ولا هم ينظرون: لأنه لا يوجد إنظار يوم القيامة، بل الحساب الذي يحاولون تحويله إلى عتاب، ليعتذروا. ولذا يؤكد القرآن على عدم منفعة اعتذارهم بشكل دائم في يوم القيامة.

قوله تعالى: "فاعرض عنهم، وأنتظر إنهم منتظرون".

أمر الله نبيه بالإعراض عنهم وانتظار ما يحدث فهم منتظرون، فإن كانوا قتلى بدر فكيف يأمره بالإعراض عن القتلى الميتين؟ وإن كان الفتح فتح مكة أو القيامة فكيف يأمره بالإعراض عنهم وهو إنما جاء لينذرهم؟ فمن أجل التخلص من هذه الإشكالات قال البيضاوي:

"فأعرض عنهم أي لا تبال بتكذيبهم وقيل منسوخ بآية السيف".

فما أعجله بذكر النسخ كي لا يعطيك مهلة للتفكير في قوله الأول ثم إسأله وأسأل غيره من الذي قال أنه منسوخ ومتى وكيف يعود مجدداً ليناقض ما قاله أولاً حينما يقول في قوله تعالى (فانتظر إنهم منظرون):

"انتظر النصرة عليهم إنهم ينتظرون الغلبة عليك" فكيف يقول له أعرض ثم يقول له أنتظر النصرة عليهم؟.

أما عند فهم الآيات بمعناها الحقيقي ليوم الفتح العظيم لكافة الأرض تزول جميع هذه التناقضات التي تسببها التركيبة الإعجازية لكل مفرده فيها والتي لا تقبل أي عوج أو تناقض في المعنى. فقوله تعالى فأعرض عنهم لا يعني الأعراض عن محاربتهم ليحتاج إلى نسخ أو صد هجماتهم العسكرية وتحصين قوته الذاتية، بل أعرض عن البرهنة على وقوع الفتح لأن عليك أن تنتظر وقوعه لأنه وعد ربك، فأنهم منتظرون عدم تحقيقه أو منتظرون بالضم أي أن لهم مهلة وانظار حتى يوم الفتح حيث لا ينفعهم يومئذ إيمانهم ولا هم ينظرون مزيداً من الوقت أكثر من الذي أمهلناهم.

9.  قاعدة الظهور الحتمي للدين.

لقد أشار القرآن الكريم إلى الظهور الإسلامي المستقبلي في ثلاثة مواقع من القرآن معتبراً الظهور قضية واقعه حتماً، بل ورغم الكفار والمشركين.

لو أخذنا هذه المواقع بحسب النزول لكانت السور الثلاثة التي ذكر فيها الظهور من أواخر السور النازلة في القرآن وهي الصف، الفتح، والتوبة، فليس يفصل بينهما إلا ثلاث سور أخرى، فكان الظهور بشكل متناوب في السور السبع الأخيرة وختم بها أيضاً- لأننا رأينا قريباً أن سورة النصر تتحدث عن النصر الحتمي للمؤمنين في يوم الظهور.

فلنوضح هذه المواقع حسب النزول:-

الأول: الظهور الحتمي في سورة الصف:

تبدأ السورة بذكر التسبيح لله في أرجاء الكون (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض) وتنتهي بكلمات التأييد الإلهي وظهور المؤمنين على عدوهم:

"فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين". فكأن السورة بأجوائها تتحدث عن الزيغ والارتياب والاختلاف في أمة سابقة مبشرة إلى حدوث مثله في هذه الأمة، ورغم قصرها فقد ذكر فيها الجهاد مرتين، والمسيح (ع) مرتين وتضمنت البشارة بالرسالة الخاتمة وتسمية رسولها بـ (أحمد) وهي المرة الوحيدة التي يسمى بهذا الاسم في القرآن.

وفي ذكر المسيح إشارة إلى الطور المهدوي لأن المسيح من أتباع المهدي (ع) ولأنه ذكر في هذه السورة وهو يطلب (أنصاراً) إلى الله!. وسط السورة أو قلب السورة هو الذي يتحدث عن الظهور الحتمي للإسلام على كافة أديان وعقائد الأرض:

"يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" 9/ الصف.

إن قوله تعالى "ليظهره على الدين كله" يفيد المعنى المستقبلي، تماماً مثل عبارة (متم نوره) حيث تفيد المعنى المستقبلي، فهي تختلف عن الإتمام بالماضي كقوله تعالى "وأتممت عليكم نعمتي" حيث اكتملت الرسالة وتمت النعمة بالقرآن وتحديد حملة القرآن المعجز بعد غياب الرسول، ولكن نور الرسالة لم يستولي على كافة بقاع الأرض، والدين ليس ظاهراً على كافة الأديان بعد ولذا قال (متم نوره) بالمعنى المستقبلي و(ليظهره) بالمعنى المستقبلي أيضاً، وهو ما تشير إليه الآيات من التخطيط لإتمام النور وإظهار الدين.

الثاني: الظهور في سورة الفتح:

الآيات الخاصة بالظهور في سورة الفتح، عجيبة التركيب، فهي تجمع بشكل متناسق الكتب الثلاثة والأديان الثلاثة، وتصف وصفاً دقيقاً التطور نحو المهدوية، وتمثل الأمة بالشجرة المحمدية التي تغلظ مع مرور الزمن مخرجة فسائل مجاورة لحمايتها فتصبح باسقة قوية تعجب الزّراع.

إن الآية تشير بصورة مفاجئة وغير متوقعة إلى (ظهور) النبي (ص) ذاكرة أسمه الصريح بالشعار الإسلامي والذي هو الجزء الثاني من الشهادة:

"محمد رسول الله"

إن آية الظهور في سورة الفتح تطابق أولها مع آية الصف:

"هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار" 28/ الفتح.

الثالث: الظهور في سورة التوبة:

لقد وضعت آية الظهور بشكل مقصود في مكان حساس من سورة خاصة والموقع الحساس هذا هو الآية (33) من سورة التوبة، واكتنفت أية الظهور من الجهتين آيات تتحدث عن أهل الكتاب- التوراة والإنجيل كما ذكر المسيح (ع) في هذه السورة مرتين أيضاً على غرار سورة الصف.

إن سورة التوبة هي آخر سور القرآن نزولاً إذ لم ينزل بعدها سوى سورة النصر، القصيرة جداً، في حين تتألف سورة التوبة من 129 آية طويلة فهي إذن من السور المتوسطة الطول وموقعها في المصحف هو التاسع، وكأن رقم آية الظهور في سورة الصف يشير إلى موضع ذكره الآخر في سورة التوبة. من هنا نعرف أن سورة التوبة هي آخر سورة مفصلة، فهي إذن تمثل الإعلان الأخير أو البيان الختامي للرسالة. ومعلوم انه في كل بيان ختامي يجرى تلخيص ما حدث وما سوف يحدث وما يجب أن يعمل- وهكذا انطوت سورة التوبة على خلاصة مركزة دقيقة ومحكمة لتاريخ الرسالة السابق واللاحق وعلى الخطوط العريضة لواجبات الجماعة المؤمنة.

ولهذا السبب كانت التوبة هي السورة الوحيدة التي أمر الوحي بضرورة إعلان بنودها على الناس كافة في موسم الحج الأكبر. كما أنها الوحيدة التي خلت من البسملة وسميت بأسماء عديدة منها الكاشفة والفاضحة وبراءة..الخ.

ومن خصائص هذه السورة:

أ. محور السورة هو التوحيد، ولذلك افتتحت بالبراءة من المشركين، ومعلوم أن الشرك هو الاسم الجامع للعديد من الأصناف كالمنافقين وعبدة الطاغوت وعبدة الهوى وعبدة رجال الدين.

ب. شنت السورة هجوماً عنيفاً على هذه الأصناف الداخلة في الجماعة الإسلامية وحذرتهم العذاب لمرتين أو ثلاث مرات.. "سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم". كما حذرت المؤمنين من مؤامرات وتخطيط هذه الجماعة المنحرفة الداخلة فيهم.

ج. حذرت السورة من أخطار عديدة لعل أبرزها تحريف الدين بسبب أفواج المنافقين الداخلة خلال فتح مكة. وهذا ما يؤكد على أن سورة النصر النازلة بعدها والقصيرة جداً إنما هي بشارة بفتح آخر لوقوع تناقض غير معقول في القرآن وهو ما رأيناه في سورة النصر ورؤيانا الجديدة لها الملائمة بالأدلة التاريخية العديدة.

د. أجملت السورة كل ما يتعلق بشؤون الرسالة وإدارة الحكم وتوزيع الأموال وعلاقة المسلمين بأهل الكتاب ووجوب استمرار مجاهدة الكفار والمنافقين واستخدام الشدة معهم.

وفي أوج ذلك جاء الوعد بظهور الدين وللمرة الثالثة:

"يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله أن يتم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" 33/التوبة.

ولا بد من الانتباه لبعض الألفاظ في آيات الظهور الآنفة ومعرفة مدلولاتها مثل:

يريدون أن يطفئوا: فالإرادة من الكفار والمشركين والمنافقين حاصلة ومستمرة إلى اليوم لوجود الفعل المضارع المستمر.

بأفواههم: فيه دليل على بطلان أعمالهم لأن النار أو الضوء يمكن أن يطفئ بالأفواه أما النور فلا، بخاصة حينما نسبه لنفسه سبحانه (نور الله)(1).

ويأبى الله: فيه دليل على حتمية الظهور على الأديان كلها- لأن إباءه أعلى من الإرادة منه سبحانه فإن كان "فعال لما يريد" فما بالك فيما يأبى إلا تحقيقه!!.

ولو كره المشركون: يدل على استمرار كراهيتهم لظهور الدين ومعلوم أن المشركين ليسوا عبدة أصنام قريش بل جميع أصناف المشركين.

إن عبارة "ليظهره على الدين كله" إذ تتكرر نفسها في الآيات الثلاث من السور الثلاث فإنما تشير إلى ظهور الدين الحق على جميع الأديان من خلال معرفة الهدى- الذي هو نقيض الضلال، بمعنى آخر أن الناس لهم دين لكنهم في ضلال وليس هو الدين الحق ولذا قال: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق).

فالهدى من هذه الجهة يعود إلى النور- لأن النور هو الذي يكشف عن الاختلاف ويميز الخبيث من الطيب فكان التحدي (ولو كره الكافرون) ولكن حينما يكون الكلام باتجاه دين الحق- فهو يقابل دين الباطل وهو الشرك "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون" فكان التحدي بعبارة (ولو كره المشركون)، فانتبه لذلك.

 


 


(1) من خطاب للرئيس الأمريكي في عيد رأس السنة 1986.

(2) من مقولات الماركسية اللينينية المشهورة.

(3) مثل نظريات الوجوديين ونظرية علم النفس لفرو وغيرهما.

(1) الآيات الشريفة المذكورة يعرفها قارئ القرآن وهي مبثوته على طوله وبخاصة في سور الأحزاب والتوبة والمنافقون والتحريم والحشر والأنفال ومحمد (ص).

(1) الحديث 10/باب الجهاد عن أبي هريرة.

(1) يحلأون: أي يطردون.

(2) صحيح البخاري- باب/الحوض.

(1) حديث التقلين مشهور بالصحة الفاظه وطرقه كثيرة. صحيح مسلم جـ2 ص326.

(2) كنز العمال 7/188. مسند أحمد بن حنبل 1/376. صحيح الترمذي 2/36 حلية الأولياء 5/75. تاريخ بغداد 4/388.

(3) طرق كثيرة بألفاظ متباينة: صحيح الترمذي 2/36- أبو داود /ج27 –باب.

(1) 107-108/طه.

(2) 14/الحاقة.

(1) 8/6- القمر.

(1) و (2) الطبراني جـ10/10616، الترمذي/234201، مستدرك الحاكم 437/438 البخاري بستة طرق في الهامش، الطبراني 10617/جـ10. صححه مسلم والذهبي.

(1) لاحظ شبكة الألفاظ المرتبطة (بنور الله) في مثل المشكاة من كتاب (أصل الخلق وظهور الأنا بين الولاية والتوحيد)- المؤلف.

 

.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست

. النهاية

اللاحق السابق

البداية   الفهرست